Loading

كيف تمر أزمة الطلاق بسلام لدى الأبناء؟

بواسطة: | 2018-03-11T18:40:33+00:00 الأحد - 11 مارس 2018 - 12:52 م|الأوسمة: , , , , , |
تغيير حجم الخط ع ع ع

العدسة – ربى الطاهر

قد يؤثر الزوجان اتخاذ قرار الطلاق كحل نهائي لتلك المشاكل التي عجزا عن حلها سويا، إلا أنه أثناء اتخاذهما هذا القرار قد يكون هناك طرف ثالث هو المتضرر الأكبر من فشل هذه العلاقة الأسرية، وقد يدفع الفاتورة الكاملة لانتهاء هذه العلاقة، ويبقى الأبناء دائما هم الخاسر الأكبر وغالبا الأوحد.

وقد أوضحت إحدى الدراسات الاجتماعية التي أجرتها الأكاديمية الأمريكية للصحة النفسية للأطفال والمراهقين أن هؤلاء الاطفال الذين يعيشون في جو أسري مشحون بالتهديدات الدائمة، بوقوع الطلاق يسيطر عليهم دائما مشاعر الخوف والارتباك، حيث يتوقعون طوال الوقت حدوث ما يهدد هذا الأمن الذي يعيشون فيه، ويتسرب إليهم الاعتقاد بأنهم السبب في حدوث هذه الخلافات التي أدت للطلاق، وقد يتحمل بعض منهم مسؤولية إعادة العلاقة إلى ما كانت عليه، وهو ما يزيد من الضغط النفسي الذين يقعون تحت تأثيره.

كما بينت الدراسة أن وقوع الطلاق يسبب معاناة للأبناء على مستويات مختلفة، سواء كانت نفسية أو عضوية وترتبط درجة حدتها وشدة أثرها بالأسلوب والأحداث التي وقع بها الانفصال، وكذلك بتمهيدهم لإعداد الأبناء نفسيا لهذا الحدث أو وقوعه فجأة، إضافة إلى إشعارهم بأنهم ليس لهم علاقة باتخاذ هذا القرار؛ حتى لا يتحملون مسؤوليته النفسية، والتأكيد على أن وقوع الطلاق لن يؤثر مطلقا على مشاعر كلا الطرفين تجاههم، وأنهم سيظلون في نفس المكانة، وسينعمون بنفس الحب برغم الانفصال من كليهما.

ويتعرض آلاف من الأبناء لمثل هذه الأحداث بشكل يومي، وغالبا ما يختلف رد فعلهم باختلاف السن وطبيعة الشخصية والظروف المحيطة، بالإضافة لظروف وقوع الطلاق وطريقة وقوعه، وقد يكون رد الفعل الأولي ثابتًا لدى جميع الأبناء باختلاف كل العوامل التي ذكرت مسبقا، وفي المعتاد يكون الحزن والإحباط والصدمة والغضب وكذلك سيطرة القلق، هي أعراض مشتركة بينهم، إلا أن الوقت يكون كفيلا بمعالجة هذه الأعراض، ويساعد على تخطي الأزمة، وهو ما يجعلهم فيما بعد أكثر قدرة على مواجهة الأمر بقدر أعلى من التفهم و التسامح.

ويقع على كاهل الآباء تحمل المسؤولية الأكبر لمساعدة أبنائهم على العبور من هذه المنطقة بشكل أكثر أمنا وهدوءا، فعليهم إغلاق باب النقاشات الحادة أمامهم، وتجنب الصراع والمشاجرات بشكل يهدد أمانهم النفسي، مع مراعاة الحفاظ على الروتين اليومي المعتاد لهم قبل وقوع الانفصال، ومن المهم كذلك الانتباه إلى عدم تبادل الاتهامات والتوقف عن ذكر سلبيات كل طرف وتعمد كشفها أمامهم ومراعاة الإبقاء على اعتبار أن كليهما أب وأم للأبناء، فيجب حفظ كامل الاحترام لكليهما، ومن الممكن اللجوء إلى تنظيم جلسات خاصة مع طبيب نفسي، أو حتى تنفيذ ذلك من خلال أحد الأصدقاء.

وقد يختلف الأمر قليلا بالنسبة للأبناء البالغين الذين عادة ما يكونون بحاجة للدعم النفسي من كامل المحيطين، سواء كانوا أصدقاء أو أفراد العائلة أو حتى رجال دين.

التمهيد لإعلان الطلاق

ويتحتم على الزوجين عند اتخاذهما القرار، أن يواجها أبناءهما، وفي جلسة هادئة يشرحان لهم قرار انفصالهما، ويمكن لهما أن يشركا الأجداد في هذه المهمة، حتى يتمكنا من السيطرة على رد الفعل بقدر الإمكان، فبالتأكيد أن محاولة إخبار الأبناء بهذا القرار لن تكون بالأمر السهل، وتحتاج إلى قدر كبير من ضبط النفس حتى لا يتسرب لهم أية مشاعر غضب أو لوم أو شعور بالذنب، وهو ما يحتاج لتمرين قوى للتحكم في إخفاء أية مشاعر سلبية أثناء هذا الحوار.

ويجب التركيز أثناء هذا الحوار على إيصال رسالة هامة جدا للأبناء، هي أن ما حدث لا علاقة لهم به، وليس خطأهم في شيء، مع الانتباه إلى مناسبة مستوى الحوار لسنهم ودرجة نضجهم ومزاجهم، خاصة وأن الأطفال تحديدا يشعرون بأن لهم يدا في وقوع الطلاق، حتى وإن برأهم الآباء من تلك الأسباب، وهو ما يعني أن على الآباء مراعاة هذا الشعور، وتصدير مشاعر الطمأنينة لديهم.

وعلى صعيد آخر لابد من شرح طبيعة العلاقة أثناء الاختلاف بين البالغين وأنها قد تؤدي إلى تغير المشاعر عند عدم الوصول إلى حلول وسطى في التفاهم وعدم الاتفاق فيما بينهم، وهو ما يحتم عليهم أحيانا تفضيل الحياة منفصلين، مع وجود ترابط قوي دائم سيربط بينهم طوال الحياة، وهذا الترابط وجد حتى من قبل الولادة، ولا يعني مطلقا وجود اختلافات أو عدم اتحاد في الرأي على أشياء كثيرة أن هذا يعني عدم ترابط أو تباعد في المشاعر، ولكن ما يحدث هو من طبائع الأحداث البشرية، ومحبة الأبناء من قبل الآباء والأمهات لا تتوقف بوقوع الطلاق.

وينبغي على الآباء مد أبنائهم بالمعلومات الوافية تجاه التغيرات التي ستحدث في حياتهم إثر وقوع الطلاق، والصدق معهم فيما يطرحونه من أسئلة إذا كان هذا بالإمكان الذي قد لا يضر بنفسيتهم، مع مراعاة عدم الإفصاح التام عن الأسباب الكاملة لوقوع الطلاق، خاصة وإن كان هذا سيؤدي إلى إلقاء اللوم على أحد الطرفين، سواء كان ذلك الأب أو الأم، ولهذا فمن الأفضل التركيز في الحديث على التغيرات التي ستحدث في روتين حياتهم اليومية، وما سيظل على وضعه كما هو دون تغيير أما بالنسبة للأطفال الأقل عمرا فيجب أن تُبَسَّط لهم المعلومات، وأن يشرح لهم أسباب الطلاق بشكل يسير، دون الأكبر سنا فقد يكونون أكثر استيعابا لتلك الأحداث ولتلك الأزمة التي تمر بالأسرة وبضرورة حدوث الطلاق وبالرغم من ذلك تكثر أسئلتهم أثناء النقاش، حتى وإن كان بين الوالدين أنفسهم.

أبناء الطلاق

وقد عبر بعض أبناء الطلاق عن تلك التجربة التي لم تكن بالسهولة التي يتحدثون بها بعد وقوعها، وكانت هذه الحالات لأطفال من عائلات تونسية، وقد أظهر حديثهم مدى تأثرهم النفسي لما تعرضوا له أثناء تلك الأحداث الأسرية

وقد يتضح مدى تأثر طفل لم يتجاوز العاشرة من عمره بحدوث الانفصال العائلي، عندما يقبل على محاولة انتحار فاشلة وهو في هذه السن الصغيرة، بينما تلجأ مراهقة في سن السادسة عشر من عمرها إلى شاب تستجدي منه مشاعر الدفء والحنان التي افتقدتهما، مما يعرضها للأذى وإساءة المعاملة منه، حتى إنه كان يعرضها للآخرين لاستغلالها ماديا، حتى انتهى بها الأمر إلى الدخول في طاحونة المخدرات والوقوع في براثن الإدمان، مما دفعها إلى الهروب من دار الرعاية التي كانت تقيم بها.

وعلق على هذه القضية وانتشارها في تونس كنموذج الشاذلي الرحماني (قاض مختص بقضايا الطلاق في محكمة “أريانة” شمالي تونس) بقوله إن ما يتم عرضه في الدائرة التي تخصه وحده من قضايا الطلاق يتراوح ما بين 150 و200 حالة، وتتضح آثار الطلاق الرهيبة عندما تعرض من زاوية أخرى القضايا الخاصة بانحراف الأطفال إذ تعرض القضايا مدى القسوة التي يتطبع بها هؤلاء المساكين، ومدى قوة ردود أفعالهم، هذا بخلاف انتشار ظاهرة انتحار الأطفال بين أبناء المطلقين.

كما قد ذكرت إحدى الإحصائيات الخاصة بنسب الطلاق في تونس، والتي وصل معدلها إلى ما يزيد عن الـ60% تقريبا

ومن زاوية أخرى رأت هدى فندي، إحدى الناشطات بمجال حماية الطفولة في تونس، أن أعضاء الجهات المختصة بحماية الطفل حول العالم، قد استقبلت خلال عام 2014 فقط ما وصل إلى ما يقارب 6096 بلاغا بتهديدات يتعرض لها الأطفال.

وكشف البحث عن تلك الحالات التي أظهر أن 4615 منها كانت بحاجة واضحة إلى الرعاية، والأهم من ذلك أن نسبة 34.7% من هؤلاء الأطفال كانوا أطفالا لأسر مفككة، انفصل فيها الأب والأم، سواء من خلال الطلاق أو الفراق وحده.

وبالتأكيد فإن هذا ليس هو وضع تونس كبلد عربي وحدها، ولكن ما يحدث في تونس يحدث بالتأكيد في دول عربية أخرى وتعاني كذلك من ارتفاع هائل في حدوث الطلاق.


اترك تعليق