Loading

خليك في حالك

بواسطة: | 2017-12-13T20:25:35+00:00 الأربعاء - 29 نوفمبر 2017 - 10:07 م|
تغيير حجم الخط ع ع ع

بارعٌ الإنسان دومًا في التصميم على تكرار نفس الفعل، مهما ثبت خطأ معتقداته عن نفسه والآخرين من حوله؛ ربما ظنًا من كل واحد فينا أنه الأذكى، وأن احتمالية كونه مخطئًا شيء نادر، إن حدث مرة، فهو غير قابل للتكرار.

كل يوم تُثبت لنا الحياة أن ما يمارسه معظمنا من إصدار أحكام مُطلقة أو شبه مطلقة على مَن يحيطوننا؛ بناء على مظهرهم الخارجي، هو واحد من أكثر اختيارات الحياة طفولة وبلادة، كنوعٌ من الاستسهال والقولبة التي تريح العقل من عناء التفكير والتطوُّر.

يستيقظ المرء، ويستعد ليوم جديد، يرتدي ملابسه، ومعها قناع الخديعة الذي نضعه مع خروجنا كل يوم إلى الشارع؛ نضعه على وجوهنا كي لا يعرف أحد حقيقة ما نشعر به، كي لا يرى أحد غيرنا كل هذه الجروح التي تنزف في أرواحنا؛ نغلق جُرحًا فينفتح اثنان بدلًا منه؛ فنحاول تضميد ما نستطيع، نقاتل من أجل الاستمرار دون سقوط نعرف وحدنا عواقبه، التي ربما لا نستطيع تحمُّل تكلفتها.

ثم يأتي واحد ليحكم عليك من الخارج، ويظن أنه هكذا يعرفك بصدق، ويعرف مدى سعادتك أو شقائك!

 

(2) منذ عدة سنوات..

أتى إلى مجلسهم على المقهى، كعادته التي انقطع عنها في الشهور الأخيرة، لكنه اليوم يعود.. صحيح أن الهالات السوداء تحيط بعينيه بشكل لافت، وجسده الهزيل يُنبئ بسوء تغذية واضح؛ ناجم عن انقطاع رغبته شبه الدائم عن تناول الطعام، إلا أنه يبدو مرحًا كحاله في الأيام الخوالي، يضحك ويطلق النكات، ويسخر من نفسه ومن صُحبته كعادته التي افتقدوها فيه منذ بدأ انهياره في الشهور الأخيرة.

كان يضحك ويثرثر، كأن اكتئابه قد زال؛ حتى أن واحدًا من الأصدقاء الجالسين سخر منه قائلًا: “أومال إيه مكتئب مكتئب اللي قارفنا بيها دي؟! ما أنت زي الفُل أهو”.. ابتسم بجانب فمه، دون أن يجيب.. لمحتُ رعشة شفتيه، قاومها سريعًا؛ كأنه كان موشكًا على قول شيء ما، ثم أحجم.. لم يكن الساخر يعرف أن صديقنا حاول الانتحار منذ عدة أيام، وتراجع في اللحظات الأخيرة.. كنتُ وحدي أعرف هذا، وأعرف أنه لولا إلحاحي ما نزل إلى جلستنا هذه، ولولا عدم رغبته في ان يبدو ضعيفًا أبدًا، لاكتفى بالجلوس صامتًا حزينًا.

ما أسوأ أن تكون مُحاطًا بمَن يظنون أنهم يعرفون عنك كل شيء مما تُظهِر، وكأنك لا تملك إلا ما يبدو لهم!

 

(3) يترصدونك ويتابعونك، ثم يحاسبونك على حزنك كأنه ذنب، كأن المرء يختار ان يكون حزينًا رغمًا عنه أحيانًا.

حكتْ لي صديقتي عن معاناتها مع الدائرة المُقرّبة لها من أصدقائها، وكيف أنهم يستغربونها عندما تبدو صامتة قليلًا أو حزينة، يريدونها أن تبدو دومًا مبتهجة، تضحك وتطلق النكات، وإلا أصبحتْ ثقيلة الظل وبها شيء غريب!

عندها يجد الإنسان نفسه يتحول بالتدريج إلى ما يشبه البلياتشو؛ ترتسم الضحكة العريضة المُزيفة على وجهه دائمًا، وإن كانت روحه تتمزق تحت وطأة الحزن والوجع؛ فقط ليتجنب أحكامًا غبية ممِن يحيطونه؛ كي لا يشعر بالمزيد من الغُربة.

 

(4) قال “مريد البرغوثي” في كتابه: “رأيت رام الله”:

السعيد: هو السعيد ليلًا.. والشقيّ: هو الشقيّ ليلًا.. أما النهار، فيشغل أهله!

غالبًا، لا تتفق حقيقة حالنا وما نشعر به مع ما نبدو عليه.. حتى أن الكثير في حياة كل منّا يبدون بالقرب، مع أنهم لا يعرفون عنّا إلا أقل القليل، لا يرون إلا ما نريد نحن أن نريهم إياه.

لذا يصبح من فطنة المرء أن يتعامل مع مَن حوله على هذا الأساس؛ وألا يظن في نفسه أنه يدرك ويرى كل شيء.. حتى الظاهر أحيانًا يكون عكس ما يبطن صاحبه تمامًا.. فحاول أن تكون لطيفًا قدر استطاعتك، أو اتبع النصيحة الذهبية، التي لا تزال تحتفظ ببريقها بالرغم من مرور السنين: خليك في حالك.

الآراء الواردة في التدوينة تعبر فقط عن رأي صاحبها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر “العدسة“.


اترك تعليق