Loading

مبادرة العثمانيين لإجهاض اتفاقية (سايكس- بيكو)

بواسطة: | 2018-01-05T16:56:55+00:00 الجمعة - 5 يناير 2018 - 5:55 م|
تغيير حجم الخط ع ع ع

ثار الكثير من اللغط إثر مناكفات بعض المسؤولين الإماراتيين بخصوص ممارسات العثمانيين أثناء ثورة الشريف “حسين” خلال الحرب العالمية الأولى، في محاولة إماراتية لتأجيج نزاع (عربي تركي) يبعد الأضواء عن قرارات ترامب الأخيرة بشأن القدس، ويشغل المتابعين عن التقارب السعودي الإماراتي الإسرائيلي.

في هذه التدوينة سأسلط الضوء على محاولة العثمانيين إنهاء الصراع مع الشريف حسين من أجل منع سقوط حواضر العالم الإسلامي في يد الغرب وفقا لما كشفته وثائق الأرشيف البريطاني المرفوع عنها السرية.

 

الإغراء بالثورة

إثر اندلاع الحرب العالمية الأولى وانضمام تركيا إلى ألمانيا صرح الإمبراطور الألماني “ويلهلم” الثاني قائلا أن (بإمكان 300 مليون مسلم ممن يعتبرون سلطان تركيا خليفة لهم أن يجدوا في ألمانيا صديقا مخلصا).

استشعر الإنجليز الخطر من التحالف الألماني التركي، فشجعوا شريف مكة “الحسين بن علي” على الثورة ضد الأتراك مغرين إياه بمنصب الخليفة، إذ أرسل السكرتير الشرقي لدار الحماية البريطانية بمصر “ستورز”  إلى نجل ” الحسين” رسالة في ١ نوفمبر ١٩١٤ قائلا (عسى الله أن يمن على المؤمنين بخليفة عربي الأصل والحسب والنسب؛ يشرف على البقعتين المباركتين بيت الله الحرام والمدينة المنورة؛ وبذلك يبدل يومئذ ربك الشر بالخير).

سارعت الحكومة البريطانية عام 1915 إلى تأسيس مكتب استخبارات في القاهرة سُمى بالمكتب العربي، ليختص بتقديم المشورة إلى المندوب السامي في مصر، والتنسيق بين الجهات البريطانية المختلفة بشأن التعامل مع قضايا المنطقة. وهو المكتب الذي أشرف على التخطيط والإعداد لثورة الشريف “حسين” التي تم الإعلان عنها في 10 يونيو 1916، واشتهرت باسم (الثورة العربية الكبرى).

 

المبادرة العثمانية لاجهاض اتفاقية سايكس بيكو

نجح البلاشفة الروس في ثورتهم ضد النظام القيصري، وسيطروا على العاصمة الروسية آنذاك “بتروجراد” ونشروا الوثائق السرية التي عثروا عليها في مقر وزارة الخارجية، ومن بينها اتفاقية (سايكس بيكو) المعقودة عام1916 والتي تضمنت تقسيم تركة الدولة العثمانية بين فرنسا وبريطانيا وروسيا.

عقب نشر بنود الاتفاقية السرية، سارع قائد الجيش التركي الرابع “جمال” باشا الموجود بدمشق آنذاك إلى إرسال رسالة عاجلة إلى الشريف “فيصل بن الحسين” في 26/11/1917 قائلا له ( إننا اليوم نعيش أكثر الصفحات غموضاً وشكوكاً في تاريخ الإسلام. إن الحكومة الحاضرة التي تدعى حكومة “تركية الفتاة” قد دخلت لسبب أو آخر الحرب الكونية مصممة على وضع حد لمذلة الإسلام، وعلى العيش بعز واستقلال أو الموت بشرف. وحيث تعهدت بهذا اعتمدت الحكومة على التأييد القلبي والتعاون من جانب العالم الإسلامي… وفي برقيتكم الأخيرة التي تعلنون فيها انفصالكم النهائي عنا، كنتم قد اعترفتم بغرابة تصرفكم هذا، ووعدتم بإيضاح دوافعه في اتصال شفهي يتم في المستقبل القريب، طالبين في الوقت الحاضر المعذرة على سلوككم. وهنالك زواية واحدة يمكن منها تبرير ثورتكم لمصلحة العرب، وذلك إمكان تأسيس حكومة عربية مستقلة ستضمن بهيبتها استقلال الإسلام وكرامته ورفعته. ولكن أي نوع من الاستقلال يمكنكم أن تتصوروا لحكومة عربية تقوم بعد تدويل فلسطين، لقد أعلنت ذلك حكومات الحلفاء بصراحة وبصورة رسمية، مع وضع سورية تحت السيطرة الفرنسية تماماً، وجعل العراق بأسره جزءاً من الممتلكات البريطانية؟ كيف ستتمكن حكومة كهذه من تقرير مصير الإسلام؟!

لعلكم لم تفكروا بهذه النتائج في البداية. ولكنني آمل أن يظهر لكم مشهد الاحتلال البريطاني لفلسطين هذه الحقيقة عارية. وإنه لمن المؤلم حقاً رؤية هذه الحقائق وهي تظهر للعيان بفظاعتها. والعزاء الوحيد هو أننا نعلم أن الأوان ليس متأخراً لحصر الكارثة أو إصلاح الأخطاء التي ارتكبت. فإذا اعترفتم بهذه الحقيقة فليس هنالك ما هو أسهل من إعلان عفو عام عن الثورة العربية، وإعادة فتح المفاوضات لأجل حل المشكلة لصالح الإسلام. وإني واثق من أني بإرسالي هذا الكتاب أؤدي واجباً دينياً. والمسؤولية تقع على من لا يقدرون هذا).

 

الرد على المبادرة العثمانية والخديعة البريطانية

عندما وصلت برقية “جمال” باشا إلى الشريف حسين وأنجاله ردوا عليها قائلين (ليس بيننا وبين الأتراك إلا السيف) وسارعوا بإرسالها إلى المندوب السامي البريطاني بمصر “وينجت” الذي أرسلها فورا إلى وزارة الخارجية بلندن لتعرض على الملك ومجلس وزراء الحرب، ومن ثم أرسل البريطانيون ردهم إلى الشريف حسين رسالة في 8 فبراير 1918 قائلين له (صاحب السيادة العظمى ملك الحجاز وشريف مكة وأميرها المعظم.  إن حكومة جلالته تشعر بامتنان عميق للسرعة والصراحة التي حملت سموه على أن يرسل إلى المندوب السامي رسالة القائد التركي في سورية …. إن ما قام به سموه مثال للصراحة والصداقة اللتين ميزتا دائماً الاتصالات بين حكومة صاحب الجلالة وحكومة الحجاز. لا ريب أن السياسة التركية ترمي إلى زرع عدم الثقة بين دول الحلفاء والعرب، الذين يقومون تحت تأثير سموه الملهم ببذل الجهود الحثيثة لاسترجاع حريتهم القديمة، وذلك بالإيحاء للعرب أن الدول الحليفة تطمع في الأقطار العربية، وللدول الحليفة بأن العرب يمكن تحويلهم عن هدفهم في تحرير أنفسهم…  إن حكومة صاحب الجلالة وحلفاءها يقفون بثبات إلى جانب الأمم المضطهدة، وهم يعتزمون مساندة الشعوب العربية في كفاحها لأجل إعادة بناء عالم عربي يقوم فيه القانون مرة أخرى مقام المظالم العثمانية، والاتحاد مقام المنافسات والحزازات المصطنعة التي يشجعها الموظفون الأتراك).

واستمرت بريطانيا في خداع الشريف، حتى أنها شجعته على مد علاقاته مع الصهاينة إذ أرسلت وزارة الخارجية البريطانية إلى المندوب السامي في مصر “وينجت” في يناير 1918 تطلب منه أن يقول للشريف(إن صداقة يهود العالم لقضية العرب مساوية لدعمه في جميع الدول التي يتمتع فيها بنفوذ سياسي، وإن زعماء الحركة مصممون على تحقيق نجاح الصهيونية عن طريق الصداقة والتعاون مع العرب، وإن مثل هذا العرض ليس مما يمكن نبذه جانباً بسهولة).

وفي النهاية ساهمت قوات الشريف حسين وأنجاله في سيطرة قوات التحالف (الأنجلو فرنسي) على فلسطين والشام، ولم يهنأ الشريف كثيرا بسيطرته على الحجاز، إذ سرعان ما أدى رفضه للتخلي عن اقتطاع فلسطين والعراق والشام من مملكته الموعودة إلى غضب بريطانيا عليه، وسماحها لسلطان نجد “عبدالعزيز بن سعود” باجتياح الحجاز عام 1924 ليطرد منه الشريف حسين الذي هرب إلى العقبة، ليجبره الإنجليز على مغادرتها ليعيش بقية حياته في منفاه الإجباري بقبرص، بعد أن تسبب برعونته في سقوط حواضر العالم الإسلامي كالقدس ودمشق وبغداد في يد بريطانيا وفرنسا.

المصادر

الجزيرة العربية في الوثائق البريطانية (نجد والحجاز) – ترجمة (نجدة فتحي صفوة) – المجلدان الثاني والثالث– ط. دار الساقي.

الآراء الواردة في التدوينة تعبر فقط عن رأي صاحبها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر “العدسة

عن الكاتب

أحمد مولانا
أحمد مولانا
مهندس مصري من مواليد 1984، أصدر كتابين: "العقلية الأمنية في التعامل مع التيارات الإسلامية" عام ٢٠١٢ ، و"جذور العداء" عام ٢٠١٣.

اترك تعليق