Loading

“جنينة” ليس الأخير.. المحاكمات العسكرية سلاح “السيسي” في مواجهة خصومه

بواسطة: | 2018-04-14T12:27:55+00:00 السبت - 14 أبريل 2018 - 12:27 م|الأوسمة: , , , , |
تغيير حجم الخط ع ع ع

العدسة – معتز أشرف:

في سياق تصعيده المستمر منذ حصوله على الولاية الثانية وسط اتهامات بعدم المشروعية السياسية والنزاهة، أحالت
أذرع الديكتاتور المصري عبد الفتاح السيسي المستشار هشام جنينة الرئيس السابق للجهاز المركزي للمحاسبات في مصر إلى محاكمة عسكرية علي خلفية حوار صحفي أعلن فيه بعض آرائه، وهي نفس الآلية التي اتخذها السيسي ضد خصومه منذ إصداره مرسومًا في غياب البرلمان في 2014 بتحويل المدنيين إلى المحاكمات العسكرية، وهوما نرصده.

تعسف جديد!

في إجراء تعسفي جديد بحقه قررت النيابة العسكرية في مصر إحالة المستشار هشام جنينة، الرئيس السابق للجهاز المركزي للمحاسبات، إلى المحاكمة العسكرية، علي خلفية تصريحات أدلى بها جنينة لموقع “هافنغتون بوست” النسخة العربية، التي قال فيها إنَّ رئيس الأركان السابق للجيش سامي عنان يملك وثائق سرية بالخارج تدين المجلس العسكري، الذي كان يدير شؤون البلاد عقب تنحي الرئيس السابق حسني مبارك، والتي اعتبرتها النيابة إذاعة أخبار وبيانات كاذبة من شأنها تكدير الأمن العام، وإلقاء الرعب بين الناس، وإلحاق الضرر بالمصلحة العامة في سياق الاتهامات المكررة التي وُجّهت للآلاف من المصريين الذين يقفون أمام المحاكم العسكرية بعد أزمة يوليو 2013 التي أطاح فيه الجنرال عبد الفتاح السيسي برئيسه الدكتور محمد مرسي ليصل للحكم بعدها لسدة القرار ويلاحق أنصار مرسي ورافضي إجراءته.
وبرغم إحالة العديد من قيادات المستوي الأول في جماعة الإخوان المسلمين للمحاكم العسكرية في العديد من القضايا إلا أن إحالة جنينة يعتبرها كثيرون تصعيدًا جديدًا، وقالت منظمة العفو الدولية: “إنَّ استمرار الاحتجاز التعسفي وإحالة المستشار هشام جنينة إلى محكمة عسكرية يمثلان إهدارًا تامًا لحقه في حرية التعبير والمحاكمة العادلة”.

ملاحقة ممنهجة!

خضع قانون القضاء العسكري للتعديلات 15 مرة، طبقًا لتقرير حقوقي حديث، وكانت بعض تلك التعديلات في 2007، وخضع للتعديل في 2010، ومرتين في 2011، ومرة في 2012، وآخر مرة في 2014، وفي عهد حسني مبارك، الرئيس الذي حكم لعهد طويل وعُزل في 2011، سمح له قانون الطوارئ بإحالة المدنيين للقضاء العسكري مباشرة. بين 1992 و1998، حاكمت المحاكم العسكرية أكثر من 1000 مدني في محاكمات جماعية، أغلبهم زُعم أنهم أعضاء في “الجهاد” أو “الجماعة الإسلامية”، فضلًا عن قيادات جماعة الاخوان المسلمين البارزة وفي 27 أكتوبر2014.
ولجأ الجنرال المصري عبد الفتاح السيسي بعد 3 أيام من هجوم شنه مسلحون متطرفون في سيناء وأودى بحياة عشرات الجنود، إلى إصدار مرسوم في غياب البرلمان، “القانون 136 لعام 2014 بشأن تأمين وحماية المنشآت العامة والحيوية، ويضع القانون جميع المنشآت العامة تقريبًا تحت سلطة القضاء العسكري لمدة عامين، وفي 11 نوفمبر 2014، أصدر النائب العام السابق هشام بركات مذكرة للنيابات العامة توجه بمراجعة ملفات القضايا التي قد تدخل تحت نطاق القانون الجديد، وتحضير مذكرات بشأنها وإحالتها للنيابات العسكرية “متى طلبت ذلك، وتؤشر موجة الملاحقات القضائية العسكرية للمدنيين بحسب مراقبين منذ أكتوبر 2014 بالعودة إلى الممارسة التي استخدمتها السلطات على نطاق واسع بعد الثورة عام 2011.

بين 28 يناير و29 أغسطس 2011، واجه 11879 مدنيًا محاكمات عسكرية، وأدين 8071 مدنيًا على الأقل، بحسب تقديرات “المجلس الأعلى للقوات المسلحة” الذي حكم مصر أثناء أغلب تلك الفترة،ففي 5 سبتمبر 2011 بمؤتمر صحفي قال اللواء عادل المرسي، رئيس هيئة القضاء العسكري: إنَّ في الفترة من 28 يناير وحتى 29 أغسطس من نفس العام حاكمت المحاكم العسكرية 11879 مدنيًا، أدانت 8071 شخصًا، بينهم 1836 أنزلت بهم أحكامًا مع إيقاف التنفيذ، وأثناء عهد د.محمد مرسي الذي دام عاما، بدءًا من يونيو 2012، توقفت المحاكمات العسكرية للمدنيين بشكل شبه كامل.
وبحلول عام 2015 رصدت مجموعة «لا للمحاكمات العسكرية»، ارتفاعًا في أعداد المحاكمين عسكريًا ليصل إلى 3 آلاف حالة، منهم 300 من الطلاب بينهم 22 فتاة في 5 شهور فقط، أما التنسيقية المصرية للحقوق والحريات في تقريرها السنوي عن2016، فرصدت 10.069 مواطنًا مدنيًا تمت إحالتهم للمحاكمة العسكرية، بينهم 30 فتاة، و97 طفلاً أقل من 18 عاماً، وخلال 2016 فقط رصد تقرير «الحصار» الصادر عن التنسيقية أحكام عسكرية ضد 673 مسجونًا في 161 قضية صدرت أحكام في 60 منهم بالإعدام والباقي أحكام بالسجن 3 سنوات إلى المؤبد، كما شهدت الفترة التي تلت 30 يونيو ظهور أحكام الإعدام في القضايا العسكرية منذ ثورة 25 يناير 2011، ومن أبرز المحالين للمحاكمات العسكرية مؤخرًا غير قيادات الإخوان، الكاتب الصحفي المحسوب على جماعات اليسار في مصر إسماعيل الإسكندراني.

وبحسب منظمة هيومان رايتس ووتش في تقريرها عن المحاكمات العسكرية في 2016، فإن 420 مدنيًا مصريًا على الأقل قد حوكموا في محاكم عسكرية منذ أكتوبر 2014، حين أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قانونًا مؤثرًا وسّع اختصاص المحاكم العسكرية، كما استعانت إدارة السيسي بنظام القضاء العسكري لتسريع قمع الخصوم السياسيين، وحُكم على معظم المدعى عليهم بعد محاكمات جماعية خرقت حقوقا أساسية في إجراءات التقاضي السليمة، كما اعتمدت بعض المحاكم على اعترافات انتُزعت تحت التعذيب، حسب قول أقاربهم، كما أحيل آلاف المدنيين بأثر رجعي إلى محاكمات عسكرية على جرائم يُزعم ارتكابها قبل أن يفرض السيسي القانون.
وقال نديم حوري، نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا: “على ما يبدو لم يكتفِ السيسي بعشرات الآلاف ممن اعتُقلوا وحوكموا بالفعل في محاكمات عاجلة تتجاهل سلامة الإجراءات القانونية باسم الأمن القومي، فأطلق العنان بالكامل للملاحقات القضائية العسكرية. أعاد السيسي للقضاء العسكري الدور القوي الذي تمتع به في الشهور التي تلت الانتفاضة المصرية، حين كانت مصر تخضع لحُكم مجلس الجنرالات، وإحالة هذا العدد الكبير من المدنيين لمحاكم عسكرية هو محاولة من السلطات المصرية لدمغ قمعها بختم قضائي”.

انتهاكات صارخة

وفي دراسة تحليلية لخمسين قضية عسكرية صدرت فيها أحكام باتّة أكدت منظمة كوميتي فور جستس في تقريرها في أبريل 2017، أنّ السلطات المتعاقبة عملت على تقنين المحاكمات العسكرية للمدنيين في مصر بعد ثورة 25 يناير 2011 م، وتحويلها لجزء أصيل من منظومة العدالة، وذلك بدلًا من كونها استثناءً عليها قبل الثورة ورغم المطالبات آنذاك بإلغائها، وهو الضغط الذي استمرّ بأشكال مختلفة من منظمات المجتمع المدني والحقوقيين والنشطاء بأساليب متنوعة لوقف محاكمة المدنيين أمام محاكم عسكرية.
وُيبين التقرير من خلال اعتماده على دراسة خمسين قضية استنفدت كافة إجراءات التقاضي وأصبحت أحكامها باتّة وواجبة النفاذ تمت بسببها إحالة 485 مدني في الفترة الممتدة بين 30 يونيو 2013 حتى نهاية ديسمبر 2016 إلى المحاكم العسكرية وكيف تم التعدّي عليهم وحرمانهم تعسفيا من حريتهم نتيجة ممارسة عدد من الانتهاكات القانونية والتشريعية وإهدار للحق في المحاكمة العادلة، موضحًا أنّ تلك المحاكمات التي تمت لهذه القضايا افتقدت إلى المعايير الأساسية للمحاكمة العادلة، الأمر الذي ينسف تلك المحاكمات من أساسها ويبعدها تمامًا عن أطر العدالة إلى أطر القمع والانتهاك، وساهم في ذلك بشكل كبير عدم استقلال القضاء العسكري عن هرم القيادة، وتبعيته للسلطات القيادية داخل الجيش، كما أظهر التقرير من خلال دراسته لملفات القضايا الخمسين أن التشريعات المقننة لمحاكمة المدنيين عسكريًا قد تم تحصينها من أي محاولة للعمل على الطعن عليها أمام المحكمة الدستورية العليا من قبل هيئات الدفاع عن المتهمين أمام القضاء العسكري؛ حيث تم رفض المئات من الطلبات للقيام بإحالة القوانين المنظمة للمحاكمات العسكرية للمدنيين إلى المحكمة الدستورية العليا لتبيان حقيقة انتهاكها المعايير القانونية والدستورية، وكذلك عدم اتساقها مع المعايير الدولية القانونية الخاصة بالمحاكمات العادلة.


اترك تعليق