دروس 2017 – العدسة
Loading

دروس 2017

بواسطة: | 2017-12-28T15:43:28+00:00 الخميس - 28 ديسمبر 2017 - 3:43 م|
تغيير حجم الخط ع ع ع

أعتقد أن أسوأ ما يُمارسه الإنسان، بشكل عام، هو قدرته المُذهِلة على النسيان؛ ننسى- أفرادًا وجماعات- الماضي القريب ودروسه، حتى قبل أن ننسى ما حدث في الماضي البعيد! فيصبح الإنسان معذِّبًا لنفسه؛ بتكراره لأخطاء وخطايا ارتكبها من قبل، ربما منذ عدة سنوات، أو عدة أشهر أو أيام أحيانًا.

لذلك يمكنني القول بضمير مستريح أن هذه كتابة ذاتية للغاية؛ أكتبها بنفسي لنفسي، في المقام الأول؛ كنوع من التذكير؛ لعلّه يقيني الوقوع في غفلة نسيان دروس دفعتُ ثمنها من مالي وأعصابي وصحتي، ثمن غال لا أتمنى أن أضطر لتسديده مرة أخرى.

 

لا تُصادِق مَن لا يحفظونك في الخصام

لا تغادرني هذه الذكرى أبدًا، بالرغم من مرور سنوات طويلة على حدوثها.. أتذكرني صغيرًا أجلس على الأرض، بجوار جدتي، رحمها الله، بينما هي تتحدث مع فتاة من أقربائنا.. كانتا تتحدثان عن شاب تقدَّم لخُطبة هذه الفتاة، ويبدو أن جدتي كانت تعرفه وتحبه؛ فقالت في سبيل تزكيته لدى الفتاة؛ لتزيد من رغبتها فيه: يا بنتي ده كريم حتى في خصامه!

دومًا كانت تهزني مقولتها كلما تفكّرت فيها، لكن خلال هذه السنة المنقضية فقط أظن أنني أدركتُ باطن معناها.

ما أسهل أن تجد السعادة والرضا في أوقات الصفو بينك وبين مَن تحب، أيًا كانت طبيعة العلاقة التي تربطكما، لكن الصعب والنادر والمُستحِق للتمسُّك به حقًا هو ذلك الإنسان الذي يَصون ما بينكما، حتى في أوقات الخصام والكدر؛ فلا يَفْجُر في خصومته، ولا يُشعِرك أنه مستعد لركل كل ما بينكما؛ لمجرد اختلاف أو خلاف مهما كبر، طالما أن كلاكما تعلمان أنكَ لم ترتكب ما يستحق أن يتسبب في قطيعة نهائية بينكما.. فما أقسى أن يَشعر المرء أن الاستغناء عنه اختيار سهل! لدى إنسان كان يظن أن تمسكه به أكبر من أن يُطيح به في خصام؛ يقول ويفعل خلاله ما لا يستطيع المرء نسيانه فيما بعد، مهما حاول التناسي.

 

تذكَّر.. أن تنصح نفسك!

لا أعتقد أن الأمر من قبيل الصدفة، أن يكون معظم مَن أعرف، ممن يعطون النصائح دومًا لدوائرهم من الأصدقاء والمعارف، ويعتبرهم الناس- بشكل أو بآخر- أهل للنصيحة، وملجأ موثوق به في أوقات الشدائد، لا يساعدون أنفسهم بربع ما يساعدون الناس به! تجلس مع الرجل مثلًا؛ فتجده خير ناصح لصديقه فيما يخص عمله أو علاقته بزوجته وأهله، ثم تنظر لحياة الناصح؛ فتجده يفعل عكس ما ينصح به تمامًا؛ فتكاد حياته أن تنهار فوق رأسه، ويوشك جدار روحه أن ينقض من ثقل ما يضغط عليه بأخطائه، كأنه عندما يقرر لنفسه مرء آخر لا صلة له بمَن ينصح الناس بصواب الأمور وخيرها.

لا تبخل بنصيحتك على الآخرين؛ لعلّ يدك التي تمتد بالمساعدة لغيرك، يُنجيك بها الله في موضع آخر، فقط حاول أن تُذكِّر نفسك، أن لنفسك أيضًا عليك حق؛ حق اتباع ما تنصح به غيرك.

 

لستَ محطة للعابرين

ربما بسبب هاجس الوحدة الذي يسيطر على الكثير منّا؛ أو لعلّها طاقة حب لم تجد بعد الاتجاه الصحيح الذي تُوجَه فيه، نسمح للبعض أحيانًا أن يمروا بنا كمحطة في حياتهم؛ يأتون إلينا؛ فنعطيهم من وقتنا، وطاقتنا، وقدرتنا على الحب والاهتمام والرعاية، قبل أن نُترك فجأة، فيرحلون سريعًا كما جاءوا؛ تاركين في النفس مرارة، وفي القلب ثقبًا جديدًا.

بدروس مريرة كهذه؛ نتقن فن التمهُّل في اختيار من نَسمح لهم بالاقتراب من نفوسنا المرهَقة؛ فمن حق الإنسان أن يختار صُحبة من يرونه مُستحقًا للحب والاهتمام المتبادل، لا أن يكون محطة للعابرين؛ يأخذون منه ما يريدون، ويتركونه مُفرَّغًا، كجسد انتزعوا منه طاقته، وتركوه يحتضر وهو حيّ.

فمن أجمل نعم الله على المرء، اللحظة التي يدرك فيها قيمة نفسه، واستحقاقه أن يُحَب بالشكل الذي يناسبه؛ أن يأخذ كما يعطي؛ والأهم: حقه في ألا يكون مظلومًا.

 

لا تقطع حبله الممدود إليك

كاتب هذه السطور آخر إنسان تعرفه يمكن أن يلعب دور الواعظ الديني؛ فأنا مثقل بذنوب ستر الله معظمها عن الناس؛ كأحد تجليات كرمه التي أحيا محاطًا بها، دون أن أستطيع شكره أو حمده على ما أحاطني به من رحمات، سبحانه وتعالى.

لكنني خلال هذه السنة، أكثر من أي وقت آخر مضى، عرفتُ قيمة علاقة المرء بربه؛ العلاقة الوحيدة التي لا يستطيع الإنسان تعويضها إن أتلفها ونسيها.. لكل منّا ذنوبه وخطاياه، هذه فطرة ابن آدم، وخالقه أكثر علمًا به مِن غيره؛ فقط حاول أن تجتهد في مقاومة خطاياك التي تكرّرها عن عجز، فلا تملّ التوبة.

توبتك هي حبل الله الممدود إليك دومًا، كلما تعلّقتَ به، قرّبك الرحمن منه؛ تسعى إليه مشيًا؛ فيأتيك هرولة، سبحانه وتعالى.

 

لا تنسَ حقك في الخطأ والتعلُّم.. حقك في أن تتغير

يدرك المرء في مرحلة متقدمة من حياته أن من حقه أن يتطور، وتتغير أفكاره.. يُعيِّر الناس بعضهم البعض فيقولون: “فُلان اتغير!”، هكذا في المطلق، وكأن الإنسان إن قال رأيًا، أو اعتنق فكرة معينة؛ فواجب عليه أن يظل ملتزمًا بها إلى يوم الدين! مع أن المنطق يقول ان الإنسان يتعلم؛ فينضج؛ فيرى العالم أكثر رحابة مما كان عليه أمام ناظريه؛ فيتغير وتتغير نظرته للكثير من الأشياء.

يقول الله أن “خير الخطائين التوابون”؛ فهكذا يرانا الرحمن- سبحانه وتعالى- فُطرنا على التعلُّم من التجربة وارتكاب الأخطاء.. فلا تخجل من كونك تخطئ، هكذا أرادَك الله: تخطئ فتتعلم، تذنب فتتوب.. أمّا مَن ينتظرون منك أن تكون كُتلة مصمتة لا تتغير، ملاكًا بلا أخطاء؛ فلا بأس من تجاهلهم؛ فلقد كان لدى الله ما يكفي من الملائكة، قبل ان يخلق سيدنا “آدم”، ونحن من بعده.

الآراء الواردة في التدوينة تعبر فقط عن رأي صاحبها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر ” العدسة


اترك تعليق