Loading

لا تهجروا الدفء

بواسطة: | 2018-01-13T10:46:47+00:00 السبت - 13 يناير 2018 - 10:46 ص|
تغيير حجم الخط ع ع ع

قبل أربعةِ أشهر، كنتُ أنا وصديقي الذي يصغرني بعام، نبحث عن شقةٍ سكنيةٍ مناسبة، نذهبُ مع “السمسار” ونتناقش في أحجام الغرَف والصالة، نوع الحمام، لون الحوائط، هل هناك مصعد؟ هل تدخلُ الشمسُ من النوافذ؟ جميلةٌ لكن السعر غير مناسبٍ، سعرها مناسبٌ لكنها “بدروم”، سعرها مناسب وفي الدور الأخير لكن لا يوجد مصعد، في الدور الثاني ولكن المنطقة غير آمنة.

رائحةُ طهيِ طعامٍ خارقةٍ جعلتنا نترك السمسار والشقة والسعر والمنطقة، وينظرُ كلٌّ منا في عيني صاحبه، ونقول في الوقت ذاته: “الله! أكل بِيتي!” ثم كطفلين عاد بهما الزمنُ إلى حقيقةِ عمريهما؛ بكينا! لم يكن الوضعُ مفهومًا، ولم ولن أجد له تفسيرًا. تركنا كل شيءٍ وشكرنا السمسار واتفقنا على يومٍ آخر نذهب فيه إلى منطقةٍ أخرى، وعُدنا وليس في أيدينا مفتاح شقةٍ نجحنا في تأجيرها، ولكن في أنفِ كلٍّ منا رائحة طعام أمّه؛ ما إن وجدت الذاكرة رابطًا يقربنا إليها، حتى استُثيرت وأتت لنا بصوت “الطشّة” في آذاننا ورائحة “الخلطة” في أنوفنا. عُدنا إلى البيت ودخلنا إلى غرفتنا، ولم ينطقْ أحدُنا بحرفٍ واحد، وانزوى كلٌّ منا إلى الحائط الملاصق لسريره، وشرعنا في البكاء.

قبل عامين.. سكنتُ في شقةٍ قريبةٍ من الجامعة، بعيدةٍ عن أمي وعيون الأمن، وكان الشتاءُ في أشدّه، عدتُّ من الجامعة بعد يومٍ دراسيٍّ طويلٍ، هزيلَ الجسمِ خائرَ القوى، صليتُ جالسًا، وارتميتُ على السرير مريضًا بلا مؤنسٍ ولا متابِعٍ ولا دواء. بكيت، بكيت كثيرا ولم أردّ على اتصالات أمي، أرسلتُ لها أنني بخير ولكن على وشك النوم، وفي الصباح سأتصل. أكملتُ بكائي من هذا النوعِ الخارج من الرقبة، من عروق الحنجرة، يخنق ولا يميت؛ كأنه الشعرة التي بين الحياة والموت. بلا وعيٍ مني، نمت، واستيقظتُ في السابعة صباحًا على اتصال أمّي: “حبيبي.. لم أنم طوال الليل من قلقي عليك.. شيءٌ ما قال لي أنك لست بخير.. أنت مريض؟ صح؟”.. ثم بكت. نمتُ بسبب إعيائي، وأمي لم تنم. حينها كان الدرسُ الأوّل: كل سهمٍ لا يصيبك منهُ إلا آخره.. أما أوّله فهو في صدرِ الأمّ قبلَك بساعتين.

قبل 350 يومًا.. الحقائبُ جاهزة، بعضُ الأغراضِ الناقصةِ في طريقِها إلى التمامِ ووضعها في أماكنها، الهاتف؟ معي، الجوازُ والتذكرة؟ في حقيبة يدي، المصحف؟ في حقيبة الظهر. “السيارة وصلت..” ترجَمَتْها أعصاب الأذنِ إلى القلبِ هذه المرة، وكان العقلُ في وادٍ بعيد. الكلُ ينظرُ في صمتٍ مطبقٍ غير مفسَّر كأن الكلمتين كانتا: “ونُفخَ في الصور”.. حَضنتُ الجميعَ وحضنوني، قبل أمي، محاولًا تأخير الزمنِ وقتل اللحظةِ الملعونة التي سيلتقفني فيها حضنُها.. ولكن هذه المرة مودّعًا غير مستقبل، ومدبرًا غير مقبِل.
أتت اللحظةُ رغم أنوفنا، ولم يكن طول الحضن من باب “الدراما” التي يجبُ أن تُضفَى على مشهدٍ من هذا النوعِ، ولكن.. لأنَّ التذكرةَ التي حجزوها لي، كانت للذهاب فقط.

حرصتُ على وجودِ هديةٍ من أمّي تلازمني دائمًا؛ فكان المصحف. رغم أنّ المكتب عليه بدلًا من الواحد خمسة، وبالمكتبِةِ بدلًا من الخمسة عشرة، وبكلٍ ركنٍ وزاويةٍ في البيت مصحف، لكن مصحف أمي كان لا بدّ منه. اشترينا المصحف قبل سفري بأسبوع، والآن بيني وبين ذكرى مرور السنةِ الأولى على سفري، أسبوعان؛ لم يفارقْ فيها حقيبة ظهري إن ارتحلتُ، ومجال عيني إن أقمتُ. أقرأ الوردَ منه صباحًا، ولا داعي لاصطحابه في الحقيبةِ لأنني قرأتُ مقرر يومي، لكنه مصحف أمي.. نفَسُها ونفْسُها معي، أشتاق إليها –والاشتياق إليها لا ينتهي- أضمُّه إلى صدري، أحتاجُ إلى كلامٍ غير متوارٍ معها، أبكي إليه.. وحين أحتاج إلى أن أقول أنني لستُ بخير.. أفتحُه لا لأقرأ، وإنما لأراها في صفحاتِه تدفئ يديّ الباردتين وتقول: يا حبيبي، كلُّ مر سيمرّ.

في صغَري –وأنا بعدُ لم أكبر-، كنتُ لا أطيقَ انتظارها حتى تستيقظ؛ أوقظها من نومٍ عميقٍ لأقرأ عليها بيتين عظيمين من الشعر –بالنسبة إليّ حينها- وَرَدَا إلى خاطري؛ تفتحُ عينيها وتضيء بالتبسم ثغرها وتسمع صغيرها حتى ينتهي؛ تضمّه وتنام. كلُّ الإنجازاتِ التافهة كانت عظيمةً في عيني أمي.. ببساطةٍ لم تكونا عينين؛ وإنما عدستان مكبرتان لكل صغير، معظمتان لكل حقير، مهللتان لكل عاديّ.. طالما أنّ الشيء الصغير التافه العاديّ كان مصدره ابنها.

في ثلاث سنواتٍ من المطاردة، ونصف عامٍ من السجن، وعامٍ من الغربة.. أدركتُ أمّي وفهمتُ معناها، تذوّقت طعامَها الذي حُرمتُ منه، وشممتُ رائحتَه التي لم تزر أنفي من شهور كثيرة، وقبّلت يديها البعيدتين كل صباح، وساعدتُّها في أعمال البيت الذي اختلطت على ذاكرتي تفاصيله. ربما كبرنا قبل الميعاد بكثير، أو اشتدت أعوادُنا قبل أن تثبت الجذور؛ فاخضرّت أوراقُنا قبل أن يصلها الماء، وحُصدتْ ثمارُنا قبل موعدِ الحصاد؛ لكننا ممتنّونَ على كل حالٍ أننا كبرنا قبل الميعاد، فأدركنا كل ذلك قبل موعدِ الإدارك الذي يأتي متأخرًا.

أدركوا جنانَ الدنيا قبل أن تستحيل عليكم نارًا، واستظلّوا بأشجارها قبل أن يبليَها الزمان، واضعفوا في حضرتِها قبل أن يُضعفكم الزمان رغم أنوفكم وأنتم بعيدون عنها. لا تهجروا الدفءَ معللين ذلكَ أنَّ ملابسكم ثقيلةٌ وتتحمل، ثم حين تخرجون إلى الجوّ ستجدونَه قاسيًا بما يكفي أن تعودوا هرعين إلى الدفء.. ستعودونَ ولكن الدفء لن يكون في انتظاركم، وستكتفون حينها بلعنِ الشتاء، وأنتم أحقّ منه بأن تُلعنوا؛ لأنكم تركتُم الحصونَ واحتميتم ببيوتٍ لا سقُف لها ولا أعمدة.

نراهم جميعًا، لا يبدؤون في التذكر والندمِ إلا بعد غزوِ الشيبِ رؤوسَهم، يبكونَ وهم شيوخٌ على شبابٍ كانوا فيه قريبين من كلّ شيءٍ إلا أقدام أمهاتهم.. متذكّرين قربهم منهنَ في طفولتهم، وما إن اشتدَّت السوقُ وصلبت العظام حتى قست القلوبُ وهجرت مواطنَها، وحين أضاعوا الشباب وعادوا بعد الشيب، لم يكن في استطاعتهم أن يُلقوا على أمهاتهم السلام؛ وإنما اكتفوا بقراءة الفاتحة؛ ولولا هجرُهم إياها –بقصدٍ أو بدون قصد- لَما ماتت، ولا شابوا، ولا قرؤوا الفاتحة بدلًا من إلقائهم السلام.

الآراء الواردة في التدوينة تعبر فقط عن رأي صاحبها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر “العدسة

عن الكاتب

يوسف الدموكي
يوسف الدموكي
شابٌ مصريٌّ مقيمٌ في تركيا، أدرسُ الإعلام، وأكتبُ من أجل الكتابة؛ إذ القلمُ حياةُ مَن يأبَى الموتَ رقمًا؛ و الكلمةُ فرضٌ لمن استطاعَ إلى الحياةِ سبيلًا

اترك تعليق