Loading

أنين

بواسطة: | 2018-04-04T13:17:03+00:00 الأربعاء - 4 أبريل 2018 - 7:00 م|
تغيير حجم الخط ع ع ع

مُنذ أن رأت عيناى الرجال وهم يدافعون عن ثرى بلادى ، وَدمائهم وهى تروى أشجار الزيتونِ لِتخلد ذكراهم ، وَمنذ أن رأيت الأهالى وهم يفقدون ذويهم وفلذاتِ أكبادهم ، وَمنذُ أن رأيت ورأيت حتى بلغَ المشيب منى ما بلغه وأنا مازلت فى صغرى ،ظننتُ أن جميعَ أطفالِ العالم مثلى يشعرون بما يتلجلج فى صدرى ويتجرعون كؤوسَ الموتِ كما نتجرعها نحنُ ، ولكنى كُنت مُخطئ كل الخطأ ،فَثمة نعيمٍ ورغدٍ يحياهُ آخرون على حسابِنا نحن الفلسطينيون.

نحيا ها هُنا فى هذا البيتِ الذى يتسعُ كالفضاء ثم ما يلبث أن يضيق كسم الخياط ، نحيا أنا وأمى وجدتى وجدى ، وَلأن فقد أحد أفرادِ العائلة أو دمار العائلة جميعها أصبج ضَريبةً لا مناصَ منها مُنذ أن وطأت قدم الصهاينةِ بلادنا ، كان علينا أن ندفع تِلكَ الضريبةِ كغيرنا من بقيةِ أفرادِ شعبنا الغالى ، لِذا فقد سمت روح عمى لِتهنأ برؤيةِ بارئها وتنعم بنعيم الجنةِ الأبدى ، أما أبى فقد تم إعتقاله بعد عمليةٍ بطوليةٍ إهتز لها الصهاينة جميعًا.

نستيقظُ كل يومٍ على أذان الفجر ، نصلى أنا وجدى جماعةً فى المسجدِ القريبِ من دارنا ، وبعد الصلاةِ نعودُ إلى البيت لِنتناولَ وَجبةَ الإفطار ثم نتجهُ إلى حيثُ أرضنا مجدنا وعزنا ، نزرعُ الزيتون ونزرعُ معهُ أمالًا كثيرة ، أمالًا لا بُد من حصادها يومًا ما.

هُنا أجدُ روحى بين شجراتِ الزيتونِ ، بين الفأسِ والمحراث ، بينَ كُلِ نسمةٍ من هواءِ أرضنا وكأن هواءها معزول تمامًا عن هواء هذا العالم الخبيث.
أجلسُ بعد العملِ بِجوارِ شجرةِ الزيتونِ الكبيرة تِلك ، حُفر على جِذعها إسم كلًا من عمى وأبى وَحفرت عليها ذِكرياتٌ كثيرة ، أضع رأسى على جِذعِ الشجرة وأنسى همومى ولم أنسى قضيتى ولا أرضى ، أُصغى لصوت الهواءِ وهو يُحركُ أغصان الزيتون وكأنه يُنعشُ الذكرياتَ فيها فَتسردَ لى نسائمهُ المعطرةِ بِعطرِ الزيتون تاريخَ أرضنا وقصةِ كفاحِ شعبنا وخذلانِ من خانوا .

وُلدت معى غصةً فى حلقى لازمتنى منذُ صغرى ، غصة لا تمحيها الأيام بل تُزيدها وتنميهَا ، غصة الفقدِ وبُعدِ الأحباب ، كنتُ أفقد بين الحينِ والأخر أحد رفاقى بالمدرسة ، إما بإستشهادهِ على يدِ أحدِ المستوطنين أو من قبل أحدِ جنودِ الإحتلال ونحن فى طريقنا إلى البيت أو رُبما المدرسة ، أَفقدُ شبابَ حارتنا إثر إعتقالاتٍ بطريقةٍ همجيةٍ موحشة فى مُنتصفِ الليلِ كمحاولة من العدو للرد على العمليات البطولية ، والحقيقةُ أن تِلكَ الغصةُ لم أولد بها فقط بل وُلد بها شعبٌ بأكمله.

عِشنا أيامًا مريرة ونحن ننتظرُ السماح لنا بزيارةِ أبى ، فمرةً نزورهُ وعشراتٍ نُمنع ، مَا أصعب أن تحجبك ورقةً لَا تُساوى جناحَ بعوضة عن رؤيةِ أباك .
كَم هو صعبٌ على المرء أن يرى أباهُ خلفَ الأسلاكِ مُكبلًا ، يَحيا بينَ تعذيبٍ وترهيب ، تُقيدُ جسدهِ قيودًا لَا يُمكنها أن تُقيد روحه أبدًا ، تُرى ماهى التهمة التى نُسبت إليه ؟، إنها حُبُ الله والوطن والدين والدفاع عن مسرى النبى صل الله عليه وسلم والمُجاهدة فى سبيل الله ، فَما أعظمها مِن تهمة !

لَست أنا فقط مَن يحيا بِتلكَ الظروف فَشعبى كله على تِلك الشاكلة مِن الحياة ، وَرغم ما نُعانيه إلا أن الصبر باقٍ فينا والغلبةُ لِصاحب الحق .
أيقنا جميعًا أن النصر لَا يتحقق إلا بوحدتنا رجالًا ونساءً ،صِغارًا وكبارًا ، تَحتَ رايةِ لا إله إلا الله وعلى نهجِ رسول الله صل الله عليه وسلم ، النصر لا يتحقق إلا بوحدتنا نحن الفلسطينيون ، ولم تقتصر كلمة الفلسطينيون على من وُلدوا بأرضِ فلسطين وحملوا هويتها ، بل تشمل كل من أحب فلسطين وعشق ثراها وتمنى لو إفتداها بنفسه ، ففلسطين أكبر من أن تنحصر هويتها على من ولدوا وعاشوا عليها ، فلسطين هويةُ كل مُسلمٍ عاشقٌ لِشهادةِ وغيورٌ على دينه.

الآراء الواردة في التدوينة تعبر فقط عن رأي صاحبها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر “العدسة

عن الكاتب

آية حسين
رَوحٌ تَحيَا بِصوتِ صَرِيرِ قلمهَا وَهُو يُحدثُ دفترِهَا عمّا يجُولُ بِخاطرِهَا

يوجد تعليق واحد

  1. Aya hamdy الجمعة، 6 أبريل، 2018 at 11:42 م - Reply

    بسم الله ماشاء الله عليكى خدتينى فى رحلة لفلسطين الخالدة رغم انف الصهاينة جميلة جداااااا يا ايووووووش

اترك تعليق