كيف نجحت “الصين” و”روسيا” فى تحويل أعداء المنطقة  إلى أصدقاء؟ – العدسة
Loading

كيف نجحت “الصين” و”روسيا” فى تحويل أعداء المنطقة  إلى أصدقاء؟

بواسطة: | 2017-10-23T16:10:59+00:00 الإثنين - 23 أكتوبر 2017 - 1:16 م|الأوسمة: , , , , , |
تغيير حجم الخط ع ع ع

العدسة_ مترجم_ هادي أحمد

مازال المحلل السياسي والكاتب المتخصص فى الشؤون الدولية والصراعات “فيديريكو بييراتشيني”  يستكمل تحليله المطول عن الاستراتيجية التي استخدمتها كل من الصين ورسيا؛ لتحويل عدد من دول المنطقة من أعداء إلى أصدقاء، وفي هذا الجزء يكمل الكاتب الآليات التي اتبعتها الدولتان لجمع فرقاء المنطقة على طاولة واحدة، لينتهي في نهاية تحليله إلى سلسلة من الاستنتاجات، يرصدها في سبع نقاط..

وهذا نص الجزء الثاني من التحليل..

من محايد لصديق

وفى محاولةٍ لتحويل نفسها لدولة أكثر حيادًا، قد تحاول الرياض تحقيق التوازن بين التأثير الاقتصادي والعسكري والأمريكي بدعم روسي وصيني، كما تجدر الإشارة إلى أهمية روسيا والصين في إقامة دولة محايدة ذات قدرة إنفاق كبيرة فى المنطقة.

وفيما يتعلق بالحالة تركيا، فقد اقترن التدخل الروسي فى سوريا، بالطموحات التركية لكي تصبح مركزًا للطاقة الأوروأسيوية، وهو ما دفع موسكو وأنقرة للعمل معًا، ونتيجة للعمل الدبلوماسي الفعال بعد إسقاط تركيا لطائرة روسية، تحسنت العلاقات تدريجيًا، وحدث بالتوازي تحقيق الجيش السوري والقوات الجوية الروسية للنجاج ضد “الإرهابين المدعومين من تركيا”، كانت الهزيمة التركية واضحة بالفعل قبل 12 شهرًا.

وفى الأشهر الأربعة الأخيرة، يبدو أنّ علاقة أردوغان غيّرت من أولوياتها، مع التركيز على القضية الكردية، وعلى علاقاتها المتنامية مع قطر ، وفى الوقت ذاته، فإنّ تركيا تنأى بنفسها عن حلفائها فى حلف شمال الأطلسي، وتزداد انجذابًا أكثر فأكثر نحو محور المقاومة الذي يتكون من إيران والعراق وسوريا.

وقد وضعت محادثات السلام فى “أستانا” أساسًا للجهود الدبلوماسية، التي تبذلها طهران وموسكو؛ لإقناع أنقرة بالتخلي عن الخيار العسكري (على الرغم أن ذلك كان واضحًا بالفعل بعدما قررت موسكو التدخل) وبدلاً من ذلك، سيتم تشجيع أنقرة على فتح صفقات هامة للطاقة بين أنقرة وموسكو.

ويبدو أن موسكو قررت الآن أن تصبح مركزًا للطاقة يحمل الغاز التركي من روسيا إلى أوروبا، وكذلك الغاز من قطر وإيران، بل يبدو أنّ الصين لديها نية فى التواصل مع المنشآت التركية لتوريد الغاز والنفط، مما يزيد من دور أنقرة كمركز رئيسي لنقل الطاقة فى المنطقة.

الأمر الآخر الذي دفع أردوغان للتخلي عن سوريا هو “القضية الكردية”؛ حيث تعمل قوات سوريا، التي تتألف أساسًا من مقاتلين أكراد، فى سوريا تحت إمرة وسيطرة التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة.

وقد استمرّ التباين بين أنقرة وواشطن حول الأكراد فى النمو حتى أثناء إدارة ترامب، على عكس التوقعات خلال فترة الانتخابات الأمريكية، ومع الاستخدام التدريجي لقوات الدفاع الذاتي فى سوريا، من قبل التحالف الدولي برئاسة واشنطن، انتهت استراتيجيات ترامب وأوردغان إلى الصدام.

فترامب يحتاج إلى أن يعطي إنطباعًا لجمهوره المحلّي أن الولايات المتحدة تكرّس جهودها لمكافحة داعش، حتى ولو كان ذلك يعني الاعتماد على الأكراد الذي يهدد الاعتماد عليهم بقطع العلاقات مع تركيا، ويرى أردوغان أنّ الأمر يتعلق بالأمن القومي.

وقد تصاعد الوضع إلى حدّ وصل للنزاع الدبلوماسي منذ أيام، أدّى إلى تبادل تعليق إصدار تأشيرات الدخول من السفارتين فى أنقرة وواشنطن.

ويرى أردوغان أنّ المساعدات الأمريكية للأكراد تعتبر أسوأ أنواع الخيانة من قبل حليف الناتو، ولذلك كان ردّ الفعل الطبيعي على هذه الأعمال من قبل الولايات المتحدة هو الاتفاق بين العراق وإيران وسوريا وتركيا؛ للحفاظ على السلامة الإقليمية إزاء القضية الكردية.

وكخطوة أولى من أجل تهدئة المنطقة وإعادة بنائها وإدماجها فى مشروع طريق الحزام الواحد وطريق الحرير البحري وممر النقل بين الشمال والجنوب، يجب وقف الحروب وسيادة الدبلوماسية.

وبالنسبة لأنقرة فهي فرصة للخروج من الحرب فى سوريا دون أن تظهر كأحد الفصائل المهزومة، ومن ثم المشاركة فى محادثات أستانا مع روسيا وإيران، وفى الوقت نفسه توكد على أهمية موقعها الجغرافي كمركز لتوزيع الطاقة فى شبه قارة أورآسيا، هذا كله على حساب واشنطن وكسر ضغوطها.

من جانبها رفعت موسكو كافة العقوبات المفروضة على تركيا، والعكس بالعكس، من المتوقع حدوث زيادة كبيرة للنمو فى السنوات المقبلة، أما بالنسبة لمبيعات الأسلحة إلى المملكة فإنّ النفوذ الروسي آخذ فى الاتساع، وذلك بفضل أنظمة صواريخ S-400 التي يجري بيعها إلى أنقرة وتعدّ تلك الصورايخ جهدًا إضافيًا لردع العدوان الأمريكي، ولكنه أيضًا مؤشر على إرادة أنقرة للتنويع، للمرة الأولى عسكريًا، ما يعد دعامة للنظام العالمي الجديد متعدد الأقطاب.

وقد أعادت أنقرة، بعد العديد من الفشل الدبلوماسي والعسكري، بناء دورها فى المنطقة جنبًا إلى جنب مع إيران وقطر، فى سياق تضمن فيها شراكتها مع موسكو، وبكين، يضمن من خلال أردوغان الحصول على هامش الانسحاب تدريجيًا، من نظام الناتو الذي جلب له الكثير من المشاكل، للدخول في منظمة شنغهاي للتعاون، والتي يمكن أن يختم مرور أنقرة إلى العالم متعدد الأقطاب، ليصبح فى عملية تحالف كامل مع موسكو الصين.

وفي هذه الأثناء من الممكن القول إنّ موسكو وحلفاءها نجحوا فى مهمة كانت غير مرجحة، تتمثل فى تحويل دولة كانت على شفا مشاركة مباشرة للحرب فى سوريا فى محاولة للإطاحة ببشار، إلى أحد أهم الضامنين للسلامة الإقليمية لسوريا .

وقد وافق أردوغان على أن يبقى الأسد فى السلطة فى المستقبل القريب واتفق حتى على المساعدة فى محاربة الإرهابيين فى سوريا، كما يتضح من العمليات العسكرية التركية الأخيرة فى إدلب.

مدى دعم هذه الصداقة الجديدة بين موسكو والرياض وأنقرة لم يتم اختبارها بعد، ولكن من المعروف أنّ أردوغان والملوك السعوديين، لا يحافظون على كلمتهم، وعلى هذا النحو، يبدو أنّ هذا أمر جيد من الناحية الاقتصادية والسياسية والعسكرية للثلاثية الإيرانية الروسية والصينية.

فالحرب فى سوريا انتهت تقريبًا، تم تحييد الجماعات الإرهابية التي يدعمها السعوديون والأتراك، كما تم تحييد التكامل الاقتصادي والعسكري الكامل بين أوراسيا وأنقرة، كما تم تحديد شروط التكامل الاقتصادي والعسكري الكامل بين أوراسيا والرياض.

دعم الأصدقاء 

وفى نهاية المطاف تجدر الإشارة إلى مساهمة روسيا والصين وإيران للحكومة والشعب السوري، وعلى مدى السنوات الستّ، من الحرب فى سوريا، لم تنجح إيران أبدًا فى المساهمة من حيث القوى والمعدات والدعم اللوجيستي فى المعركة ضد الإرهاب.

وقد اتخذت موسكو فى المراحل المبكرة من الصرع، حتى قبل التدخل المباشر، خطوات لتسوية الديون الخارجية السورية، وقدمت الأموال من خلال توفير الأسلحة والطاقة واللوجيستيات كوسيلية للإسهام بنشاط فى هزيمة الإرهابيين فى سوريا.

وقد مهّدت الصين الطريق أمام مستقبل سوريا من الناحية الاقتصادية، معلنة أن البلاد طريق عبور مهم ووجهة نهائية لجزء من مبادرة الحزام وطريق الحرير، وستسمح القوة الاقتصادية الصينية لدمشق بإعادة بناء ما  دمرتها ست سنوات الحرب.

ومع قدرات عسكرية روسية، سيكون لدى دمشق كل الوسائل للإزمة لإنهاء الصراع وتحقيق الاستقرار فى البلاد ووضع الأساس لمنع أي عدوان غربي فى المستقبل.

ومن منظور سياسي ودبلوماسي، فإنّ الأعمال المشتركة لطهران وبكين وموسكو، جنبًا إلى جنب مع دمشق، هي جزء لا يتجزأ من المحور الذي يمتد من إيران إلى العراق وسوريا ويصل الى البحر الأبيض المتوسط، ويمكن أن يذهب لتركيا.

ومع تضافر العناصر الاقتصادية والعسكرية والسياسية، نجَت سوريا من حرب لم يسبق له مثيل، وظهرت بوصفها الفائز، مما يضمن قدرتها على تحديد مستقبلها بشكل مستقل دون تدخلات يفرضها الخارج.

سلسلة استنتاجات

– من المتوقع أن يؤدي المسار الذي تتبعه (موسكو – طهران – بكين) إلى استقرار منطقة الشرق الأوسط؛ جراء حل الصراع السوري، وبعض العناصر الرئيسية لهذا التغير العالمي الذي نشهده تتمثل فى: الضغط الاقتصادي الصيني على السعودية لقبول دفع ثمن النفط باليوان، والقضاء على الإرهاب فى العراق والدول المجاورة، والتحايل على العقوبات المفروضة على إيران، من قبل الولايات المتحدة وحلفائها، وتحويل تركيا إلى مركز إقليمي لتوزيع الطاقة.

– تدخل الصين اقتصاديًا فى عدد من المناطق وخاصة منطقة الشرق الأوسط، لدعم القوة العسكرية الروسية، من خلال المال والدبلوماسية والاستثمار الاقتصادي توفير السيولة للحلفاء، كما هو الحال مع موسكو عندما تعرض لعقوبات غربية.

– بالنسبة لبكين فإنّ تراجع الإرهاب يعد عاملًا رئيسيًا فى تعزيز تنمية الصين للبنية التحتية لطريق الحريري 2 ما يسمح لبكين بالدخول إلى مناطق دمرت فى الشرق الأوسط لتقديم خطط إعادة إعمار سهلة.

– فى الوقت الراهن يبدو أنّ سوريا ومصر وليبيا وباكستان لها أهمية كبيرة لاستراتيجيات الصين المستقبلية، وتقود روسيا والصين مؤسسات مثل بريكس ، UEE SCO  AIIB ،وتتمثل استراتيجية الصين الكبري في دعم ايجاد بديل للنظام العالمي النيوليبرالي، القائم على الدولار الأمريكي واحتواء آثار انخفاض الإمبراطورية الأمريكية.

– سيتعين على الدول أن تختار بين نظامين: إذا ما كانت تريد النظام العالمي متعدد الأقطاب القائم على أساس الصداقة  التعاون المربح بين الجانبين، أو  نظام القطب الواحد القائم على أساس القوة العسكرية والاقتصادية الأمريكية المتراجعة.

– إنّ الدعم الاقتصادي الصيني القوي، جنبًا إلى جنب مع الجيش الروسي، فضلًا عن أهمية إيران فى منطقة الشرق الأوسط، يحميان بنجاح دولًا مثل “سوريا” من التدخلات العسكرية الأمريكية، وتدق إسفينًا بين الحلفاء الأمريكين القدامى، وتمهد الطريق لعزلة واشنطن المخطط لها اقتصاديًا وعسكريًا فى المنطقة.

– وهكذا فإنّ البلدان التي تواجه الضغوط الأمريكية بشكل مماثل، مثل كوريا الجنوبية والمكسيك وفنزويلا، سوف تنجذب بشكل أكبر إلى العالم متعدد الاقطاب بقيادة روسيا والصين، ما يعمل على تسريع تراجع ونفوذ الولايات المتحدة خارج الشرق الأوسط .

ولهذا فإنّ النظام العالمي متعدد الاقطاب وجد ليبقى، والولايات المتحدة الأمريكية لم تعد القوى العظمي الوحيدة، بل من بين اثنين من القوى النووية الأخرى المسلحة، وكلما أدركت الولايات المتحدة ذلك، كلما كان ذلك أفضل للبشرية وللسلام فى جميع أنحاء العالم.


اترك تعليق