Loading

القفز على الحقائق

بواسطة: | 2018-01-12T23:37:46+00:00 الجمعة - 12 يناير 2018 - 11:32 م|
تغيير حجم الخط ع ع ع

لا يكاد يختلف اثنان على سوء الأوضاع التي يمر بها العالم الإسلامي، فالمجازر اليومية لا تكاد تتوقف سواء على يد الحكام الطغاة أو المليشيات الطائفية أو جماعات الغلو، فضلا عما تمارسه قوى الاحتلال الأجنبي بالتعاون مع حلفائها المحليين من فظائع وقتل جماعي وتدمير لحواضر العالم الإسلامي مثلما حدث مؤخرا في الموصل وحلب. هذه الأوضاع شجعت أميركا والكيان الصهيوني على المضي قدما في تنفيذ مخطط تغيير هوية القدس في ظل الدعم المبطن المقدم لهما من قبل بعض الأنظمة العربية.

وهنا يطرح الكثيرون سؤالا جوهريا خلاصته: ما الحل؟

يقفز البعض أثناء سعيهم للإجابة عن هذا السؤال على الحقائق الجلية، فيزعمون أن الحل يكمن في استرضاء الخصوم، وتقديم التنازلات المجانية لهم لكف شرهم، مع التأكيد على أهمية تركيز الجهود على بناء الأفراد وتربيتهم وتوعيتهم، ومن ثم حينما تتواجد كتلة مجتمعية قوية واعية يمكن آنذاك التحرك بها للمطالبة بالحقوق والسعي للتغيير.

واقعيا هذا الحل المطروح سبق تنفيذه بالأخص في مصر خلال العقود السابقة لثورة يناير. وقد تعلم النظام العسكري الحاكم منذ انقلاب 23 يوليو الدرس وأدرك أنه ارتكب خطأ جوهريا عندما سمح بهوامش يعمل الإسلاميون من خلالها خلال عهدي السادات ومبارك، إذ فوجئ أثناء أحداث يناير 2011 بأن الإسلاميين مثّلوا قلب الثورة النابض ، ونجحوا لاحقا في فرض أنفسهم كقوة سياسية انتزعت منه السلطة ولو شكليا، مما دفعه في النهاية لتنفيذ انقلاب دموي لاستعادة السلطة المفقودة.

لذا حرص العسكر عقب الانقلاب على استئصال الإسلاميين وكسر شوكتهم لا لكي يستتب لهم الوضع فقط، بل أيضا لئلا يمثل الإسلاميون خطرا مستقبليا على منظومة الحكم الراهنة.

الأطروحات الخادعة

في ظل تلك الأجواء يمكن الجزم بأن أطروحة تركيز الجهود وحصرها في بناء الأفراد وتربيتهم وتوعيتهم، فيها قدر من المخادعة للذات والتهرب من مواجهة حقائق الواقع، فالرقي بالأفراد وتطوير ملكاتهم أمر ينبغي أن يكون معمولا به في كافة الأوضاع والأحوال، وليس شيئا منفصلا بذاته،  وهو إن لم يُستثمر ويوجه للإفادة في ساحة العمل العام سيضعف تأثيره أو ينعدم.

مع الانتباه إلى أنه كثيرا ما تتحول الشخصيات المميزة إلى مشاريع فردية تبحث عن مصلحتها الشخصية فقط، مثلما رأينا في نموذج الدعاة الجدد، الذين انحاز معظمهم لصف الأنظمة الاستبدادية رغم خلفيتهم الإسلامية السابقة، فضلا عن غيرهم من الدعاة الذين ابتعدوا عن معارك الأمة ومشاكلها ليعيشوا في أسر معاركهم الشخصية وانتصارهم لذواتهم ضد بعضهم البعض.

أما السعي لتشكيل كتلة مجتمعية واعية فهو أمر يتوازي مع غيره من الجهود، مع الانتباه إلى أنه من المستحيل تشكيل وعي حقيقي في ظل أجواء الاستسلام التي تمثل بطبيعتها الأجواء المثالية لانتشار الأطروحات الجبانة والمنكسرة، وقد انتشر مذهب الإرجاء تاريخيا عقب هزيمة كبار التابعين أمام جيوش الأمويين في موقعة دير الجماجم.

جدير بالذكر أن الأحداث منذ ثورة يناير حتى اليوم أثبتت أن للإسلاميين في مصر وجودا مجتمعيا عميقا مثّل قاعدة دعم سياسية وبشرية قوية أسهمت في فوز الإسلاميين بكل الاستحقاقات الانتخابية قبل الانقلاب، وقدمت بعده آلاف الشهداء  وعشرات الآلاف بل أكثر من الأسرى…فالخلل الحقيقي تمركز في كثير من القيادات الإسلامية التي لم تنجح في استثمار هذا الدعم الشعبي، بل ساهمت في تبديد زخمه وإضعافه بكل استهتار وفقدان للمسؤولية.

منطلقات الحلول الصحيحة

إن من الحقائق الثابتة التي لا ينبغي تجاوزها عند تحديد المنطلقات الصحيحة للحل:

– أن الحياة ليست نزهة، بل هى ابتلاء وصراع  وتدافع بين الحق والباطل منذ خُلق آدم عليه السلام إلى قيام الساعة، قال ذلك ورقة بن نوفل رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم في بداية نزول الوحي عليه وقبل أي خصومة بينه وبين المجرمين (ما جاء أحد قط بمثل ما جئت به إلا عودي).

– الأمة  لن تتحرر من الاستعمار بشقيه المباشر وغير المباشر من خلال العمل الخيري والثقافي والتربوي فقط، ومن يتوهم أن حل أزماتنا يكمن في الاستسلام للخصوم، وتلمس الرحمات من الغرب فقد أبعد النجعة، فالغرب لا يؤمن بالحقوق إنما يؤمن بأن البقاء للأقوى.

لذا فإن أول خطوة جادة للتغيير تكمن في وجود الإرادة الحقيقية للقيام به ، ومن يفتقد هذه الإرادة لن يفعل شيئا، وسيظل يخدع نفسه ومن حوله بحلول وهمية تنبع من نفسية منكسرة، فكل تجارب التغيير في العالم انطلقت من وجود إرادة قوية وسعي جدي للتغيير عبر تبني استراتيجيات متناسبة مع التحديات الواقعية.

الآراء الواردة في التدوينة تعبر فقط عن رأي صاحبها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر “العدسة“

عن الكاتب

أحمد مولانا
أحمد مولانا
مهندس مصري من مواليد 1984، أصدر كتابين: "العقلية الأمنية في التعامل مع التيارات الإسلامية" عام ٢٠١٢ ، و"جذور العداء" عام ٢٠١٣.

اترك تعليق