Loading

الخلاص

بواسطة: | 2017-12-29T16:05:33+00:00 الجمعة - 29 ديسمبر 2017 - 4:05 م|
تغيير حجم الخط ع ع ع

“لا يحصل المرء علي خلاصه حال تمنيه ذلك، فالأمر يحتاج إلي وقت ومجهود لا يقدر عليه الكثيرون، حتي وإن حرك الأمل الكثيرين، فلا يحصل علي خلاصه إلا من أعد وتحمل”

كلنا يعلم ما أصاب الصحابي الجليل بلال بن رباح من سيده أميه ، وكيف أنه وجد خلاصه في قولته الخالدة “أحد .أحد .” . كلمته البسيطة تلك حملت بين طياتها إيماناً جعله يسمو فوق الألم ، جعلته يتعالي علي كبر سيده وصلفه ورغبته التي لا تنتهي في سحقه وكسر عزته وأنفته . لكن بلالاً أسمع الكون تغريدته وظل يرددها معه حتي لحظتنا هذه ، ولقد غدت تغريدته تلك مثالاً لما قد يحققه المرء من نصر علي نفسه وظالميه وأهل الأرض جميعاً حين يحصل علي خلاصه ، حتي وإن كان خلاصه في مجرد كلمة لكنها تنبع من نهر إيمان دافق في قلبه … وهكذا انتصر بلال.

ولا يزال ميدان النصر مفتوحا علي مصراعيه ، لكن هل من باحث عن خلاصه ؟

وفي حياة كل منا “أمية” يمنع عنه زاد الحياة ويصليه العذاب أصنافاً وألواناً ، يربطه إلي سارية في الرمضاء ، ويثقل صدره بحجارة تحرقه وتمنعه النفس ، فمنا من أميته ظروفاً لا يملك معطيات التخلص منها ، ومنا من أميته صلفاً يجده من الناس دون مبرر ، ومنا من أميته زوجة لا تتقي الله فيه أو زوج لا ينفذ وصية النبي في النساء أن رفقاً بالقوارير ، ومنا من أميته حاكم ظالم لا يقوم في الناس بالقسط ، وعلي سبيل التعميم قد يكون أمية ظروف وأحوال اجتماعية أو إقتصادية أو سياسة أو عائلية أو أياً ما يكن ، لكن السؤال من سينتصر إن لم تجد خلاصك كما وجده بلال منذ قرون قبلك ؟

حتماً لن تكون المنتصر ، لأنك تقوقعت حول ذاتك ونسيت أن تبحث عن خلاصك لتحصل علي نصر لن يكون بعده هزيمة أبداً ، وإنما رفعة ذكر كما حدث مع بلال رضي الله عنه حين أخبره النبي صلي الله عليه وسلم “إني قد سمعت دف نعليك بالجنة ” . الآن وجب عليك أن تقابل أميتك بشجاعة ولكن بعد أن تجد خلاصك . لكن ما قد يكون خلاص المرء ؟

ليس ثمة وصفة محددة للخلاص ، وكلنا يعلم كيف يتغلب علي الظروف من حوله ، فالعقول التي أهدانا الله إياها صنعت حضارات ومعجزات نعيش أثرها اليوم وستبهرنا بما يمكنها فعله في المستقبل ، أفتعجز عن إيجاد حلول لمشكلات مزمنة في حياتنا ؟ . أنا لا أعتقد ذلك وأثق في أنكم توافقوني الرأي.

إذن أين تكمن حقيقة المشكلة ؟ إنها وبلا شك في الخوف الذي يسيطر علي البشر فيمنعهم من مجرد إرادة التغيير  . فأياً يكن ما يواجهه المرء في حياته ، فهل قد يتغلب عليه إن هو تملكه الخوف ؟ . إن الخوف القابع في أعماق نفوسنا البشرية يقتل أثمن ما أهدانا الله في الحياة ، إنه يقتل إرادتنا التي تميزنا عن جميع المخلوقات ، إرادتنا التي بنينا بها أهرامات وحدائق معلقة وناطحات سحاب وصعدنا بها إلي القمر وتدفعنا اليوم لسكني المريخ . هذا ما حققناه بإرادتنا حين تحرر بعض البشر من خوفهم وتملكهم شغفاً مدفوعاً بإرادة حقيقة لتحقيق المستحيل ، فماذا بالله لو تحرر البشر جميعا من خوفهم وامتلكوا إرادة حرة؟

إن الله قد نفح فينا من روحه وأسبغ علينا صفات كانت له خالصة قبل خلقنا ، فلم يكن من يملك إرادة حرة غيره  ، لكنه وعن حب حبانا الإرادة لنفعل ما نشاء ، فلماذا نتنكل لهدية الله لنا ؟ .  أعلم أن البعض يعي هذا جيداً لكن الخوف الذي لامبرر له في أغلب الأحيان هو من يدفعهم لذلك … إنه الضعف البشري الذي يجب أن نحاربه.

أعجبتني يوماً مقولة قرأتها لمجهول قال فيها متعجباً من سخافة البشر ” إننا نتفادي المخاطر لنتقدم بأمان نحو الموت “. لماذا الخوف إذاً وأقسي ما قد يصيب المرء حين يريد التخلص من أميته في حياته هو أن يموت ، أنخشي الموت ؟ إن كنا نفعل ، فلا أصح من أن نتهم إيماننا الذي نفحر علي الدنيا بأنا نمتلكه نحن أهل الشرق . وكيف نخشاه وهو الحياة الحقيقية ؟ ألسنا نسعي في الدنيا قاصدين وجه الله في الآخرة ؟ ألسنا نبتهل دعاءاً بأن نري وجه الله في الجنة ؟ وكيف يكون ذلك إن لم نمت ، أو بالمعني الفلسفي للكلمة ، إن لم ننتقل من الحياة الدنيا إلي الحياة الآخرة.

وإن الحياة توهب لمن يبحث عن الموت ، لكن ليس موت العاجز المفعول به ، وإنما موت الفاعل المتحرر الذي وجد خلاصه وقاتل لأجله وجعل ديدنه في حياته تبصير الناس بروعة الإرادة البشرية  . إن خالد بن الوليد لم ينل الشهادة في ساحة المعركة ، وكلنا يعلم كيف كان خالد في معاركه وهو الذي لم يهزم قط في معركة أبداً وإنما مات علي سريره كما يموت البعير ، طبقاً لقولته ، فلا نامت أعين الجبناء .  إن خالد ، وكذا العظماء من البشر ، تحرروا من خوفهم وامتلأوا بارادتهم لتحقيق المستحيل . ألا ترغب أن تكون عظيماً مثلهم ! ألا ترغب في أن يرفع ذكرك بين الناس وعند الله ! ألا تعلم أن البشرية في أمس الحاجة إليك ! إياك أن تظن أنك مجرد رقم بشري بين مليارت سبع أو يزيد ، أقسم أنك متفرد ، لم ولن تتكرر ، فتحرك فلعلك أنت من يرد البشرية عن طريق الهاوية الذي تسير فيه.

دعنا نعصف أذهاننا معاً فيما قد يعنيه الخلاص . وإني أري الخلاص في أن يضع المرء نفسه في موضعه المحصص له ، إذ لما خلقه الله جعله خليفة في أرضه ، فمن رضي بغير مقام الخلافة فلن يحصل علي خلاصه ولن تزيده الحياة إلا أعباءاً وأثقالاً يرزح تحتها اليل نهار حتي يأتيه الموت.

الخلاص، أن يشعر المرء بالأمان والسكينة في أحلك الظروف إيماناً منه بأن التجارب الدنيوية مهما طالت فهي إلي زوال ، ويقيناً بأن الذي قدر هذه الظروف هو حكيم بعلم . فلا يأس المرء ، بخلاصه ، علي شئ فاته ولا تخرجه الفرحة عن وقاره بشئ أوتاه.

الخلاص ، حرية مشروطة بمبادئ وأخلاق يلتزمها أولو العقول الناضجة والأنفس الطاهرة والأرواح  الذكية ، يعرفون بها حق الخالق وحق عبادة ، فلا تعجزهم النواهي ولا تقعدهم الأوامر ، ديدنهم إصلاح أنفسهم وإصلاح الناس من حولهم ، قد يعتريهم العجز البشري المؤقت ، لكن شغفهم يمنحهم السمو فوق ضعفهم .وإن المخلَصين هم محترفوا العمل نهاراً ، رهبان العبادة ليلاً ….

لست أدعو إلي التشاؤم ، وإنما أدعو إلي الشجاعة وعدم الخوف وتحرير الإرادة البشرية ، وإني لأوالي من يدعو لما أدعو إليه وأنبذ من يقتات علي بث الرعب في قلوب الناس خوفاً من تحرير إرادتهم حفاظاً علي مصالحهم الخاصة .وإلي قارئي كلماتي هذه ، إياكم أن تعتقدوا أن أمية قد مات ، إن أمية فلسفة باقية إلي قيام الساعة ، فلسفة الإستعباد والخوف وتدجين البشر . إن كنتم لا زلتم غير مدركين لماذا يخشي أمية من بلال فاعلموا أنكم لم تفكروا بعد في خلاصكم ، وأتمني لكم أن تحرروا إرادتكم ففي تحريرها خير لكم وللبشرية.

الآراء الواردة في التدوينة تعبر فقط عن رأي صاحبها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر “العدسة

عن الكاتب

أحمد ناصر
مهندس اتصالات والكترونيات ورائد أعمال وباحث حر في الفلسفة والعلاقات الانسانية، أبحث في الجذور فهماً لطبيعة الثمر، أجيد الكتابة بالفطرة وأستخدمها للتطور الفكري

يوجد تعليق واحد

  1. علي الخميس، 4 يناير، 2018 at 8:51 ص - Reply

    أحسنت يا رجل..

اترك تعليق