Loading

هل تختفي “رغوة داعش”؟ وما مصير “شرعيات الإرهاب” بالعواصم العربية؟

بواسطة: | 2017-11-03T17:37:02+00:00 الجمعة - 3 نوفمبر 2017 - 5:28 م|الأوسمة: , , , , , , , , , |
تغيير حجم الخط ع ع ع

العدسة _ مؤيد كنعان

كان تنظيم “الدولة الإسلامية” هو الرغوة المتحركة في أعلى قدر نحاسي يغلي فوق مِرجَل، هذا هو التشبيه الذي يمكن استخلاصه بعد قراءة عدة تحليلات غربية حول الأوضاع في الشرق الأوسط، مع قليل من التأمل في السماء وكوب من القهوة.

الرغوة المتحركة هي نتيجة وليست فعلا، نتيجة لغليان ما تحتها، صحيح أنها تمثل بؤرة التركيز، وتأخذ الأنظار للحظات، باعتبارها الظاهرة للعيان، لكن بمجرد اشتداد الغليان واستمراره دون إطفاء المرجل سيتصاعد السائل المغلي إلى الأعلى بسرعة، وأول ما يقع على الأرض ستكون الرغوة ليظهر السائل نفسه وهو يضطرم اضطراما.

الرغوة تتساقط

قد يكون هذا هو ما يحدث في الشرق الأوسط الآن، فبعد عقود من تشكل رغوة “تنظيم الدولة” وتجمعها وتكثفها، ها هي الآن تبدأ بالتساقط، تحت وقع تفاعلات المنطقة، المثير هنا أن تلك التفاعلات اجتمعت على طرد “الرغوة”، وكان اضطرامها متركزا على هذا الأمر، لكن ذلك لا ينكر حقيقة أن ما يدفع الرغوة للوقوع والزوال هو الاضطرام، وبالفعل فإن السائل المضطرم في غليانه تكون جزيئاته في حالة معركة حامية الوطيس.

انقشعت “رغوة داعش”، صحيح أنه ليس بالشكل الكلي، لكن نستطيع القول: إن معظم قوامها قد ذهب، ولم يتبق فوق السائل المغلي إلا بعض التجمعات الرغوية الصغيرة، تحاول الالتقاء مجددا لتشكيل رغوة كبيرة لتغطي على السائل مرة أخرى، لكن لا يزال الاضطرام يمنعها من ذلك.

الآن، وبعد الانقشاع ظهرت جوانب جديدة من الغليان، وبات قدر الشرق الأوسط النحاسي على موعد مع تغيرات مهمة، لن يكون من بينها بالطبع إغلاق المرجل، فمن يراقبون مشهد الوعاء يبدو أنهم باتوا مستمتعين بحالة الغليان وتبعاتها، هم فقط سيحافظون على مفتاح التحكم بنيران المرجل، كلما أراد السائل المضطرم أن يعلو تحت وطأة الحرارة ليصب نفسه خارجا، بادروا بتهدئة النيران قليلا، وعند رجوعه إلى الأسفل في هدوء نسبي رفعوها مرة أخرى.

تحالفات وشرعيات

تحالفات اقتضتها الضرورة باتت أمام اختبار حقيقي الآن، كان بعضها صريحا والآخر خفيا، أبرزها التحالف التركي الروسي، والذي تشكلت ملامحه في جزء مهم منها على مكافحة “تنظيم الدولة” في سوريا، وأيضا التحالف المصري السعودي الذي ترفرف راياته حاليا وفقط على مكافحة “الإرهاب”، غير أنه توسع أكثر في دائرة “إرهاب تنظيم الدولة”، ليصل إلى “إرهاب كل من له وجهة نظر مختلفة مع نظام الحكم في الرياض والقاهرة”.

الأهم من ذلك هو أن شرعيات بكاملها انبنت على فكرة مكافحة الإرهاب تلك، وبات شخص كالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستمد حاليا معظم شرعيته، إن لم تكن كلها، من هذه الفرضية، التي إن انهارت فسينهار معها، لذلك فإن السيسي يهمه بشكل وجودي استمرار فكرة الحرب على الإرهاب وتطويرها وتوسيعها باستمرار.

شرعية أمام الفشل

لا يملك السيسي، وهو يدخل الاستحقاق الانتخابي الرئاسي المقبل، سجلا اقتصاديا أو سياسيا ناجحا، فالأوضاع المعيشية للمصريين جعلت معظمهم ناقمين على السلطة الحالية بكاملها؛ ضرائب ورسوم ورفع شرس ليد الحكومة على الضعفاء والمستحقين، ومشروعات تم الترويج على أساس أنها تحمل في طياتها مفاتيح كنوز للمواطنين باتت أقل من نمطية، وحتى الإنجاز السياسي الوحيد الذي حققه السيسي، والمتمثل في صيغة متعجلة للمصالحة بين حماس وفتح يترنح تحت تصلب السلطة الفلسطينية واستعجال حماس ورفض “إسرائيل”، بل وتصعيدها عسكريا في القطاع، منذ أيام.

بن سلمان

إذا ذهبنا إلى السعودية، سنجد أن محمد بن سلمان، ولي العهد الحالي والحاكم الفعلي للمملكة، بحسب كثيرين، يبني جزءا معتبرا من شرعيته الحالية والمستقبلية على فرضية الحرب على الإرهاب والتطرف أيضا، صحيح أنه يروج لرؤية يقول إنها ستجعل المملكة كيانا اقتصاديا منتعشا بعيدا عن أزلية النفط وغدره، لكن محاورها حتى الآن لا تزال غير مفعلة، فالشعب السعودي يبدو حتى الآن غير مستعد لتحمل فاتورة قاسية لتحقيق حالة خروج مستديم من أسر النفط، وأبرزها تغيير ثقافة العمل، وعدم استسهال الاعتماد على الغير، وانتظار الراتب السخي وعلاوة “محرم” السنوية.

أما عن الأداء السياسي لـ “بن سلمان” فحدث ولا حرج، حيث يرى مراقبون أنه السبب في توريط المملكة بثقلها الكبير ومكانتها المعنوية الهائلة في حرب مع ميليشيات يمنية لم يستطع أن يضع لها حدا حتى الآن، ويهرب منها إلى مزيد من التصعيد فيها، للدرجة التي باتت فيها ميليشيات الحوثيين تتعامل كند للسعودية، البلد السني الأقوى معنويا وماديا أيضا.

أيضا مثلت أزمة قطر إحدى تجليات اندفاع “بن سلمان” دون حسابات للمصالح والمكانة، والصورة الآن حرجة، فالحلفاء الغربيون وحتى الولايات المتحدة والأشقاء في الخليج، عدا الإمارات والبحرين، باتوا متعاطفين مع قطر.

من هنا ليست الأمور مستقرة لـ “بن سلمان” على الصعيد الاقتصادي والسياسي، وبالتالي تبقى شرعية مكافحة الإرهاب والتطرف هي الأوضح.

شرعية “عيال زايد”

في الإمارات، اختط “عيال زايد” لأنفسهم خطا له منطلقاته الجديدة للوصول إلى زعامة إقليمية يريدونها عبر شراكة مع الولايات المتحدة و”إسرائيل” ، قائمة على لعب دور شرطي المنطقة الوفي المكافح لكل خصوم واشنطن وتل أبيب، وبالتالي كان مهما أن يبنوا شرعية جديدة قائمة أيضا على مكافحة كافة حركات الإسلام السياسي والراديكالي وحتى الوسطي.

ورغم أن منجزات الإمارات على المستوى الاقتصادي جيدة، لا سيما في دبي، فإن البناء الجديد للأولويات جعل الأعداء في طريقهم لأن يكونوا أكثر من الأصدقاء، وهو الأمر الخطير على تلك المنجزات.

تبقى الإشارة إلى أن التقاربات الجديدة والشراكات بين محور الدول العربية السنية الكبرى مع “إسرائيل” قائم أيضا على فرضية مكافحة الإرهاب، علاوة على مجابهة إيران، لذلك، وبالإضافة إلى أهمية الحفاظ على قدر معقول من شرعية حلفاء “تل أبيب، فإن “رغوة داعش” ستستمر، ولو في حدها الأدني، لكن لا مانع أيضا من إعادة تكثيفها، إن لزم الأمر.

وكما قالت دراسة نشرها مركز “جيوبوليتيكال فيوتشرز” الأمريكي: “إذا كان كل هذا يبدو مربكا، فذلك لأن الشرق الأوسط معقد، وفي العملية الجيوسياسية، يتحرك الوقت ببطء، وفي مثل تلك المنطقة، يكون كل حدث غالبا محوريا، مع عواقب طويلة الأجل”.


اترك تعليق