Loading

كيف تكون إنسانًا

بواسطة: | 2018-02-02T14:15:32+00:00 الجمعة - 2 فبراير 2018 - 2:15 م|
تغيير حجم الخط ع ع ع

ذات يوم كنت أحدث أمي بشأن الهوايات والمواهب .. ظللت أتناقش معها أن كل منا يمكن أن يكتسب أي موهبة ويصبح متمرسا فيها كذلك ..

وكان حجتي آنذاك أننا خلقنا جميعا متماثلين .. أطفال في حجم قبضة اليد ، مغمضي الأعين ، لا ندري ولا نشعر فيما يدور العالم حولنا ، عجين خبز كما يقولون ، تشكلنا الأيام ، نتأثر بالعوامل الوراثية وخلافها ، تخلقنا البيئة حولنا ، الناس ،والمواقف ،وحتي الأماكن التي نرتادها.

كل منا رباه والديه ، أجداده وأقاربه ، ولا تزال الحياة حتي الآن معلمنا الأول ، وريح أيامها دروساً وعظات لنا ، وكل يستفيد من دروسه من نظره ..

الحقيقة التي لا خلاف عليها .. أننا مختلفون في كل شئ بداية من الشكل والهيئة والطباع .. نهاية لبصمة أصابعنا .. وحتي بصمنتا في الحياة ..

ولكننا في النهاية بشر .. أصلنا واحد وأبونا واحد !

كل منا ارتاد مدرسة ما .. كان له أصدقاؤه .. عشنا سويا مراحل حياتنا المختلفة .. وأطوار نظراتنا للحياة .. كل ونظرته .. ولكنها في النهاية نفس المراحل .. لعب عامل الزمن لعبته .. نكبر شيئا فشيئا وفي نهاية كل مرحلة يفترق عنّا بعضهم .. ولكنها كانت مفارقات طفيفة .. إلي أن وصلنا إلي مرحلة الثانوية .. وازداد عامل الزمن قوة باتحاده مع عامل التنسيق أيضا .. وهنا زاد الفراق وتعددت أنواعه ومذاهبه .. كل ارتاد كليته .. صديقك الذي كان يجلس بجوارك في نفس المقعد .. ذهب إلي كلية أخري .. وربما جامعة مختلفة .. وهكذا الحال .. لم أعترض يوما علي هذا لأنني طالما آمنت بأنها سنة الحياة ومنطق الكون ..
حين ترتاد الكلية لأول مرة تكون فيها غريبا لا أحد يعرف شخصك .. أصلك .. ولا حتي عقائدك .. كأنك تشكل نفسك فيها بالشكل الذي تريده أنت .. تختار الصورة التي يراك عليها الناس هناك ..

لا أحد يسألك أنت تجيبهم بنفسك !!!

ولأنني الآن في كلية مرموقة كما يري الناس .. ويظن البعض أن من حالفه الحظ أو بذل مجهودا في وقت ما وارتاد هذا المكان .. هو ملاك سقط علي الأرض .. طبيب الأرواح من نظرهم .. له قوانين لا يحيد عنها وإن حاد عنها سقطت عليه لعنات السماء .. ربما هم محقون من جانب ما .. ولكن النظرة الدونية لمن يرتادون أماكن أخري ليس فيها ذرة من الحق والإنصاف ..
يا عزيزي الطب لا يربي الناس .. لا يلبسهم رداء الأخلاق بدلا من البالطو الأبيض .. لا ينزل عليهم بركات من السماء فيصبحون فجأة بأخلاق الأنبياء والرسل .. إن لم تكن طوال الثمانية عشر عاما من حياتك قبلها تتعلم وتختبر وتجرب وأصبحت نفسك قبلها لن تكون بعده شيئا ..

أتفق معك أننا نتعلم هنا ، نكتسب الخبرات ولكننا لا نتعلم كيف نحبو في حياتنا الآن ؟ .. أشخاص بالغون لنا مواقفنا التي سُنسأَل عنها ونُحاسَب عليها أيضا .. الطب فقط يعلمنا التشريح ووظائف الأعضاء وربما اتخذناه وسيلة للتأمل في بديع خلقه .. ولكنه ليس الوسيلة الوحيدة وهنا المقصد ..

الأدب والعلم لا يقتصر علي الأطباء وكذلك الشيم التي لا نحبها لا تقتصر علي باقي الكليات .. ولا تتسائل حين لا يعجبك تصرف ما.

ماذا تركنا لهم إذا ؟ .. ثم تتبعها مع احترامنا لهم .. أي احترام تتحدث عنه ؟ وكلامك لا يفصح إلا عن تناقض !!
يا عزيزي لم نترك لهم سوي مقاعد شاغرة في كلياتهم ، وهم كذلك لم يتركوا لنا إلا مقاعد شاغرة في كليتنا .. مقعد شاغر في المحاضرة أو السكشن أو حتي علي درج السلم .. وفي الكافتيريا أيضا ..

دعونا نترك العنصرية جانبا ، ننفضها كما ننفض الغبار الذي يوسخ الثوب الأبيض .. وإن كانت الأيام فرّقتنا الآن فصدقني يا عزيزي لن تُفرّق بيننا بعد سنوات قليلة ..سنلج جميعا معترك الأيام وستعطينا جميعا حظاً متساوياً من الشقاء والتعب .. وربما السعادة إن كُتبت لنا لحظات قليلة منها ..
في النهاية .. فقط .. كن طبيبا كما تريد .. ولكن قبلها تذكر كيف تكونُ إنساناً بحق !!!

الآراء الواردة في التدوينة تعبر فقط عن رأي صاحبها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر “العدسة

عن الكاتب

هاجر بدر
طالبة بكلية الطب

2 تعليقان

  1. Tasneem hany السبت، 3 فبراير، 2018 at 11:40 م - Reply

    جميل جدا يا هاجر.. ربنا يوفقك

  2. عمرو خالد الأحد، 4 فبراير، 2018 at 12:54 ص - Reply

    جوود جوود

اترك تعليق