Loading

 أول محاولة انتحار

بواسطة: | 2017-12-23T21:55:08+00:00 السبت - 23 ديسمبر 2017 - 9:55 م|
تغيير حجم الخط ع ع ع

 

أذكُر هذا اليوم بالتفصيل كأنّني أعيشه الآن، كل ما حوْلي يبعث في نفسي الرهبة مضاعفةً، تارة لِهَيْبةِ المكان، وتارةً أخرى لأنني لا أرى؛ كنتُ معصوب العينين. المكان؟ الدورُ الرابعُ تحت الأرض في مبنى الأمن الوطني المصري.. الصوت؟ آتٍ من كل مكان، أصواتٌ مختلطةٌ لأجهزةٍ يتخيلها السامعُ أبشع من حقيقتها، وأصواتٌ أخرى لأحدِهم يبدو أنه معلّقٌ في الجوار. الصوتان متتابعان.. آهةٌ من حنجرةٍ مرتجفةٍ، ولعنٌ من حنجرةٍ برقبة أخرى غليظةً تكادُ عروقُها تتفجرُ من الغيظ تطالبه بالكفّ عن التأوّه. المناسَبة؟ طفلٌ مشاغبٌ يشبه الآلاف من المشاغبين في نظر السلطات؛ أتوا به إلى هنا كي يكفّ عن شغبه ويتأدب، ويرى كيف يهتم بمستقبلِه وفقط، حين يراه من خلال عينيه المغمضتين تحت العصابة السوداء، وبين ظهرانيّ الغرابيب الأشدّ سوادًا..

ينادي الرقم: “تلاتين”.. يصطحبونني إلى سلم حديدي حلزونيّ يمرّ بأربعة طوابق إلى الأعلى، وأعرف كل طابقٍ من درجةٍ كبيرةٍ عنده ثم تَتَابعُ الدرجات الصغيرة مجددا. تفاصيلٌ كثيرةٌ.. تعذيبٌ وتحقيقٌ متواصلٌ لدرجة الإغماء، تفكيرٌ ولا تفكير. شيءٌ يهتف بالداخل: “قليلٌ فيكَ يا رب” وصوتٌ آخرٌ يلاحقه: “أين أنتَ يا رب؟”. كان يواجهُ ويعذب ويحقق مع إنسانٍ غيري، يحمل اسمي وصورتي وجسمي، لكن روحي لم تكن هناك؛ كانت منشغلةً بأسئلةٍ ثقيلةٍ أصعب من تلك التي يوجهها الضابط. أسئلة من نوعية “لماذا؟ ومَن؟ وكيف؟”.. و”متى؟”.

مرَّ أصدقاءٌ لي بهذه التجربة من قبلي، وكنتُ أهابُ الوقوعَ فيها من هول ما سمعت، فلانُ الذي ظلّ مختفيًا هناك لأربعين يومًا وخرجَ بعدها إلى السجنِ فاقدًا القدرة على المشي، ومتضررا في أعضائه الجنسية؛ هناكَ الضابط أخبرني أول التحقيق أنني سأخرجُ –إن خرجتُ- بالآثار ذاتِها. يعود السؤال: “متى؟”، لا بأسَ بكل هذا أو بكيفِه أو بكَمِّه، لا بأسَ بالقيد والأغلال والأرض والحشرات والصعق والعطَن والإهانة وعصابة العينين، لكن متى سأخرج من هنا؟ فليقولوا أنني سأبقى لديهم يومًا أو أسبوعًا أو شهرًا أو سنة، لا بأس بالانتظارِ المرهونِ بموعد، لكن متى؟ لم يقولوا.. هذا ما دفعني وهم يصطحبونني بعد تسعِ ساعاتٍ من التحقيق والتعذيب المتواصلين- إلى التفكير في الانتحار!

كانت هذه هي المرة الأولى التي آخذ فيها القرارَ فعليًّا لكنني عجزتُ عن العثور على آلية تنفيذه، أمامي وورائي وعلى يميني وشمال وفوقي وتحتي.. جنود، هل أقفز الآن؟ لا أرى! ربما تفلتُّ منهم وقفزتُ من السلّم فوجدتني على الأرضِ بعد مترين فقط، حينها سيكون الوضعُ أصعب، وسيتحول الانتحار إلى نحر. استسلمتُ أمامَ الواقعِ الملعونِ الذي يسلب منّا حقّ الحياة، وإرادة الموتِ المبكر.

انتحرت. صعدتُّ إلى السماء الأولى لأشاهد ماذا سيقولونَ عنّي وأنا ميت، فوجدتُّ عددًا لا بأس به يقول: لم يتحمل اليومَ الأول، برغم وجود العشرات منذ شهورٍ وربما سنواتٍ، ولم ينتحروا! يالَضعفه. فريقٌ آخرٌ كانَ يقول: لو أنَّ قلبه عامرٌ بالإيمان لما فعَل! لم أكمل الاستماع إلى أحاديث البقية، قفزتُ من السماءِ الأولى إلى الأرض لأنتحرَ مجددا.

كنوعٍ مِن الهزل المر والكوميديا السوداء؛ كتبَ أحدُهم أنه مكتئب! فوجدتُّ الناس مستنكرين: وهَل يكتئبُ شابٌ وهو يعيش بين جمالات تركيا؟ “تيجي نبدّل؟” “يا عم احمد ربنا”.. كالعادةِ ينظر الناسُ بمنتهى السطحيةِ بعيونهم المنغلقةِ نحو كل شكوى على أنها “دلَع”؛ ليبدؤوا وابلًا من التنظير يبدأ بمقارنة حال المرء بأحوال الآخرين، وينتهي إلى الحُكم عليه بأنه “ننّوس عين أمه” ليس قادرًا على التحمّل! ثانية! وأي تحمّلٍ أصلا وهو منعّم والآخرون من جيلِه بين جنبات السجون منذ خمس سنوات؟ عيال خرعة بصحيح! أظنه الآن انتقلَ من مرحلة الاكتئاب إلى التفكير بالموت.

يا سيّدي.. إن مَن يتألمُ يشعرُ أنّ ألمه هو الأقسى على وجه الأرض، ولو كان شوكةً في طرف إصبعه؛ فدعوه يتألم! أو يظنّ بأن ألمه الأقسى! لا تخبروه أن فلانًا قُطعت رقبتُه ولم يصرخ كالأطفال مثلك، لا تقولوا له إنّكَ تبالغُ في كل شيء، لا تجلبوا له إحصائيات بعدد الذين بُترت أقدامهم في الثانية التي أصيبت قدمه فيها بمجرّد شوكة! هو يعلم ذلك جيّدًا، ويشكر نعم الله في اليوم مليون مرة، لكن حين يضعف في ثانيةٍ لا تطالبه بالقوة ولا تقارنه بالآخرين! سيسقط!

إن أكبر إيلامٍ لأحدِهم أن تستصغرَ ألمَه، وإن أبشعَ جريمةِ قتلٍ هي تلك التي تقطعُ فيها بسبب لسانك رقابَ الآخرين. إن الذي يشتكي إليكَ لا يحتاجُ أن تتحولَ راهبًا ولا أن تجعلَ من حديثكما صومعةً، وإنما يريدُك أن تستمع إليه كأنّ لا أحد يتألم في الكون غيرَه! كأنَّ أحدًا لم يحبِب ولم يُخذَل في الكونِ سواه! كأنَّ غربتَه قبرٌ وحياته فيها جهنم! فأرجوك.. لا تنظِّر على متألم، ولا تستصغر ألمَه، ولا تقارنه بآلام الآخرين.

الآراء الواردة في التدوينة تعبر فقط عن رأي صاحبها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر  ” العدسة

عن الكاتب

يوسف الدموكي
يوسف الدموكي
شابٌ مصريٌّ مقيمٌ في تركيا، أدرسُ الإعلام، وأكتبُ من أجل الكتابة؛ إذ القلمُ حياةُ مَن يأبَى الموتَ رقمًا؛ و الكلمةُ فرضٌ لمن استطاعَ إلى الحياةِ سبيلًا

اترك تعليق