Loading

في جناب الله

بواسطة: | 2018-01-07T12:27:18+00:00 السبت - 6 يناير 2018 - 9:19 م|
تغيير حجم الخط ع ع ع

مترٌ ونصف، الحوائط الأربعةُ يشوبها سوادٌ قاتمٌ كأنّه أقدارُ القتْلى، البابُ صدِئٌ وتفوحُ منه رائحةُ الزمان الذي مرَّ طويلًا كأنّه في كل ليلةٍ يمضي ألف عام. علبةٌ صغيرةٌ لقضاءِ الحاجة يبدو أنَّ دمَ أحدِهم ثبت على أحد جوانبِها. شيخٌ ستّينيٌ أو إلى ما لا نهائيّ، عظامُه البارزةُ على وجههِ تلخّص مجاعات الصومالِ كلّها في جسدٍ واحد، زرقةٌ في الضلوعِ تنقلُ ما لا يقال.. صوتٌ يئنّ ثم يعلو فجأةً يتقيؤ دمًا وقيحًا، يمسكُ على كبدِه بمرارةٍ، يهدأُ ولا يعرفُ كيف يتحرك، ولا أحدَ في المكان غيره. يصعدُ صوتٌ مرهَقٌ آخر يظهرُ من نبرتِه أنه عائدٌ للتوّ من بكاءٍ مريرٍ ملأ عروق رقبته، يناديه من زنزانةٍ قريبة: “يا دكتور فريد” ويلقّنه الشهادة.. يصرخُ لينادي السجّانة، يأتي أحدهم بعد ربع ساعة، يفتح شرّاعة باب الزنزانةِ ويلقي نظرة، يذهب ويأتي بعد خمس دقائق ومعه طبيبٌ ومسعفانِ بأيديهما “النقالة”. يقول الطبيب وهو خارجٌ من باب العنبرِ: “البقية في حياتكم”.. في جَناب الله.

في الربعِ المطلّ على الخارج، الدور الثالث، زنزانة رقم 7.. الحوائطُ لونُها رماديّ متعفّن، والمتعفّن هو درجةٌ ضمن درجات كل لونٍ يعرفُها السجناء جيّدًا. يقولون أن الأعمار لا تتساوى إلا في مكانين؛ الجنةُ والسجن، الوجوهُ كلها سبعينية وإن بدا في بعضها لحىً سوداء بدأت تنبت أو لحىً بيضاء نبتت منذ أربعين عامًا. حلقاتٌ من الفتية صغيرةٌ كأنّها السماءُ تتربعُ في حجرِ الأرض، يتضاحكُ الشبابُ إن زاد عددهُم عن اثنين، ويتوجّعان إن كانا اثنين، ويبكي إن كان وحده. الساعة العاشرة مساءً، بعد صلاةِ العشاءِ بساعتين إذ لا أدوار للوضوءِ ولا للاستحمامِ في بردِ نوفمبر، يستغلّ هذا الوقتُ في غسلِ الملابسِ؛ الفقرة المفضّلة للدندنةِ أو الوجوم. في الحمامِ عشرينيّ صغير ركلوه قبل ثلاث سنواتٍ من الطفولة إلى الشيخوخةِ فجأة. عامٌ ونصف، ثم شهران في الحرية، عامٌ بعدهما في السجن ثم عشرون يومًا في الحرية، وهذه هي المرة الثالثةُ متوقّعًا أن “التالتة تابتة” ولا حرية بعد هذه المرة.

يقومُ أحدهم ليطمئنّ على صاحبه الذي اختفى صوتُ عصرِه للملابس منذ خمس دقائق في الحمام دون أن يلاحظ أحد؛ فلَيلُ الزنزانةِ صمتٌ تامٌ وطنينٌ في الأذن.. فجأة صوت المطمئنّ على صاحبه ينطلقُ فزعًا: “الحقوا ياخواننا إسلام بيمووت!!” يجري ثلاثةٌ ليحملوا جسد الفتى خارج الحمام، أسامة يسحب لسانَه وينفخ في فمه ويحاول إفاقته؛ كان محبوسًا معه من شهورٍ ويعلمُ الحالةَ التي تأتيه من ضيقِ التنفسِ لأسبابٍ نفسية، يحاولُ أربعةٌ من المعايشين للمرض وللمرضى داخل السجون من أربع سنواتٍ أن يسعفوه، وعشرةٌ على البابِ يطرقونه طالبين الطبيب. صوتٌ هادئٌ باستفزاز يأتي من الدورِ الأرضيّ: “عشر دقايق بس وهنيجي”، “بنقول لك الواد بيموت يا كااافر!!”.. طرقُ أبوابِ الزنازين كلها بشدةٍ بدأ يهزّ السجنَ كلّه، حتى أُجبِر الباردون على تركِ سجائرهم قبل أن يزفروا دخّانها كله.

قيحٌ من فمِ الفتى على يدِ صاحبه الذي يبكي كطفلٍ يخاف فقدَ أبيه: “متسيبنيش والنبي.. فوق بالله عليك”، يسمحون له بحملِه إلى الطبيب بالأسفلِ، لأنّ السجّانة ليس من شأنهم حمل هذا “القرف”.. حقنوه إبَرًا أنقذته من الموت السريع ليحيلوه إلى موتٍ أبطأ.. وأحضروه لنا بعد ثلاث ساعاتٍ مصابًا بجلطةٍ بدّلت أماكن عظام وجهه، وصار لا يتلكم لأنّ فمَه اعوجّ إلى نصفِ وجه الأيسر.. مستسلمًا في جناب الله.

بعد الفجر، تُفتَح الأبوابُ الأربعةُ ويخرجُ واحدٌ تلو الآخر، كانوا يساقون إلى الموتِ وهم يَنظرون. يهتفُ أوّلهم كأنه يوم عرسِه، ويردد “المعازيم” خلفَه أهازيج الفرح، خشية أن يكون عزاءً فيُفتَنوا. بعد دقائق يسمعون من منتصف السجنِ الصوتَ نفسَه، لكنه هذه المرة أبعد وأحدّ وأدعَى إلى التعزية؛ يخلع الصدورَ ويخرس الألسنة: “حسبنااا الله ونعم الوكيييل”، يسكتُ الجميع ولا يردد أحد وراءه؛ لأن صوتَ سحبِ “طبليّة الإعدام” من تحتِ قدميه كان أعلى من صوتِه؛ فسكت هو الآخر؛ ذاهبًا إلى جناب الله.

بعد ثوانٍ يتبعه صوتٌ يغالبُ رهبة الإنسان باطمئنانِ الملائكة: “ولستُ أبالي حين أُقتَل مسلمًا.. على أي جنبٍ كان في الله مصرعي”؛ فيُصرَع ويُصرعون بصوتِ الموت الملعونِ للمرة الثانية، تتبعه الثالثة، وتتأخر الرابعةُ لثوانٍ يهتف فيها الأخير: “يا جنود الله صبرًا.. إن بعد العُسر يسرًا”. فيسحبون العُسرِ من تحتِ قدميه، وتصعدُ الروحُ إلى اليُسرِ وإلى الميسّر.. في جناب الله.

على مكتبٍ خشبيٍّ ثقيلٍ؛ كثقل الباسطِ ذراعيه بالوصيدِ فوقه. “لابتوب” وفوقَه أصابعٌ كأنها أعجاز نخلٍ خاوية، تكتبُ في برودٍ مستفزّ: إن كل هذا يحدث للتغطية على الفشلِ في إدارة النظامِ للدولة، وأنّ هذه الأحكام لن تكون إلا بردًا وسلامًا على صدورنا –شوى الله صدرَه-، وأنّهم لن يجرّوا حضرة المغرّد المنفردَ إلى أن يأخذ حقّه الذي بل بكلِّ صبرٍ ينتظرُ أن يعيده الله إليه على طبق من ذهب.

يفتحُ المصحفَ ليختم البيانَ بآيةٍ قرآنيةٍ تناسبُ الحدث الجلل، قدرًا تأتي سورة البقرة؛ “ولكم في القصاص حياةٌ يا أولي الألباب لعلكم تتقون”، ولكن لا لُبّ، ولا تقوَى. يقلب الصفحةَ لينتقيَ آيةً أنسب، بعيدًا عن هذه الآيات التي تزعجُ الدولةَ التي تسمّنه ويقيم فيها من ستة وثلاثين عامًا.. يفتح سورة الشورى ويقتص آيةً من جزعِها ويكتب: “الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولَئك لهم عذابٌ أليم”، وكأنّه أتى بآيةٍ مختفيةٍ في كتاب الله لا يعلمها إلا هو، وكأننا لا نقرأ الآيتين معًا: “ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل. إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولَئك لهم عذابٌ أليم”..

بعد يومين يُجري معه صحفيٌ حوارًا عن المعدومين والمعتقلين والمطاردين والمشردين والأيامى والثكلى ، فيردّ عليه: نحتسبهم في جناب الله! ليصل التصريح إلى آذانِ الجميع -عدا الآذان المتحلّقة حولَه كأنها “بلاعاتٌ” تبتلعُ كل ما يجري بالمصارف ولا تمانع-: اشتريناكم أمس بحبّكم الحق والجهاد، واليوم بِعناكم بالدروشة. يا سيّدي فلماذا “عشمتونا” في ضمائركم من البداية إذَن! ولماذا حين كنتم تهدمون أمريكا في أعيننا، بنيتم لها الولاية الخمسين في دواخلكم؟! مستنجدين بها وبالقانون الدولي! وقانون الله اغبرّ فوق مكاتبكم!

وقبل أن نستدعي كلماته الخالدة؛ هبّ صاحبُ الكلمات بنفسه إلينا، وكتب رسالةً من مرقدِه يقول فيها: بسم الله، إلى أهل الزمان الذي تولّى فيه الأراذلُ أعمارَ الأعزة، وتحدّث فيه الضباع بلسان الليوث، وتحكّم معدومو الضمائر بالمصائر؛ أما بعد.. لا تلعنوا السماء إذا تخلت عنكمُ.. لا تلعنوا الظروفْ.. فالله يؤتي النصر من يشاءْ.. وليس حدادًا لديكم.. يصنعُ السيوفْ

الآراء الواردة في التدوينة تعبر فقط عن رأي صاحبها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر “العدسة

عن الكاتب

يوسف الدموكي
يوسف الدموكي
شابٌ مصريٌّ مقيمٌ في تركيا، أدرسُ الإعلام، وأكتبُ من أجل الكتابة؛ إذ القلمُ حياةُ مَن يأبَى الموتَ رقمًا؛ و الكلمةُ فرضٌ لمن استطاعَ إلى الحياةِ سبيلًا

اترك تعليق