Loading

لماذا لجأت السعودية إلى إقرار نظام الإفلاس في هذا التوقيت؟ (رصد وتحليل)

بواسطة: | 2018-02-20T17:53:59+00:00 الثلاثاء - 20 فبراير 2018 - 5:53 م|الأوسمة: , , , , |
تغيير حجم الخط ع ع ع

جلال إدريس

أثارت موافقة مجلس الوزراء السعودي أول أمس على اعتماد “قانون الإفلاس”، موجة من التساؤلات والجدل بين السعوديين، بين من يرى أن القانون سيسمح بتحسين البيئة الاستثمارية والتنظيمية في البلاد، وبين من يرى أنه ينذر بوضع اقتصادي خطير قد تضطر معه مئات الشركات العاملة في السوق السعودية للإعلان عن إفلاسها.

القانون بررته مصادر حكومية وفقا لـ”رويترز”  بأنه يساعد في عملية جذب الاستثمار الأجنبي إلى المملكة، كما أنه يعد خطوة في إطار خطة الإصلاح الاقتصادي التي يتبناها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان.

وكان مجلس الشورى السعودي، قد وافق في ديسمبر الماضي، على مشروع إقرار القانون، غير أنه اتخذ قرارا بالموافقة عليه أول أمس، حيث يتألف النظام من 231 مادة تقع في 17 فصلاً، ويهدف إلى تنظيم إجراءات الإفلاس، بما فيها التسويات وتصفية الأصول، وينتظر منه تمكين الجهات المختصة على تعزيز الثقة بالتعاملات المالية في المملكة.

“العدسة” ومن خلال التقرير التالي تلقي الضوء على “حقيقة نطام الإفلاس” وما هي الإيجابيات المتوقعة على السوق السعودي بعد إقرار هذا النظام، وما هي أبرز السلبيات، وماذا يعني إقراره في الوقت الراهن.

أولا ماهو نظام الإفلاس؟

نظام الإفلاس هو نظام معمول به في معظم دول العالم، يساعد المستثمرين في عملية تنظيم الأموال، عند تعثر الشركات أو المؤسسات التجارية، فضلاً عن مراعاته حقوق الدائنين، عبر تعظيم قيمة الأصول المالية وبيعها بأسعار أعلى عند عدم تمكن الشركات من الاستمرار في نشاط اقتصادي ما.

ويعمل النظام أيضاً على إيجاد نوع من التوازن بين مصالح المستثمرين وحقوق الدائنين، عن طريق توفير “ممكنات” نظامية للتغلب على الصعوبات المالية، وتصفية الأصول، دون التفريط بحقوق أي من الطرفين.

وبحسب تقارير إعلامية سعودية، فإن الجهات المختصة عملت على إعداد “نظام الإفلاس”، بناءً على التوصيات والمراجعات مع البنك الدولي، ولجنة القانون التجاري الدولي في الأمم المتحدة.

وخصّص النظام إجراءات تناسب وحجم استثمارات صغار المستثمرين، عن طريق تقليص مدة اعتمادهم وتوفير إجراءات ميسرة لهم، ما يرفع من كفاءة استغلال الفرص بالنسبة لهم، ويقلل التكلفة أمامهم.

ويهدف النظام إلى تمكين المدين المتعثر (المفلس) من معاودة نشاطه، كما أنه يراعي حقوق الدائنين على نحو عادل، ويعزّز الثقة بسوق الائتمان والتعاملات المالية، ما قد يحسن مكانة السعودية في مؤشر تسوية حالات الإفلاس، حيث أنها، وبحسب تقارير دولية، تحتل المرتبة 168 — الأخيرة بين دول العالم.

ومن المعروف أن القانون الحالي المطبق في المملكة لا يشمل طريقة سهلة لتصفية أنشطة الشركات المدينة.

لماذا لجأت السعودية للإفلاس

وفقا لخبراء اقتصاديين فإن لجوء المملكة لإقرار “نظام الإفلاس” جاء بسبب شعور السلطة الحاكمة في الرياض أن السعودية لا تسير على الخطوات الاقتصادية الصحيحة، وأن اقتصاد الدولة مهدد بالانهيار، وأن المملكة على حافة الإفلاس بالفعل، وذلك بسبب انخفاض عوائد النفط، والعجوزات الكبيرة في ميزانيتها، وتراجع الاحتياطات بسبب الهدر المالي، والتورط في حروب اليمن وسوريا والعراق.

ورغم ادعاء  المسؤولين السعوديين بمتانة الاقتصاد السعودي، ووجود مصادر دخل كبيرة من الذهب والمعادن غير النفط، إلا أن الواقع يخالف التصريحات تماما، فالمملكة اضطرت للجوء إلى المواطن لسد العجز في ميزانتيها الذي بلغ أرقاما فلكية لأول مرة في تاريخ المملكة، كذلك لجأت إلى خطط تقشقية أثرت بالسلب على المواطنين والمقيمين في المملكة.

وفي ديسمبر الماضي اعترف “محمد التويجري” نائب وزير الاقتصاد والتخطيط السعودي” أن بلاده كانت عرضة للإفلاس في غضون ثلاث سنوات في حال لم تتخذ إجراءات بالتقشف وخفض الانفاق”.

هذا الاعتراف يعكس توجها حكوميا سعوديا غير مسبوق يتناقض كليا مع سياسات “المكابرة” حيث جرت العادة تجنب أي حديث من شأنه إظهار المملكة في حال الضعف المالي، أو الاقتصادي، أو السياسي، حتى لا “يشمت” بها البعض في دول الجوار، وحتى تظل صورتها قوية امام مواطنيها.

ولعل لجوء المملكة إلى الأسواق العالمية لبيع سندات خزينة لجمع 17.5 مليار دولار لسد العجز في الميزانية، الذي قدر بحوالي 87 مليار دولار 2017، تطور غير مسبوق أيضا في دولة كانت عوائدها النفطية  تصل الى حوالي ملياري دولار يوميا.

أيضا عكست إجراءات التقشف، وخفض النفقات التي تبنتها الحكومة السعودية، وخفض الدعم عن السلع الأساسية والمحروقات، وزيادة الرسوم، وتقليص علاوات ورواتب موظفي الدولة الكبار، مثل الوزراء وأعضاء مجلس الشورى (بنسبة تتراوح بين 15 – 20 بالمئة) تدهور اقتصادي حاد، كان من الطبيعي أن تلجأ معه المملكة إلى ما يعرف بـ”نظام الإفلاس”.

شركات كبرى انهارت بالفعل

أيضا ما دفع  ولي العهد السعودي محمد بن سلمان مؤخرا إلى الموافقة على إقرار “نظام الإفلاس” بالمملكة هو حالة الانهيار الكبرى التي تتعرض لها كبرى الشركات السعودية.

فبعد انهيار شركة «سعودي أوجيه» التي كان يمتلكها رئيس الوزراء اللبناني”سعد الحريري” باتت العشرات وربما الشركات العاملة في قطاع الاستثمار السعودي مهددة بالإفلاس.

وحذر اقتصاديون  من أن عدداً من الشركات الكبيرة والصغيرة أصبحت بالفعل في دائرة الخطر، مبينين أن عشرات الشركات والمؤسسات بمختلف تنوعاتها تخرج من السوق أو تعلن إفلاسها سنوياً بسبب أوضاع مالية، وقالوا إن حجم الديون على الشركات يتجاوز 300 بليون ريال، إلا أن هذه الأرقام غير رسمية، وذلك وفقا لصحيفة “الحياة” اللندنية.

وأوضحوا أن السوق السعودية لا تختلف عن غيرها، وأن استمرار الأزمة الاقتصادية في الدول المنتجة للنفط بسبب انهيار الأسعار ستكون له آثار مدمرة على الشركات العاملة في قطاعات البنية التحتية، ومن بينها قطاع المقاولات الذي يعتبر الأكثر تضرراً، والعاملون فيه أكثر عرضة للخروج من سوق العمل.

ومن المتوقع أن لا يكون انهيار شركة «سعودي أوجيه» هو الأخير، فشركات عالمية عملاقة أخرى على وشك الانهيار بسبب الأزمات الاقتصادية في السعودية،  من بينها شركات مثل «مجموعة بن لادن» والتي لا تزال تواجه أزمات مالية اضطرت معها لتسريح آلاف العمال، وكذلك شركة المعجل، وكذلك شركات القصيبي والصانع، وغيرها.

مخاطر الإفلاس

الخطير في قضية إعلان الإفلاس أن الأمر لا يتوقف عند إفلاس الشركة ذاتها فحسب، لكن إفلاس الشركات الكبرى يؤدي إلى خروج آلاف الموظفين المواطنين والأجانب من سوق العمل، وكذلك يعود بالسلب على مؤسسات مقاولات الصغيرة التي تضطر هي الأخرى تخرج من السوق أو تعلق نشاطها بالسوق السعودي.

كما أن المؤسسات الصغيرة، التي تعمل من الباطن، تتأثر مع إفلاس الشركات الكبرى،  حيث لا تتسلم الكثير منها مستحقاتها من الشركات الكبيرة التي تعلن انهيارها وإفلاس ما يعني ضياع الحقوق على آلاف العمال الأجانب والمواطنين.

المواطن هو من يدفع الثمن

بحسب مراقبين فإن إقرار نظام الإفلاس، وغيره من الأنظمة التي ترى فيها السلطة الحاكمة في السعودية أنها تصب في عملية الإصلاح الاقتصادي، فإن المواطن السعودي هو من يدفع الثمن في نهاية المطاف، وكذلك المقيمون والعاملون الأجانب في المملكة، والتي يقدر تعدادها بحوالي ثمانية ملايين عامل وموظف، عن طريق رفع الدعم عنه وإقرار ضرائب جديدة، وفرض رسوم على العمالة وغير ذلك.

كما أن عدم دفع الحكومة ديونها لدى الشركات التي نفذت مشاريع كبرى أدى الى معاناتها، وإفلاس الكثير منها، لعجزها عن دفع رواتب موظفيها، وحدوث مشاكل اجتماعية وعمالية.

وبرغم أن الحكومة باعتراف وزير ماليتها محمد الجدعان أكدت أنها ستدفع حوالي 30 % من هذه الديون قبل نهاية العام الحالي، إلا أن هناك من يشكك في إمكانية تنفيذ هذه الوعود.

ويرى مراقبون أنه من الطبيعي أن يكون اقتصاد دولة تصدر حوالي عشرة ملايين برميل من النفط يوميا قويا، لكن المشكلة تكمن في إدارة هذا الاقتصاد، وترشيد الإنفاق، بحيث لا يكون هذا الترشيد على حساب المواطن البسيط المعدم الذي بدأ يشعر بالمعاناة المعيشية في ظل الكبار أصحاب الملايين والمليارات.

كما أن المواطن يمكن أن يتحمل إجراءات التقشف شريطة أن يكون شريكا أيضا في تقرير مستقبله في ظل شفافية مالية وسياسية، ومراقبة تشريعية وصحافية، ومحاسبة للسلطة التنفيذية، وتقديم الفاسدين إلى محاكم عادلة في ظل قضاء مستقل وهو ما لا يحدث مطلقا في الممكة العربية السعودية، حيث تحتل السعودية مراتب متردية جدا في مقياس مستوى الشفافية.


اترك تعليق