Loading

الملائكة لا تسكن الأرض

بواسطة: | 2018-02-18T19:12:59+00:00 الأحد - 18 فبراير 2018 - 7:12 م|
تغيير حجم الخط ع ع ع

تمتلئ قائمة الأشخاص المحظورين على حسابي على فيسبوك بمَن كانوا- في يوم ما- من الأقربين، الذين أحادثهم وأقابلهم بانتظام.. لستُ شخصًا منفتحًا من ناحية تكوين الأصدقاء؛ ربما لأني أشعر أن كلمة “صديق” أثقل مما تبدو عليه، وأعقد مما يظن معظم الناس حاليًا؛ فيتعاملون مع مفهوم الصداقة نفسه بخفة لا تُناسبه.

المشكلة دومًا تبدأ مع “التصديق”؛ في تلك اللحظة التي تخادعنا فيها نفسنا قائلة: “ربما، ربما هذه المرة بالذات لن يحدث ما يحدث دومًا، لن تفقد دهشة المحبة نحوه، لن ينقطع الخيط الواصل بين روحيكما”، ثم لا يحدث هذا، وتنتهي القصة بنهاية مشابهة لسابقتها.

أتأمل أسماء من أصبحوا من سكان قائمة “البلوك”، تمر عيني على الاسم؛ فأستحضر وجه صاحبه، وأتذكر معه ذكريات جميلة صنعناها سويًا، ينفطر قلبي حزنًا، حزينًا على قطع روحي التي قُسمت عبثًا على كل هذه العلاقات الخاسرة.. رحل من رحل آخذًا معه قطعة مني، من قدرتي على الحب والتصديق مرة أخرى.

نعم، كل الأشياء تمر، لكنها تمر من خلالنا، تمر مخلفة ثقوبًا في القلب، تمر ومعها تدهس شيئًا بداخلنا؛ تُكسبنا قسوة وثقة في التخلّي، لم نكن سعيدين بامتلاكها أبدًا، بالرغم من ضرورتها في أحيان كثيرة.

أتأمل قائمة البلوك الخاصة بي، وأفكر أن معظم من عَرفتهم وانضموا إليها كانت تجمعهم أشياء مشتركة، كأنهم يعرفون بعضهم البعض، ويتفقون على اقتراف ذات الخطايا.

وأتذكر أنني اكتفيتُ ممن يشبهونهم..

لن يرضوا أبدًا

في معرض القاهرة للكتاب، قابلته صدفة.. مرّ قرابة عام على آخر مرة جالسته فيها.. احتضنني بشدة كعادته عند السلام عليّ، ثم جلسنا في أحد الكافيهات داخل المعرض.

أول ما لفت نظري كان الهاتف باهظ الثمن الذي كان يمسكه في يده اليُسرى، ودبلة الخطوبة التي اختفت من يده اليُمنى؛ مخلِّفة أثرًا واضحًا حول إصبعه بفعل الشمس.. لاحظ نظراتي، وبدأ يحكي..

“مستحيل تقدر تستحمل حد مبيرضاش عنك أبدًا مهما عملتله، مهما كنت بتحبه.. أنا عمري ما حسيت إنها مبسوطة، دايمًا لازم تحسسك إن فيه حاجة ناقصة، دايمًا كانت لازم توصلي إني مقصر، وإنها كانت مستنية أكتر.. كنت بموِّت نفسي في الشغل عشان أحوش؛ عشان أعملها دايمًا أحسن حاجة، عشان نتجوز في أقرب وقت.. وبرضو مفيش رضا أبدًا.. جيت في لحظة معينة حسيت إني خلاص مش عاوز أعملها أي حاجة، مش أنا كده كده مقصر؟ خلاص خليني مقصر فعلًا.. وفضل فتوري ناحيتها يزيد، لغاية ما سبنا بعض.. فيه ناس قادرين يحوّلوا حبنا ناحيتهم بأفعالهم لتُقل، لحمل تقيل منقدرش نكمل بيه مهما حاولنا”

ثم ختم كلامه ضاحكًا بأنه بدأ في الترويح عن نفسه، سافر، جدّد سيارته، لم يعد يُجهد نفسه كثيرًا في العمل؛ لدرجة أنه اشترى هذا الهاتف الثمين بالمبلغ الذي كان يدخره لقضاء شهر العسل معها.

نعم، أعرفهم؛ أعرف هذا الطراز المُهلِك من المحبة، والذي لا يُشعرك شريكك فيه أبدًا أنك كافٍ له، دومًا أن المُقصِّر مهما بذلت.. وعندما ترحل، متوقفًا عن العطاء، يندهش! يتحول معظم الناس في حضرة من يحبون إلى أطفال ينتظرون الثناء، لا نطلبه، لكننا ننتظره ممن نحب؛ ينتظر الإنسان أن يُشعره شريكه في العلاقة أنه ليس بالسوء الذي يظنه في نفسه، وأنه مُستحِق لهذا الحب.

لسنا ملائكة.. ولا يجب أن نكون

هل من قبيل الصدفة أن معظم السيكوباتيين الذي اقتربت منهم، كانوا يرون في أنفسهم شخصيات مثالية؟

لا أظن أنها صدفة أبدًا، دومًا تجد الواحد منهم يعتقد في نفسه أنه المظلوم المثالي الذي لا يُخطئ، لا يُقصِّر، لا يرتكب الأخطاء ولا الخطايا.. حتى لو اعترف بخطأه فلابد أن يخلق له التبرير المثالي، الذي يزيح عن كاهله فكرة الاعتذار.. وعلى النقيض من هذا تمامًا، هم أكثر البشر قسوة في اللوم، مهما كان خطأك بسيطًا، أو تقصيرك له ما يبرره.. اللوم عند بعض البشر هواية، هواية تعذيب الآخرين وإشعارهم بمدى ضآلتهم، وعدم استحقاقهم للحب.

مصادقة مَن يرغبون في صُحبة الملائكة التي لا تخطئ، أمر مرهق للغاية، خصوصًا أنهم في جوهرهم- غالبًا- أبعد ما يكون عن الملائكية والمثالية التي يرونها في أنفسهم.

لو كان للمحبة شرطًا، فهو تقبُّل الذلل، تقبل التقصير البسيط المتبادل؛ تقبُّل نقائصنا البشرية العادية، دون أن يُشعِر أحدنا الآخر أنه الشيطان الذي لا يستحق إلا أن يكون منبوذًا.

ضرورة البذل المتبادل

المحبة، في أي علاقة إنسانية أيًا كان نوعها، بذل متبادل، عطاء من الاتجاهين، لا يجوز أن يكون عطاء دائم من طرف، وأخذ دائم من الطرف الآخر.

هل يمكن للإنسان الطبيعي أن يواصل العطاء لشخص لا يمنحه إلا المزيد من الخذلان؟

الاعتقاد في ملائكية الإنسان وهم مثالي، يبرر به البعض لأنفسهم أنانيتهم تجاه من يحبونهم؛ كأن وظيفة الإنسان أن يبذل روحه من أجل غيره، دون أن ينتظر حتى أن يشعر بأن الطرف الآخر يدرك قيمة ما يُبذَل من أجله!

نحن غالبًا لا ننتظر مقابلًا مباشرًا لأفعالنا الطيبة، لكننا ننتظر بعد التقدير لما نبذله.. وفي غياب أي رد فعل لعطائنا، يفقد كل شيء معناه، مهما كان مقدار المحبة التي بداخلنا.. نحن لسنا مثاليين، بالرغم من أن الممتلئين بحب الذات ينتظرون دومًا الملائكية ممن يحيطون بهم؛ لكن الملائكة لا تسكن الأرض.

لسنا مثاليين، ولا يجب أن نكون كذلك لنستحق المحبة من غيرنا.. وكما قال “جون جرين”:

“لا أعرف أحدًا مثاليًا، إلا أني أعرف أناسًا- على الرغم من عيوبها- مازالت تستحق أن تُحَب”

الآراء الواردة في التدوينة تعبر عن رأي صاحبها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر “العدسة


اترك تعليق