الشتاء – العدسة
Loading

الشتاء

بواسطة: | 2018-01-27T15:58:53+00:00 السبت - 27 يناير 2018 - 4:00 م|
تغيير حجم الخط ع ع ع

حل الشتاء السنة سريعا باردا كعادته تحرسه زخات المطر من جانب و رشقات الثلج من جانب و تحيط به هالة صفراء من التراب يثيرها احتفاء الأرض بقدوم صاحب الصقيع و جليل البرودة؛ لكنه في حقيقة الحال المجردة من هوى محبي الشوكولاتة الساخنة على الشرفة في الأمسيات المثلجة و كما أثبتت فيزياء الحرارة و كيمياؤها؛ لص يسلبنا الدفء بكل وقاحة، و ينهب منا نهارنا و على وجهه ضحكة سافرة، يتسلل من بين نسمات الخريف الهادئة فيختلس بعضا من أيامه مرسلًا تحذيراته إلى أولئك البؤساء أن قد نزلت بساحكم أيها المُنْذَرين و مبشِّرا محبي الشوكولاتة الساخنة على الشرفة في الأمسيات المثلجة أن قد جاء الحبيب بعد غياب و أن أعدوا لاستقباله بثقيل الثياب صوفها و كتانها و كثير السجاد و أسمكه، و أولئك العصاة المارقون الذين لن يستعدوا له كما يليق بمقامه الجلي العظيم فسيسلبهم كل حرارة تزيد عن صفره بل إنه قد يسلبهم أرواحهم الحانية الدافئة، و لو كان أمر تدوين التاريخ لي لأعلنت بأن من اخترع الصفر هو الشتاء و استنبطه العرب منه، هو من غرس الصفر في قلوب البشر مذ خُلقوا، هو من يجعل بطنك من الجوع صفرا، و إهابك و ما أحاط من البرد صفرا، هو ولا أحد غيره يجعل الفقير يتكور من البرد حتى لتحسب أنه في تكوره قد رسم بجسمه صفرا.

الشتاء فصل الأغنياء المفضل و لم لا يكون و هم يملكون ضريبته القاسية لديهم ما يستطيع ذلك اللص سلبه و يزيد.

أما أولئك الذين لا يملكون أكثر من أرواحهم التي بين جنبيهم فمؤكد أنه ليس سوى ابتلاء آخر ينضم كل سنة لمجموع ما تكالب عليهم من ابتلاءات غير أنه زيادة على بطشه و قسوته؛ يعزز من قسوة ما اجتمع به من ابتلاءات وي كأنه شيخ منسرهم و رئيس عصابتهم متجمد القلب الذي عاد بعد تغييب ليثأر من كل ضعيف و مسكين فرح بل احتفل برحيله من قبل.

لا أدري ما الذي حولني إلى عدو لدود للشتاء بعد أن كنت محبيه بل من عشّاقه، عرفت الشتاء لما عرفته على أنه ربيع المؤمنين و روضة تموج بالقربات و الطاعات و الحسنات، فتبعد عن النار سبعين خريفا بصيام لا يتجاوز العشر ساعات بلا عطش ولا تعب أو نصب، و يطول لك فيه الليل حتى لتحسب أنه مُد له من البحر كي يطول أبدا؛ ليل يناديك بعد أن أسكن كل الخلق بردا لتقطع سكونه بذكر الله قائما و راكعا و ساجدا، و إن كان حسبك من العبادة الفروض ولا طاقة لك بالنوافل فقد سهل عليك الشتاء- بما سرق من النهار- الاستيقاظ للفجر، و إن لم تكن من أهله فقد جاء لك به الشتاء وقت استيقاظك للعمل فهو فصل الخير و المداد من الطاعات كما هو فصل الغيث و الاستيزاد من المحاصيل و الخيرات.

لطالما أحببت الشتاء و نفثات البخار البيضاء في الصباح الباكر التي أعدها من معالم طفولتي و التي لا تزال تسحرني و تحيي في روح ذلك الطفل القديم.

وإنه لمن السخرية أني حملت قلمي و جلست أجلد الشتاء بكلماتي بينما أجلس في أتوبيس النقل العام و قد فتحت الشباك على مصراعيه – إن كان له مصراعان – لألتقي بنسمات الهواء الباردة التي أعشق و إن أحسست أن في لطماتها لوم و عتاب من محبوب إلى محبه، إذ كيف تنسى ما كان بيننا من حب مشتعل؟  أم كيف تتركني أنا النسمة فاتنة البرودة فريسة للشوق ذي النار الحارقة؟ هل نسيت خواطرك المحلقة التي استحثها الشتاء و نسماته بينما كنت تمشي على كوبري الجامعة كل يوم عائدا من الكلية؟

ألا تذكر ما تغنيت به قبلا في حبي؟ أم لم تكن أنت؟  ألم أجعل لك من برودتي ربيعا في قلبك حتى لصار النشيد تسمعه بأذن روحك لتحلق معه وسط نسماتي فكنت تقول “ما أعذب صوتك يا أبا راتب و ما أشجى كلماتك حينما تداعب رياح الشتاء فاتنة البرودة وجهي على وقعها الرنان “؟ أم لم تكن أنت؟

لا، لا أظنني أذكر سوى البرد يقضم أطرافي القطعة فالقطعة حتى أُطبق عليَّ بين فكي الشتاء القاسيين فلم تجدني بشيء تلك الخرقة البالية المسماة زورا بطانية أو تلك القمامة المدعية بأنها طعام ، لم أكن وحدي حينها بل إن فكي الشتاء كانا عظيمين حتى لقد افترسا أكثر من مائة ألف معتقل و نهبا من بين صدورهم الحانية كل حرارة زادت عن صفرهما مستعينين بالأرض المثلجة القاسية و الجدران الباردة الصماء فصارا سوطا في يد السجان يلهب به صدورهم و لكن هيهات له كما كان لصعقات الكهرباء و ضربات الصياط من قبله فالفكرة التي تسكن الروح هيهات أن تصل إليها يد غير يد خالقها.

لا، تمهلي قليلا أظنني تذكرت، تذكرت خبرا بل نعيا يذيعه الشتاء كل سنة على قناة الجزيرة في فقرة أخبار سوريا عن طيور من الجنة عرجت إلى جنان ربها من مخيم الزعتري و اليرموك و مخيمات ادلب و درعا و ريف حلب و  غوطة دمشق و ريفها و في فقرة أخبار العراق و أخبار اليمن و في أحاديث أهل مصر عن فلان المعدم الفقير الذي قضى بردا على الرصيف أسفل الكوبري.

لا، لم تعد رياحك تذكرني إلا بتقصيري في الدعاء لإخواني المعتقلين و اللاجئين ألَّا يُمَكِنَك الله من أرواحهم أبدا و أن يجعل لهم من لدنه دفئا و رحمة يكسران فكيك عنهم و يكفان يديك عن صدورهم.

ولا تحسب أننا صرنا أعداء، لا لست عدوى أيها الفصل أيها المناخ المسير بأمر الله مذ خلق الكون بل إن عدوى هو الظلم الذي جعل يدك التي تنزل على البعض نسمة فاتنة تنزل على البعض صفعة حارقة و على البعض الآخرين موتة قاسية.

عن الكاتب

مصطفى بن خلاف
طالب بكلية الصيدلة وكاتب على الطريق

اترك تعليق