Loading

الجامعةُ حلمٌ صعبٌ للفقراءِ!

بواسطة: | 2018-04-06T20:21:05+00:00 الجمعة - 6 أبريل 2018 - 8:14 م|
تغيير حجم الخط ع ع ع

كنا ذات مرة في حصة الرسم، وطلبت منا المعلمة أن يعبر كل منا عما يحب أن يكون في المستقبل كنوع من التشجيع، واستحضار الصورة المستقبلية والحث على السعي، فأجادت هي حيث رسمت تلك الطبيبة ذات الرداء الأبيض وبأذنيها سماعة الفحص، وأبدعت في تجسيد مهندس يرتدي ما يشبه نصف بطيخة صفراء على رأسه ماسكًا لوحة تحمل من اللغة ما لا يقدر على فهمه إلا هو، وذلك قبل أن تخطو قدمي الجامعة المصرية، ومنذ أن كانت مخيلتنا أنا وهي تهيأ لنا أن مجرد الالتحاق بما رسمناه سويًا حلم عسير صعب المنال.

أما بعد: التحقنا بالجامعة ونال كل منا مراده مما أحب وأجاد برسمه في الماضي، فوجدتُ ووجدتَ من الشقاء ما لم يكن له سابقة تمهيد! نعم يا صديقي سأنفرد وحدي على أن أسرد لك ما رأيت في الجامعة المصرية.

الجامعة حلم صعب للفقراء! كيف وقد رأيت أستاذًا غير جديرٍ بتدريس المادة العلمية، وأستاذًا يسعد بتقرب الطلاب واستجدائهم له، وأستاذًا آخر يفرغ من المقرر علي النهج الأتي؛ فترة الدراسة والكم، وبقسمة الكم على فترة الدراسة قسمة مباشرة كبائع يفرغ بضاعته وبعد أن ينتهي من سرد المقرر يعطيك ما سماه الجامعيون «كبسولة الامتحان» كي تجتازه فيثبت زيفًا أنه أجاد في تفهمك ومنهجيته في تدريس المادة العلمية، ونوعًا آخر وهو المازح المسرحي الأشبه بالبهلواني، يظل جالسًا أثناء سرده، ويقف ليضحكك وعندما تسأله في شيء ما يجيبك بوجهه البشوش «هو مين بيفهم هاهاهاها»، وهنا أستثني من كل هذا أستاذ الرياضيات الذي اختار تخصصه بمحض إرادته؛ مما جعله الوحيد من بينهم المتمكن من مسئوليته في إدراك الطلبة من أمامه.

دعني أقول لك: إن الجامعة تعني إذن أستاذًا فعليًا، فإذا ما وُجِد، حتمًا فإنها فرخ ورق يحمل تصريحًا بالزواج والوظيفة.

كنت قد قرأت مقالاً نشر في مدونات الجزيرة لأخي «عبد الوهاب محمد عثمان» بعنوان «الجامعات لا تستحق العناء»، ومنذ مقاله هذا أخذت أقرأ مقالاته المتعقلة بهذا الشأن، ولكن في بلده الصومال، وجدت ربطًا شديدًا بين ما ترتديه منظومتا التعليم العالي المصرية والصومالية من فساد وأتم سترتها كل طالب علم.
وعلى الجانب الآخر في الجامعات المصرية هناك أعضاء الهيئة المعاونة، وهم ما يعرفون عند البعض بالمعيدين أو مساعدي الأساتذة، فمنهم من يبذل قصارى جهده فيجعلك موقنًا بأن ذلك العلم الذي يدرس ما هو إلا نتاج أشخاص لم يلتحقوا بالجامعات أساسًا، فهنا تسمع عن ورثة الأنبياء كما لو كنت تسمع عن ملائكة الرحمة بالمستشفيات.

ظللت ذات مرة وأنا عائد في طريقي من الجامعة أتساءل؟! كيف لهذا أن يكون مساعدًا لأستاذ لا يعرف من المادة العلمية سوى الحصول على المرجع الخارجي والسرد فقط، حقًا أجاد ذلك المبجل في كيفية الربط بين العلم الأكاديمي والجانب العملي تمام الربط، أظنك تتعجب وتقول في نفسك «أليس هذا ما ينبغي أن يحدث في الجامعات؟!»، وإجابتي لك هي بلى، ولكن ما كاد أن يحدث في كلية ككلية الهندسة، مما يجعلك حينما تتخرج مجبرًا على النهل من بحر الدورات أو ما تسمى بالكورسات العلمية، مما يستنزف سيناريو آخر للوقت والجهد والمال، وبالرغم من أن كل هذا قد كان مقررًا عليك دراسته، ولكن نظرًا لما ذكرناه مسبقًا من ذلك النوع من الأساتذة الذي كاد يفرغ من بيعته على مر الأسابيع، وليأتِ غيره فيسير على نهجه، فكان اللجوء لتلك الدورات.

أما عن الجانب الآخر من أعضاء الهيئة المعاونة فأصبح هكذا فضلاً من الله وعطفه واجتهاده الشخصي. ذات مرة التقيت بصديقتي التي ذهبت لكلية الطب فدار بيننا حديثًا وإذا بها تسألني: «مين الدكتور المعظم اللي أجاد في إنه يوصلك المعلومة دي؟!» قلت لها: «لأ، ده البشمهندس اللي بيأدي دور الهيئة المعاونة»، فقالت لي في عجبة: «والبشمهندس ده مين كان بيوصلهاله قبل مايوصلهالك؟»، فقلت لها بسذاجة شديدة: «لأ، ده بشمهندس تاني كان بيأدي نفس دور الهيئة المعاونة على شوية اجتهاد شخصي منه جعله في مكانة سابقيه، وتستمر الفلوكة».

وهنا ما يستدعيني أن أرد على أخي «عبد الوهاب»، حينما ذكر وقال: «هناك سببان لا ثالث لهما في ارتياد الشباب للجامعات؛ الأول من أجل شهادة تؤهلهم للعمل، والثاني من أجل العلم»، فهنا، وفي رأيي، إسقاط السبب الأول عند الجميع؛ فاليوم قد رفض الشباب أن يكون ضحية لتلك المنظومة، فصار إحياءً للسبب الأول؛ أي من أجل شهادة تؤهلهم للعمل، ومن ثم تحصيل المال، مما يستنزفنا أن نطمع في الثراء، فلم يتبقَ إلا أن نذكر فلسفة ابن عوف «دُلني على السوق»، فالجامعة المصرية كما ذكرت لا تلبي رغبات طالب العلم وإن كان بمقدورها.

منذ أيام قليلة كنت أستقل مترو الحبيبة أنا وصديقي نستحضر من مرحلة التعليم الأساسي ومنهجيته في وضع أسس المناهج، وأقول له: ماذا إن كان هناك لجنة من قبل المجلس الأعلى للجامعات لوضع المناهج بالتعليم العالي، حيث هناك من الأساتذة من يسير حال مهنته بأبسط مرجع أوروبي كان، ذلك دون أن يستنبط منه منهجه أو ما يستوجب مجال الطالب ويستلهم منه إن قدر على ذلك، وذلك على أن يُختبَر الأستاذ الجامعي ليبقى من هو الأكفأ بالمهنة، مع مراعاة وجوب التجديد في المناهج مع التطور العصري، وإلا فعلى الجامعات أن توقف الإنتاج للانخفاض القادم في السوق المحلي، وعلى وزارة التجارة أن تنظر إلى الأمر بجدية.

الآراء الواردة في التدوينة تعبر فقط عن رأي صاحبها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر “العدسة

عن الكاتب

حسام رمضان
تعريف مطول - طالب بالهندسة المدنية، وكاتب معاصر يهتم بسلوكيات شباب جيله -شباب الألفية الثالثة، باحث ومهتم بالشأن الأكاديمي ومنهجية وطرق التدريس عند المدارس النظامية والجامعات

اترك تعليق