Loading

إعلام اسطنبول .. القضية أم الترافيك؟!

بواسطة: | 2017-12-28T15:55:51+00:00 الخميس - 28 ديسمبر 2017 - 3:26 م|
تغيير حجم الخط ع ع ع

أزمة الثورة المصرية، ومن ورائها ثورات الربيع العربي، أن من قاموا بها مجموعة من المخلصين لم يقرأوا سطرا عن الثورات، العبارة ليست لي، لكنني لا أذكر متي ولا أين قرأتها، ما علينا، هذه هي المصيبة باختصار، تطلعات صادقة للعدل والحريّة ، شباب واع بزمنه، غيور علي بلاده، قارئ، مثقف، في الفن، في الدين، في الأدب، في الفلسفة، في التاريخ، في السياسة – على خفيف -، لكنه لم يقرأ بما يكفي عن الثورات وتفاصيلها، ولم يدرك “عمق” الدولة التي أراد انتزاعها،  فابتلعته!

هذه هي قضية الثورة إذن، بالأحرى قضية الجيل الذي حاول وفشل ويريد أن يتجاوز وينجح، المعرفة، الوعي، الفهم، الإجابة على السؤال الأصعب: ما الواقع؟، تلك التي تقود مباشرة إلى: ما الحل ..

تعرض أغلب الشباب الفاعل للاعتقال، وسبقنا الطيبون إلى جوار الله، ولم يبق من صوت سوى صوت الهاربين من الموت والسجن، مناضلو الخارج الذي يزايد عليهم إعلام النظام ليل نهار، ومنهم قنوات اسطنبول الثلاثة، فرصتنا – ربما الوحيدة – في التواصل – بحرية – مع الناس في مصر

الناس ترانا – لا شك – ترتيبنا في إبسوس. يقول ذلك، الناس بالفعل ترانا، لكن هل نراهم؟ هل نتبنى قضيتهم حقا، هل نقدم لهم ما يتوجب علينا تقديمه، هل انشغلنا بوعيهم – بيت الداء – وطورنا معرفتهم – ومعرفتها – بالثورة، الدولة، معنى العدل، معنى الحقوق، معنى الدعم، معنى الأمن، معنى الحياة التي يتكاثرون على هوامشها ولا يعرفون عنها شيئا؟!

الإجابة بكل تأكيد لا، ما فعلناه طوال ٤ سنوات هو أننا زدناهم غضبا وحنقا ومللا وتشتيتا واستقطابا وتخديرا وتبشيرا بغد كاذب، زدناهم تسخينا ليزيدوننا “مشاهدات” على يوتيوب، والنتيجة: “أصبحنا أكثر نجومية وأصبحوا أكثر بؤسا” .. ثم ماذا بعد؟

“الناس عايزه كده” … هكذا يخبرونك إذا تحدثت معهم في خطورة ما نقدمه من خطاب تعبوي لا قيمة له، والحقيقة التي يعرفها أبناء المهنة أن الناس “لا تعوز”، الناس “بتاكل اللي يتحطلها”، وتتشكل ذائقتها ووعيها وفقا لخطة الإعلامي لا العكس، قل لي ما ذَا تقول على الشاشة أقل لك ماذا تريد .. أنت لا الناس!

فكرة أن الناس هي من توجهنا، وأن الشعب هو القائد والمعلم، وأن الناس أكثر وعيا من نخبها، كل هذا هراء، لا وجود له، الشعوب العظيمة صارت كذلك لأن نخبا واعية تحمل قضيتها – بصدق – وليس “أكل عيش”، قررت أن تشتغل مع الناس (وليس عليهم)، مثقفون، وكتاب، ورجال دين، وفنانون، شقوا في صخر الواقع بيوتا للضمير، وأسكنوها ذويهم، شعوبهم، فصاروا إلى ما لم نصر إليه بعد، ذلك لأننا هنا نعبد اللايك والشير والمشاهدات “الحرام”، حالنا لا يختلف كثيرا عن البورنو كليب الذي يجلب مشاهدات أكثر ، و”برضه الناس عايزه كده” ..

في الأثر، يروى أن الله أرسل ملائكته لتدمير قرية ظالمة فاسدة، فقالوا: يارب إن فيها عبدك فلان، قال: به فابدئوا، فإن وجهه لم يتمرّغ في التراب يوما من أجلي!، والمعنى أن هذا العبد الصالح لم “يخاطر” يوما ويحمل هم الدعوة إلى الحق فيرفض الناس ويدفعونه ليتمرغ في التراب، اشترى دماغه – رغم صلاحه الشخصي – فاستحق أن يكون أول المعذبين

والقصة – صحت أم لم تصح – معناها واضح، الله لم يخلقنا لنصلي ونمشي “جنب الحيط”، ارضاء للناس، أو للحاكم، أو لصاحب الشغل، الله خلقنا لقضية، تستلزم وقتا وجهدا ومعاناة وبعض الصبر، كي تصل بها إلى الناس، أما جمع الناس بالصراخ واللطم والعويل، فهو أسهل الطرق – وأحطها – إعلام المقدمات النارية ليس “إعلام ثورة” إنما هو “إعلام بورنو” .. الفارق أن العاهرة – هنا – تدخل البيت منتقبة!

أخيرا، الناس تقاوم من يعمل لصالحها مقاومتهم لكل جديد، يتهمونه، يمرغون وجهه في التراب، لكنهم إذا وجدوا فيه إصرارا وصدقا وقيمة حقيقية اقتربوا وسمعوا، واستفادوا، وتغيروا، “الزبون” لن يطير، كل ما في الأمر أن “نوعية” الزبائن ستتغير، سيذهب مهاويس “العديد” – أو يتغيروا – ويأتي من يستحقون خطابا صالحا للاستخدام الآدمي!

الآراء الواردة في التدوينة تعبر فقط عن رأي صاحبها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر ” العدسة


اترك تعليق