Loading

الله ليس “بابا نويل”

بواسطة: | 2018-01-01T19:16:06+00:00 الإثنين - 1 يناير 2018 - 7:16 م|
تغيير حجم الخط ع ع ع

تتعلّق الأنوار وتتوحّد الألوان لتتلخص في الأبيضِ وحدَه، كأنّه يغسلُ الأرضَ من آثار سنةٍ كاملة؛ بما حملت من سوادِ حروبٍ وحمرة دماءٍ وزرقةٍ تحت العيون من السهر. يأتي عامٌ جديدٌ نرمي عليه همومَنا كلّها ونرجو منه أن يكون أفضل من سابقَه، وأن يمحوَ بقدر الإمكان ما أحدث أخوه فينا من ألم، وما قطّع بيننا من أواصر، وما بدد من آمال كانت لدينا. ربّما لن يجدَ العامُ جوابًا إلا أن يقول إنها الأقدار، ولا ذنب لي فيها. إنّ أيامي لا تحمل وزرَ تعويلكم عليها، ولا تدفع ضرائب المغفلين.

على ضوء شمعةٍ تشارفُ على الانتهاء، أرتكنُ إلى كرسيي وأُلقي بجسمي على المكتب، وتحت ذراعي ورقةٌ أكتب فيها ما أرجوه من العامِ الجديد، وما أخطط لتحقيقه، وما أسعى إلى الفوز به. ألم يلفت نظري شيء؟ الجلسة ربما صارت أكثر انحناءً، والكرسيّ ربما تغيّر وضعه من كثرة الجلوس عليه فصار أكثر انخفاضًا، والمكتبُ ربما بهت لونُ الطلاء على خشبه أو تقشّر استجابةً لعوامل الزمن.. وأنا!؟ لم أتغير ولم أستجب؛ العقل ذاتُه والأفكارُ والأحلام الوردية، لا شيء تغيّر، والورقةُ البيضاء؟ تكاد تكون هي نفسها قائمة العام الماضي، وأزيدُ عليها كم حلمٍ سيكون من قائمة العام القادم، وأحلام العام القادم والحالي والماضي؛ كلها ضمن قائمتي بعد عامين!

إنَّ الجمادَ يستجيب إلى العوامل، ويتغيّر حسب الظروف، ويتفاعل مع مكوّنات البيئة المحيطة به. مكتبي.. قد يسقط عليه صاروخٌ فيحوّله إلى رماد، وقد يصمد أمام القذيفة إن كان يحتمي تحتَه أحدُهم.. مدركًا في نفسِه أنّ له قيمتُه وفائدته. وأنا كما أنا؛ لا أجيد إلا كتابة ما ينبغي على الأيام أن تكون، لا ما ينبغي أن “أكون” عليه أنا؛ مناديًا إياهُ: أقبل لطيفًا وارحل خفيفًا، ولعلّ ندائي لنفسي أوْلى.

أواجه نفسي: كل العلاقات المرهقة التي بدأتها في عامٍ سابقٍ وما زلتَ تترددُ في إنهائها قبل أن تدخل بها عامًا جديدًا. كل الذين استحقوا اهتمامكَ فأهملتهم، وكل الذين استحقوا الإهمال فاهتممت بهم. كل كلمةٍ كتمتَها بلا مبررٍ غير الخوف، وكل خوفٍ وأدَك في ضلوعِك حيًّا. دائرتُك المقرّبة وما فيها من بعيدين، والأقربون الذين لم تضعهم يومًا إلا في خانات البُعد. كل اعترافٍ وتصريحٍ خفت أن يفضحَ مدى صدقك تجاه أحدهم، وأحدُهم نفسُه الذي انتظر طويلًا حتَى تصارحَه حتى ملَّ من الإبهام فبحث عن من هو أوضح منك، لم يرحَل.. ولكنّك مَن رحّلته. صديقُك الذي لم تنتبِه إلى احتياجه إليك فعاملتَه كما نعامل الأدوية؛ نلجأ إليها كلما مرضنا، ونضعها ترتعدُ بردًا في باب الثلّاجة حين نتعافى- إن دخلتَ العامَ الجديد وهم كما هم، فإما أن تؤخّر الساعة كلما دنت من الثانية عشرة من مساء الـ31 من ديسمبر حتى تتخذ قرارك، وإما أن تتخذ قرارك وتدع الوقت يمضي كما ينبغي؛ وأظنّ أن الاختيار الثاني أكثر مروءةً أمام نفسك وأكثر واقعية أمام الأقدار.

.. ربّما لو غيرتُ عنوان الورقةِ إلى ما أخفقتُ فيه العام المولِّي بدلًا مما أرجوه للعام المقبل؛ سيكون الوضعُ أفضل، سيكون المجالُ مفتوحًا للواقع بدلًا من الأحلام والأماني، سأسأل نفسي كل صباحٍ جديدٍ ماذا أفعلُ اليومَ لأستحقَّ هدايا الله مخبَّأةً في أقدارِه، لا ما أضيفه إلى طلباتي من “سانتا كلوز”!

إنّ السعيَ غيرُ مرتبطٍ إلا بالوصول. متى وأين؟ لا نعلم غير أن الله سيجيب عنهم إجابةً نموذجية. ولكن السؤال الموجّه إلينا نحن هو: كيف؟ وليس علينا إلا أن نجيب عليه بوسعنا وبأقصى ما يمكننا بذله، لا يهمّ أن تكون الإجابةُ نموذجيةٌ لأننا لسنا “الله” عز وجل، نحن بشرٌ نسعى إلى الهدفِ ولو عرجَى، ولا يهمّ إن كنَّا سنصلُ إليه زحفًا أو هرولة؛ المهمّ أننا سنصل.

إنّ وعد الله ثابتٌ، وجوائزُه إلينا متعلقةٌ بما أخذنا به من أسبابٍ لا بما حققناه من نتائج، ومع ذلك فإن النتائج تكونُ أعلى من توقعاتنا، وكم فينا من ساعِين سجدوا ثلاث سجداتٍ حين وصلوا.. واحدةٍ لأنّ الله وفقّهم في الطريق وأعانهم عليه، والثانيةِ لأنهم وجدوا ما وعدهم ربهم حقًّا، والثالثةِ لأنَّ ما حصلوا عليه كان أجمل مما أرادوا.

أمّا بعد.. فإن الخالق لا يُقدّر بتقدير المخلوق ولا يحسب بمقاييسه للزمان والمكان؛ وإنما يأخذ بيده ويربط على قلبه ويعينه على طريقه إن وجدَ منه الجدّ. وإنّ الأعوامَ كلها عامٌ واحدٌ ما لم تُحدث فيها أثرًا أو تمشي فيها شبرًا أو تبني فيها حجَرا. وإنَّ الدنيا كلّها تتلخص بين آخر دقيقةٍ من العام المدبر وأول دقيقةٍ من العام المقبل؛ لحظةٌ بين دهرين.. حياةٌ بين مجيئ ورحيل، ووحدَك مَن تقرر متى تجئ، ومتى ترحل، ومتى تكتب لروحك الخلود. فـ”اللهُ” ليس “بابا نويل” ليجلبَ لك أمنياتك في كيسٍ فوق ظهره بداية كل عام.

الآراء الواردة في التدوينة تعبر فقط عن رأي صاحبها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر ” العدسة

عن الكاتب

يوسف الدموكي
يوسف الدموكي
شابٌ مصريٌّ مقيمٌ في تركيا، أدرسُ الإعلام، وأكتبُ من أجل الكتابة؛ إذ القلمُ حياةُ مَن يأبَى الموتَ رقمًا؛ و الكلمةُ فرضٌ لمن استطاعَ إلى الحياةِ سبيلًا

اترك تعليق