حكاية عجب – العدسة
Loading

حكاية عجب

بواسطة: | 2018-02-02T14:18:28+00:00 الجمعة - 2 فبراير 2018 - 2:18 م|
تغيير حجم الخط ع ع ع

سأخبركَ عن الحبّ والمُحبين.
واليوم لكَ معي “حِكَايةٌ عَجَبْ”

أولًا لَا أُريدُ أن تتخيل -ﻷنني قلتُ أنها حكاية- أنها حدثتْ في الماضي؛ صاحبتها ما زالتْ بيننا، حيةً تُرزق.

صغيرةٌ تُحب الحياة، كلما رأت جمالًا اقتربتْ منه في خفةٍ وهمستْ :”أنتَ جميلٌ جدًا، أردتكَ أن تعرف فقط.” لينظرَ إليها في تعجبٍ ثم يستسلم لابتسامته في النهاية.

قريبًا، كنتُ معها، كنا في شارعٍ من شوارع القاهرة، مرّت فتاةٌ تحملُ في يدها باقةَ زهور، لم أنتبه إلّا على صوتِ الصغيرة”الوردُ جميلٌ جدًا”!، دُهشت أنا! لكن الفتاةَ ابتسمت ابتسامةً واسعةً جدًا -راهنتُ نفسي أنها لم تسعد هكذا منذ أيام- وشكرتها قائلةً “تفضليه، لا أمنعه عنكِ” وأكملتْ طريقها مُنتشيةً!

قالتْ لي يومًا، أنها لَا تستطيع أن ترى جمالًا ولا تعبرُ له بامتنانها ﻷن القدر أظهره في طريقها. واسترسلتْ تحكي “رأيتُ فتاةً بديعةَ الجمال، كانتْ عيناها كمجرتين من مجرات السماء العظيمة، دهشتُ من شدةِِ جمالهما، لدرجة أنها انتبهتْ لي، لتتوقفتْ فجأةً عندما صارت إذائي، وقالت “أهناكَ شيء؟” رددتُ عليها مباشرةً “أنتِ جميلةٌ جدًا، وعيناكِ الكحيلتان باهرتان!” احمرّ وجهها خجلًا -من بعد أن كانتْ آتيةً لتتشاجر معي بسبب نظراتي لها- وأطلقتْ ضحكةً رنانةً، محاولةً إخفاء خجلها وقالت بسرعة خاطفة “شكرًا”.
أحبّ هذا النوع من البشر؛ لا يستطيع أن يجامل، قالت في اقتضابٍ “شكرًا”، لكنَّ وجهها وعيونها وكل جسدها كان لهم رأيٌ آخر، لا سطلةَ لكَ على جسدك في مثل هذه المواقف”.
حكتْ لي هذا وأنا أرى ما في عينيها من نشوة، كانتْ تنظر بعيدًا وتبتسم.

صغيرتي هذه.. لم تعد كما كانت؛ صارتْ صامتةً، لا تكادُ تُرى ابتسامتها إلّا إذا خالطتها بعض الدمعاتِ أو سبقتها. صُدمتُ لما رأيتها بعد زمنٍ من لقائنا اﻷخير؛ كانتْ شاحبة، صامتة، حزينة، صارمة! كانتْ كلَّ شيءٍ إلّا أن تكونَ هي. جميلتي المرحة المُحبةُ التي أعرفها، تغيرت!

لم أستطع منع نفسي، وسألتها “ماذا بكِ؟ ما حالكِ هذه؟”. لكنها لم تجب؛ أجابت عيناها بدلًا عنها، وبدأتْ في بكاء هادئ، تنزل دموعها كالسيل على وجنتيها، ولم تحاول منعها.
أمسكتُ يديها “بالله عليكِ، تكلمي!” وتكلمتْ فعلًا، لكن ليس كلامًا مفهومًا، بل شهيقًا متواصلًا وتأوهًا!
كادَ قلبي ينفطر، بكيتُ لبكائها، واحتضنتها، وظللنا نبكي.
أبعدتني عنها، ومسحتْ دموعها، ثم ابتسمت! (نعم هكذا هي صغيرتي الجميلة، تكفيها بعض الدمعات الكثيراتِ جدًا في الواقع، ثم تهدأُ وتبتسم، كلُّ من حولها يعرف بهذا).

بدأتْ في الكلام…
“اعتدتُ على أن أقولَ للجميل أنه جميلٌ في وجهه، وإذا رأيتُ شيئًا ناقصًا نبهتُ أصحابه ليعدلوا وضعه فيزيدوه جمالًا فلا يعيبه نقصه. ما حدث أنني… تناهى إلى أسماعي أنّ النّاس لَا يُعجبهم ما أفعل، ثم صرحوا لي “لا شأن لكِ، لا تتدخلي!” آلمتني هذه الكلماتُ كثيرًا؛ كلّ الجمال الذي أحاولُ نشره غير مرّحبٍ به!

لم أهتمّ في البداية إذا بادلوني نفس اﻷفعال أو لَا؛ كان هدفي هو الحبّ ولا شيء غيره، ولم أنتظر مقابلًا لهذا! لكنْ، أنْ أقابَل بالنفورِ هكذا، كان شديدًا عليّ؛ أنا بشرٌ من لحمٍ ودمٍّ ومشاعر كما تعرف.”

قلتُ في حُزنٍ “من آذاكِ؟”. نظرتْ في المدى وترقرقتْ من عينها دمعةٌ، ثم أفصحت “الحبّ! الحبّ يا عزيزي لم يُنصفنا! منذ سنين ونحنُ نمنحه، ويوم أن احتجنا إليه ليداوي جراحنا، لم نجده!”

حاولتُ مواساتها “صغيرتي، إنها حالةٌ فردية، صدقيني! لا تعممي أحكامكِ بسببها!”. لكنّ ألمها في هذه اللحظة كان أكبر من أن تستوعب ما أقول، ورغم ذلكَ، ظلّ أملي قائمًا بأنها ستعودُ إلى حالتها اﻷولى عندما تهدأ. وقلتُ -رُبما- صدرت تلكَ الكلمات ممن لا تتوقع أن تصدر منهم ولهذا كان ألمها مضاعفًا. صدقتُ توقعي، وظللتُ أحاولُ الترويحَ عنها وتهدءتها حتى نجحتُ -نسبيًا- في إضفاء جوٍ من المرح على مجلسنا، إلى أن رأيتُ أسنانها، فارتاح قلبي واطمئن.

كبُرتْ الصغيرة وظهرَ عليها كبرياء اﻷنثى وجمالها، صارَ جميع من يراها يُوقفها ويقولُ لها أنها جميلة. في بدايةِ اﻷمر كانت -ككل الفتياتِ في مثل سنها- سعيدةً بما يحدث، وهمستْ “اﻵن انقلب الوضع. ما أسعدني!”

لو كان اﻷمرُ توقفَ هنا، لما كانتْ هناكَ قصةٌ لتروى! ليتَ الأمر توقف عند هذا الحدّ؛ بجانب المُصارحات بالجمال، صارت هناكَ مصارحاتٌ بالحبّ والهُيام! والفتاةُ مسكينة لا تملكُ من أمر نفسها شيئًا!

جاءتْ إليّ تروي لي كلّ ما تعرضتْ له، قالتْ “وصلتُ إلى مرحلةِ أن يؤذيني من يحبونني، فقط ﻷنني لستُ مستعدةً لخوض مغامرات الحبّ هذه معهم! من منّا لا يُريد الحبّ؟ من في هذا العالم لا يُريدُ أن يحبّ؟ فما بالك إذا كان هو المحبوب!
لكنّ اﻷمرَ عندي يختلف؛ كلما جاءت سيرةُ الحبّ ارتعش جسدي خوفًا، كلما لاحظتُ من أحدهم ميلًا ابتعدتُ عنه! كلما صرّحَ ليَ أحدٌ بحبه تتحولُ حياتي جحيمًا، ليس بسببه -معاذ الله- وإنما بسببي أنا! أنا التي صددتُ الحبّ الذي جاءني، أغلقتُ الباب في وجهه وأنا أريده! أنا التي أقولُ لَا وكلّي يقولُ نعم، إلّا قلبي! إنه خائفٌ ولا يكفُّ عن البكاء كلما حضرت سيرةُ الحبّ! حكايتي عجَب!”

عجزتُ عن إيجادِ حلٍ لها، كانتْ تبكي حالها، وتتعجب “كيفَ أتمنى الحبّ وكلما أتاني هربتُ منه؟”
صغيرتي ما زالتْ على حالها هذا إلى اليوم، يقتربُ الجميع منها فيكون جوابها الهرب، ثم تأتي إليّ وتبكي، وتقول “ليس بيدي! صدقني! لا أعلمُ أيّ جنونٍ يعتريني، ولَا أستطيع منعَ نفسي من الهرب، لكنْْ أرجوك! ساعدني!”
حاولتُ معها كثيرًا أن تفتح أبواب مدينتها المحصنة للفرسان القادمين وتحاول رؤيتهم، لكننا فشلنا! وفي كلّ مرةٍ كانتْ تبكي وتقول “حكايتي عجب! حكايتي عجب!”

لم أعد أستطيع رؤيتها على هذه الحالة من التشتت، وهي التي كانتْ تملأُ الدنيا مرحًا وبهجة!
وقلتُ أعرض أمرها على الناسِ في قصةٍ أكتبها من أجلها هيَ خصيصًا! ووافقتني.

واﻵن أنا هنا أصرخُ بكلماتها “حِكَايةٌ عَجَبْ” أفلَا نجدُ لها نهايةً سعيدة فنختتمها؟…

الآراء الواردة في التدوينة تعبر فقط عن رأي صاحبها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر “العدسة

عن الكاتب

أسماء يسري
نحن نكتب من أجل ألا نموت.

اترك تعليق