Loading

وطنية المحتلين وخيانة الوطنيين

بواسطة: | 2018-02-02T14:22:26+00:00 الجمعة - 2 فبراير 2018 - 2:22 م|
تغيير حجم الخط ع ع ع

يصاب المرء بالدهشة عندما يتابع مواقف أغلب النخب السياسية في العالم العربي. إذ تنقلب لديهم المفاهيم والتصورات، ومن ثم يرتكبون خطايا ليس لها مثيل، فيخّونون من يعمل لخدمة دينه وبلاده، ويأتمنون الخونة والمجرمين. والعجب أن هذا ليس مجرد موقف سياسي عابر يخضع لموازنات القوة بل كثيرا ما يكون نتاج قناعات داخلية وإيمان حقيقي. وبالمثال يتضح المقال، ففي أثناء قراءتي ليوميات رمز ثورة 1919 “سعد زغلول” كنت أتوقع أن أقرأ يوميات زعيم ثوري يناهض الاحتلال ولكني وجدت العكس من ذلك.  مع التنبيه إلى أن سعد لم يكن يكتب هذه اليوميات كي تُنشر لاحقا، إنما دونها ليحتفظ بها لخاصة نفسه، ومن ثم سجل فيها أرائه الحقيقية دون تجمل، ولم تًنشر الأجزاء الأولى منها سوى بعد موته بستين سنة، وها هي بعض الأمثلة من تلك اليوميات:

تمجيد كرومر وإزدراء مصطى كامل

اللورد “كرومر” هو المعتمد البريطاني في مصر الذي اشتهر بقسوته، وبدوره في مذبحة دنشواي ضد الفلاحين، وعلى إثر حملة إعلامية شعواء شنها الزعيم الوطني “مصطفى كامل” ضد المذبحة، فضلت بريطانيا إعفاء “كرومر” من منصبه عام 1907.

يتحدث “سعد” في يومياته عن وقع خبر عزل “كرومر” عليه قائلا أنه كان  ( كمن تقع ضربة شديدة على رأسه ..فلم يستشعر بألمها لشدة هولها) ومن ثم سارع لزيارة وتوديع اللورد قائلا له ( إني لا أفكر في شخصي ولكن في بلدي ومنفعتها التي سوف تخسر بعدك خسارة لا تعوض).  كما انتقد “سعد” مهاجمة صحيفة “الجريدة” لكرومر بعد عزله قائلا ( تأثرت جدا من لهجتها، لأنها ذمته بأنه كان يخدم دولته ليس إلا، ووضعت صفاته التي اتفق الكل على كمالها موضع الشك). وفي العام التالي لعزل اللورد توفي “مصطفى كامل” فوصفه “سعد” في يومياته بأنه (نصاب، كذاب، ينافق ذوي الأفكار المتأخرة والمتعصبين من الأمة).

عدالة كرومر تفوق عدالة الصحابة

لم تقتصر المأساة على انزعاج “سعد” من هجوم الصحافة الوطنية على “كرومر” ولكن الفاجعة وردت في يومياته أثناء تناوله تفاصيل لقاء جمعه في ٢٥ أكتوبر ١٩١٣ بالمؤرخ الشيخ محمد الخضري ناقشا خلاله عدالة الصحابة،إذ سأله سعد (هل الصحابة معصومون لا يُشَك في حديثهم ؟

فأجاب الخضري: إنهم ليسوا بمعصومين، ولكن لا يُشَك في صدقهم.

فقال سعد: إني أريد بالعصمة الثقة في الرواية !

فأجابه الخضري : هم ثقات، فرد سعد: ومن أين يكون لهم ذلك، وقد كانوا يرتكبون الجرائم ويأتون الآثام كما يرويه المؤرخون؟).

فسعد انزعج لانتقاص الصحف من كرومر وتشكيكها في كمال صفاته، بينما هو لم يتورع عن التشكيك في عدالة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

حزن سعد من وجود روح ثورية لدى التلاميذ

في عام 1908 كان “سعد زغلول” يتولى منصب ناظر (وزير) المعارف ، وحينئذ اعترض “دنلوب” مستشار الوزارة على مضمون ما كتبه أحد التلاميذ في موضوع للتعبير عن فوائد الصحف قال فيه (إن من جملة الفوائد أن البلاد إذا كانت محتلة بأجنبي، فإن الجرائد ترشد الناس إلى مقاومة المحتلين، وتنمية الشعور فيهم، حتى يجلوهم عن الأوطان) . وعندما وصلت شكوى “دنلوب” إلى سعد علق عليها قائلا (إني آسف جدا على هذه الروح التي انبثت في التلامذة قبل أوانها، وجعلتهم ينشغلون بما لا يفيد إلا في إعاقة الأوطان عن التقدم، وإعطاء سلاح للأجنبي يقاتل به أبناء البلاد، فلا حول ولا قوة إلا بالله).

رفض الثورات

يعرض سعد في يومياته الخاصة بيوم ١٩ إبريل عام ١٩١٨ تفاصيل لقاء جمعه ببعض رفاقه السياسيين مثل (محمد محمود وحافظ رمضان) لمناقشة مصير مصر عقب انتهاء الحرب العالمية نظرا لكونها تخضع للحماية البريطانية آنذاك، وفي اللقاء قال محمد محمود (إنه لا حاجة بِنَا إلى الاشتغال بهذا الأمر، فإن الأمة الانجليزية تنوب عنا في ذلك) . بينما قال حافظ رمضان (إنه ما من أمة ضعيفة أمكنها وحدها أن تفعل  لنفسها شيئا، فقد دل التاريخ على أن كثيرا من الأمم الضعيفة جاهدت في سبيل حريتها ولم تنل من هذه الحرية، وكثيرا لم تفعل شيئا ونالت كل ما تتمنى) وعلق سعد قائلا (أيدت حافظ بك في رأيه…وانصرف الجمع على ذلك).

نبوة ويلسون والمطالبة بالحقوق

إذا ما الذي دفع سعد لاحقا للتشجع والذهاب للمندوب السامي البريطاني من أجل طلب السفر إلى باريس لحضور مؤتمر الصلح الخاص بالحرب العالمية من أجل عرض القضية المصرية خلاله؟

يجيب سعد عن ذلك قائلا أنه قام بهذا الأمر تأثرا بإعلان الرئيس الأميركي ويلسون لمبادئه التي تضمنت حق الشعوب في تقرير مصيرها، فويلسون له خصوصية عند سعد الذي يقول عنه (كنّا نعتمد على أقواله ونعده نبي في زمانه ) . أما الثورة وما تلاها فلم تكن في ذهن سعد مطلقا إذ قال (الحق يُقال إننا وقت قيامنا بهذه الحركة، بل وبعدها لغاية إبعادنا، لم نكن نتصور أن مسألة مصر تبلغ من الأهمية ما بلغته الآن).

ولم يغب عن “سعد” عقب سماح الانجليز له بالسفر إلى باريس أن يقدم لهم قرابين حسن النية، فرفض ضم  الزعيم “محمد فريد” للوفد قائلا إن ضمه (خطر كبير على القضية الوطنية التي تحتاج على الدوام إلى عطف الحلفاء، الذين اشتهر فريد بك لديهم عموما، ولدى الفرنساويين منهم خصوصا بموالاة أعدائهم).

الشاهد أننا إذا غيرنا اسم “سعد” ووضعنا مكانه أسماء أخرى لكثير من السياسيين المعاصرين، سنجد تطابقا تاما في المواقف من انبطاح وانبهار بالمحتل، وانتفاش وتكبر على الشخصيات الإسلامية والوطنية.  ثناء على الغرب وقادته، تشويه للإسلام ورموزه. فضلا عن الخوف من رفع أي مطالب وطنية إلا في حالة وجود غطاء من إحدى الدول الكبرى.  لذلك لا يستحق هؤلاء أبدا أوصاف الزعامة، ولا ينبغي السماح بترميزهم وتبييض تاريخهم. فهم في الحقيقة أحد أدوات قتل الروح الثورية لدى الشعوب، وإن كان هناك من نجاح لهم، فهو النجاح في سرقة كفاح الثوار والمناضلين.

المصادر:

مذكرات سعد زغلول: الأجزاء الأول والرابع والثامن والتاسع.

الآراء الواردة في التدوينة تعبر فقط عن رأي صاحبها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر “العدسة

عن الكاتب

أحمد مولانا
أحمد مولانا
مهندس مصري من مواليد 1984، أصدر كتابين: "العقلية الأمنية في التعامل مع التيارات الإسلامية" عام ٢٠١٢ ، و"جذور العداء" عام ٢٠١٣.

يوجد تعليق واحد

  1. منى الأحد، 4 فبراير، 2018 at 5:02 ص - Reply

    المقال يحتاج إلى إلحاق المصادر. به إن كان هذا فى مذكرات سعد فكل فقرة تدون بمصدرها الصفحة رقم كذا فقرة كذا

اترك تعليق