مَوْسم اهتزاز النخيل – العدسة
Loading

مَوْسم اهتزاز النخيل

بواسطة: | 2018-02-04T11:57:14+00:00 الأحد - 4 فبراير 2018 - 11:57 ص|
تغيير حجم الخط ع ع ع

الجوّ متقلبٌ، والشمسُ التي تتوسطُ صحن السماءِ لا تشفعُ للحرارةِ أن تتسلسل في يناير. برودةُ الطقسِ تقرصُ جلودَ المواطنين، وحركةُ الرياحِ تنفض عن وجوههم الغبار وتركل الدفء من بين ضلوعِهم. الفلاحون في أراضيهم لا يضيرهم اختلافُ الليل والنهار ولا تتابعُ الفصول؛ لهم مواسم وشهورٌ لا يفهمها غيرهم، مرتبطة بمواقيتِ غرس البذور.. والفيضانِ.. والحصاد.

على جانبي الطريق تمتدّ أعواد النباتاتِ المختلفةِ ثابتةً بلا اهتزاز؛ أو متمايلةً لا انكسار. تأتي الرياح وتذهب وهي واقفةٌ لا يهمّها هذا الضيف اللطيف. في يومٍ منذ سنواتٍ، استيقظ الجميعُ على تداول خبرٍ يقول بأن ثمّة نخلةً واحدةً أحدثت طفرةً؛ خرجت وسط حقول القمح بلا أحقيةٍ في المكان ولا الموعد، أصلُها مهتزٌ وفرعُها في السماء يتظاهر بالثبات، كأنها نبتت بالعكس؛ مقلوبةً إلى الأسفل. وتدلّى الجمرُ من جنوبها بدلًا من التمر.

جذورها ضاربةٌ إلى الأسفل تسرق من الأرض ما يجري فيها من غذاء ومياهٍ لما حولها. عجُزُها خاوٍ منقعر، وعراجينها قديمة، وطلعُها كأنه رؤوس الشياطين. تأتي الرياحُ عليها وهي متهالكةٌ فتهتزُّ بلا هوادة كأنها تتراقصُ مع طبول الحربِ عليها، وتتمايلُ مع حشرجتها الأخيرة، وتضحكُ بلا اكتراثٍ وهي تُساق إلى الموتِ من حيث لا تدري، لكنها –رغم تجاعيدِها وارتعاش ضلوعها- بَعدُ لم تقع.

تروحُ الحكايات وتجيء وتختلف وتتواترُ وتتزاحم وتُنسى، ولكن لا يكادُ يمر يومٌ لا يتداولُ فيه الأهالي على المصاطب في جلسات السمر حكايتهم الخالدة، التي لم تزاحمها في أهميتها حكايةٌ ولم تضاهها على الألسنة قصة، عن هذا اليوم الذي حاول فيه مجموعةٌ من شبّان القرية أن يسقطوا عراجين الجمرِ وبلحةَ الشرّ بالحجارةِ، فلم يناموا بعدها ستّ ليالٍ من الكوابيس، حتى سلّموا بنحسها وشؤمها، ولكن في الليلة السابعة استيقظوا على رؤيا موحّدةٍ زارتهم، رآها الخمسة وعشرون شابًّا في منامهم في الوقت ذاتِه ما بين الفجرِ والضحى؛ رأوا نهارَ القريةِ يسودّ كأنه القيامة، ويفرّ الناس فلا يجدون لهم ملجأ، وتندفعُ الريحُ كأنها خوارُ عجلٍ سمين، لا تمسّ الجامع الكبير ولا الدير العظيمَ بأي سوء، ولا توقظ الرضّع حتى من نومهم، لكنها تدورُ وتتجمعُ إلى أن تصبح عاصفةً حلزونيةً سوداء، تجعل من النخلةِ مركزها ومحورها، فتدور إلى أن تطير النخلةُ وتُقتَلع، وتُرى البلحةُ المشؤومةُ طائرة أشلاؤها في الفضاء وعراجين الجمرِ تتساقطُ خامدة، وتتفكك الريحُ التي يبدو أنها تجمعت من الاتجاهات الأربعة وتعود كلٌ منها إلى اتجاهها؛ فيشرق الجوّ كأنه الفجر يعيد ضبط النظام وإيقاع النهار الجديد، وتنطلق نسائمُ الهواء تقبّل أعواد القمحِ التي ماتت حين انبثقت النخلة، وتبوسُ جبهاتِ فتية القرية المبللة بالندى، وتفكّ جدائل الفتياتِ لتطيرَ كأنها حمامٌ زاجل. أجمعَ الناظرون من أهالي القريةِ على أنّ النخلة المنقلبةَ على عقبها، لم يُرَ متدليًّا منها، منذ انبثاقها وسط حقول القمح، إلا تلك الجمرات وهذه البلحة الوحيدة المنتفخة التي منذ أن خرجت في صباحِ ذلك اليوم فجأة منذ سنوات، والفقرُ لا يفارق جيوبَهم، والقفرُ لا يفارق حقولهم، والرفقُ لا يزورُ قلوبهم، والقبرُ يفتح فاه على مصراعيه مبلتعًا كل الأولياء وأهل البركة والشباب “اللي زيّ الورد”.

لم يفسّر الرؤيا أحدٌ لأنها كانت مفسّرة، ولم يحمل الهمَّ أحدٌ منذ ذلك الحين لأنّهم مؤمنون بالرؤيا، ولم يقلقوا بشأن المستقبل رغم ظلام الحاضر لأنهم أنفقوا ماضيهم يروون الأرض بحبّات العرَق، ولم يعد الصغار يخافون من سواد البلحةِ المولودة بلا أصل، ولم يعد نساءُ القريةِ يخفن من ملء المياهِ من جدولِ “الشيخ إمام” القريب من الحقلِ المغصوب.

الآراء الواردة في التدوينة تعبر فقط عن رأي صاحبها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر “العدسة

عن الكاتب

يوسف الدموكي
يوسف الدموكي
شابٌ مصريٌّ مقيمٌ في تركيا، أدرسُ الإعلام، وأكتبُ من أجل الكتابة؛ إذ القلمُ حياةُ مَن يأبَى الموتَ رقمًا؛ و الكلمةُ فرضٌ لمن استطاعَ إلى الحياةِ سبيلًا

2 تعليقان

  1. Nadia elsheikh الأحد، 4 فبراير، 2018 at 10:03 م - Reply

    جميل ..نسأل الله الرحمة لشهداء الثورة ..والتمكين لمن بقي لقلع النخلة وبلحتها البغيضة من أرض مصر الحبيبه. .

  2. رجاء الخطيب الإثنين، 5 فبراير، 2018 at 8:50 ص - Reply

    بارك الله كتابتك
    اللهم فرجا قريبا لإخوتنا في مصر

اترك تعليق