Loading

السمكة.. ورائحةُ البحر

بواسطة: | 2018-01-28T18:26:57+00:00 الأحد - 28 يناير 2018 - 6:26 م|
تغيير حجم الخط ع ع ع

وجوهٌ لم تتغيّر ملامُحها، وأقدامٌ لم تأكل عظامَها الهشاشةُ، وأيادٍ لم تُصَب بضعفٍ في الأعصاب ولا عجزٍ في التحكم.. وحدَها القلوبُ هي التي تغيّرت واضطربت دقّاتُها، وأكلتها هشاشةُ الفقدِ، وأصابها الضعف المتراكم في الصدور، حتى صارت عجوزًا لا تتحكمُ في حركةِ أناملها ولا تستطيعُ قضاء حاجتها إلا بمعِين.

المتّهم الغربةُ، والضحيةُ المغتربون، والقضيةُ تأخذ مجراها وتقول كلمتها وتقضي بالموْت البطيء على مساجينِ القدَر ومساكين العُمر، إلى أن يُفرِج الأملُ الخافتُ عنهم، ووحدَها السنواتُ هي التي تدفعُ الكفالةَ قبل أن تعتقلَهم الهمومُ مجددًا؛ فتحبسهم على ذمةِ اللاشيء إلى الأجلِ اللامعروف، في بلادٍ غريبةٍ لم يتخيّلوا أن يمشوا في شوارعها ليلًا لساعةٍ كاملة توفيرًا لثمن مواصلَةٍ، أو أن يناموا في بيوتِها جوْعى على إثرِ يومٍ لم يجدوا فيه ما يطهونَه ويناسبُ ماهيةَ جيوبهم، أو إن شئتَ قُل: إن الطعامَ غذاءُ الأحياء، وهُم ماتوا على قيد الحياة! إذَن.. فكوبُ ماءٍ ولقيماتٍ في صباحِ كل يومٍ تكفي كي لا تتعفّن جثثهم.

الأيامُ يأكلُ بعضُها بعضًا، كما يأكلُ البردُ عظامَ طفلٍ على ناصيةِ الطريقِ، ربما كان من بين هؤلاء الذين فقدوا عائلاتهم كاملةً تحت أنقاضِ القصفِ في سوريا، ضمن مجموعةٍ كبيرةٍ من الأطفالِ اللاجئين يديرُها عراقيٌّ عاش في هذه البلادِ حينُ هُجّر من أرضه قبل خمسةَ عشر عامًا، فأقامَ عند مسنٍ فلسطينيٍّ أتى إلى هُنا قبلَهم وقبلنا جميعًا، مطرودًا من حقول الزيتون وأشجارِ البرتقال.

فتىً ما زال يحاول الاحتفاظ بما تبقّى له من ملامح شابةٍ، شعرٍ أسودٍ وأسنانٍ مصطفة و…، لا شيء.. الشعرُ والأسنان وحدهما صارا يدللان على أعمارنا، والتجاعيدُ تكادُ تحيّر الناظر إلينا، فيحملقَ متسائلًا، أهو شيخٌ يحتفظُ ببعض شبابِه، أم هو شابٌّ غزته الشيخوخةُ حتى جعلتْ كلّ شيءٍ فيه يكبُر إلا الطفلَ البريءَ بداخلِه!

وماذا بعد؟ أو “وبعدين؟..” كما في اللهجةِ المصرية؛ تلك التي تسمعها في كل ربعٍ من ربوعِ هذه الأرضِ من هؤلاءِ الغرباء -رغم أنوفهم-، مهما رددوا من شعاراتٍ أن الوطنَ كل ما وطأتْه أقدامُنا، ومهما ارتدوْا من ملابسَ مطبوعٌ عليها أن الحدود ترابٌ وأن الأرض كلها لنا.. إلا أن هاجسَ العودةِ يراودُ عنهم العقولَ والقلوب، ويشلّ الليالي ويكبل ساعاتها التي تطولُ مع التذكّر والتفكّر ومكالماتِ الأهلِ التي يهربونُ منها، وصور الأصدقاء التي تحيط بهم، فينظر بعضهم إلى بعضٍ من خلال الصورِ الصامتة متسائلين في صوتٍ واحدٍ يخرج من حنجرتين بعيدتين: “طيب وبعدين؟”..

على صوْته الناخرِ في العظامِ والمتّقد في النفوسِ، تنامُ عيوننا وتبقى آذاننا ترسلُ الإشاراتِ إلى القلبِ المشغول بالغناءِ مع الشيخ إمام: “يا حبايبنا.. فين وحشتونا.. لسة فاكريننا.. ولا نسيتونا”، أو على صوتِ فيروز تغنّي “ردّني إلى بلادي” مع قهوةٍ برائحةِ مقاهي القاهرةِ التي ما زالتْ مُعبّأةً في كلّ ما جلبناهُ منها، كأننا جلبنا القاهرةَ في حقائب سفرنا ومعها النيلُ والقمرُ والشوارعُ المغنّيةُ والمبتهلةُ في الآن ذاتِه.

“وبعدين؟…” التي أضعُ إجابتها فوق سريري دائمًا؛ ليس لأنني لا أعرف الإجابة، ولكن خشيةَ نسيانِ السؤال؛ الإجابةُ الأبلغُ التي أخبرني بها سيّدي مريد البرغوثي حين قال في “رأيت رام الله”:

السمكةُ..

حتى وهي في شباكِ الصيادين..

ستظل تحملُ

رائحةَ البحر

فإنني يا سيدي سمكةٌ وُلدت في النيل، وجرفتها الدواماتُ من نهر بلادِنا إلى بحارِ بلادٍ لا يُغني جمالُها عن الجمالِ الذي عرفناهُ قبلها؛ فلم نعرف بعدهُ شيئا، اصطادتْها الشباكُ منذ سنة، وهي الشباكُ ذاتُها التي منذ أربع سنواتٍ ما زالت عالقةً فيها أسماكٌ من نفسِ السِرب، ولكن لعلّ كثرتنا تُقطعُ الحبالَ يومًا وتُفلت الشباكَ من أيادي القدر الصيّاد. إننا ما زلنا نحاول الإفلاتَ منها لنعود إلى المياهِ فيحملنا الجَزْرُ إلى البلادِ التي سرقنا المدُّ منها.

الآراء الواردة في التدوينة تعبر فقط عن رأي صاحبها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر “العدسة

عن الكاتب

يوسف الدموكي
يوسف الدموكي
شابٌ مصريٌّ مقيمٌ في تركيا، أدرسُ الإعلام، وأكتبُ من أجل الكتابة؛ إذ القلمُ حياةُ مَن يأبَى الموتَ رقمًا؛ و الكلمةُ فرضٌ لمن استطاعَ إلى الحياةِ سبيلًا

يوجد تعليق واحد

  1. Amany kamel الإثنين، 29 يناير، 2018 at 2:34 ص - Reply

    🙁 🙂

اترك تعليق