Loading

ابتلاع التاريخ

بواسطة: | 2018-01-24T00:07:28+00:00 الأربعاء - 24 يناير 2018 - 12:07 ص|
تغيير حجم الخط ع ع ع

في عصر القنوات الأرضية، قبل سنوات فقط، عرضت القناة الثانية وثائقيا عن اختراعات المستقبل القريب، وكان من بينها أنّ شركة أمريكية متخصصة في العقار أعلنت عن تصميم ثوريلدورات المياة في المنازل الراقية، كان الاختراععبارة عن مكتبة يتم ملؤها بكتب خفيفة متنوعة تُرفق بجوار المرحاض، لتسلية المستخدم أثناء قضاء حاجته.

نقل الوثائقي عن الاقتصاديين توقعاتهم بأن تحصد الفكرة ملايين الدولارات، والمثقفون قالوا إن الفكرة ستسهم في رفع حجم الإقبال على القرآءة.. لكن الفكرة العبقريةانهارت قبل أن تبدأ، ونسفت شركة صغيرة متخصصة في إنتاج التطبيقات الذكية عبقريةالاختراع الباهر، عبر تطبيق صغير يضم سلسلة ألعاب تسلية على شاشة الجوال الذكي.

هذه هي الحكاية، التقنية تبتلع التاريخ وتقتل التفاصيل، وتدفن اختراعات ظن أصحابها أنهم يمسكون طرف التقدم حينما اقتحموها، اليوم كثير منهم ينزوي خارج التطور، وتجاوزته التقنية وابتلعته تطورات التكنولوجيا.

الأجيال اللاحقة مثلا لن تعرف كيف كانت معاناة سابقيهم في الحصول على صديق، في الوصول إلى مساحة للبوح دون خوف أو قلق، في معاناة البحث عن توأم روح، خارج حدود الجوار. ففي صحافة الستينات، انتشرت زوايا متخصصة بهواة المراسلة، يرسل القراء صورهم وينشرون عناوينهم ويعلنون رغبتهم بالمراسلة وبناء صداقات مع آخرين، كان الشباب يتبادلون معلومات الأصدقاء ويرشحونها لبعضهم البعض، بصورة تقترب مما يجري في فيسبوك حالياً لكن بطريقة بدائية.

تسمع عن بريد الجمعة؟ من سيفكر بعد 20 عاما في أن يقرأ ردودًا صرف عبد الوهاب مطاوع شطرا من عمره في خطها، ظنّا أنه يحجز مساحة في ذاكرة التاريخ ستكون عصية على النسيان، لا في وجودها كعنوان، وإنما في تفاصيل سطورها وكلماتها.

ستتذكر فجأة الحلقات الإذاعية الشهيرة في الراديو حين تحكي فتيات معاناتهن في الحب لصاحب الصوت الرخيم البارز.. لكن هل تجد ذلك يختلف كثيرا عما يدور الآن في مواقع تبادل الأسئلة والإجابات وتطبيقات الصراحة؟ هل استوعبت أن كلّا منّا صار اليوم يمتلك إذاعته الخاصة وبرنامجه المميِز؟ هل فكرتَ مرةلمَ فقدت تلك المراسلات متعتها حين أصبحت في متناول الجميع؟

غاية القول، جريان الحياة أسرع منا، التقنية تبتلع تفاصيل تاريخ الأجيال، وسهولة التواصل هذه الأيام جعلت من العلاقات بمختلف أنواعها من صداقة وحب وبغض وتحالف وعداء، أمرا فاقد القيمة.. الأجيال اللاحقة لن تعرف كيف كانت معاناة سابقيهم في الحصول على شبيه، في الوصول إلى مساحة للبوح دون خوف أو قلق، في معاناة البحث عن صديق عمر أو توأم روح، خارج حدود الجوار.

(الآراء الواردة في التدوينة تعبر فقط عن رأي صاحبها، ولات تعبر بالضرورة عن وجهة نظر “العدسة“)

عن الكاتب

عمار مطاوع
صحفي مصري وحقوقي، وباحث بقسم الأدب العربي لدى كلية دار العلوم بجامعة القاهرة المصرية

اترك تعليق