Loading

ارتفاع معدلات انتحار المراهقين عالميا.. تعرف على الأسباب

تغيير حجم الخط ع ع ع

ربى الطاهر

حالة من الطوارئ تفرضها بعض الظروف الاجتماعية التي يتعرض لها المراهقون في اليابان، فعلى الرغم من أن النظام التعليمى في هذه الدولة من أكثر الأنظمة تنافسية وصرامة في العالم، إلا أن التوقيت السنوي لبدايات العام الدراسي الجديد يخلق حالة من التوتر والقلق الشديد في كافة أنحاء البلاد؛ إذ إنه يرتبط غالبًا بموجة من حالات الانتحار بين المراهقين.

وربما يعد شهر سبتمبر من أكثر الشهور التي تواجه فيها السلطات اليابانية تحديًا كبيرًا للحيلولة دون وقوع أكبر نسبة انتحار بين المراهقين مقارنة بباقي شهور السنة، حيث يعتبر موعد بداية العام الدراسي الجديد هو موسم الانتحار السنوى فيما بينهم.

ورغم اتخاذ السلطات كافة التدابير الوقائية لمواجهة حالات الانتحار، فإن يوم 1 سبتمبر هو اليوم المحدد لانتحار أكبر عدد من الأطفال الذين لا تتجاوز أعمارهم الثامنة عشر، حتى أطلق عليه “يوم انتحار المراهق في اليابان”، وتؤكد الإحصائيات أنه قد تم انتحار 18 ألف طفل في اليابان، خلال الفترة ما بين عامي 1972 و 2013 بالإضافة إلى اختيار ما يقارب 131 طفلًا لهذا اليوم لكي ينفذوا خططهم بالانتحار.

إلا أن الأمر لا يقتصر على اليابان فقط، فقد أصدرت منظمة الصحة العالمية تقريرًا يفيد بأن أكثر الفئات العمرية التي تقبل على الانتحار هي الفئة ما بين 15 و 29 عامًا على مستوى بلدان العالم، حتى مع تراجع معدلات الانتحار عالميًّا خلال السنوات الماضية، ولكن بعض البلدان، ومنها اليابان، يتصدر الانتحار فيها أعلى قائمة أسباب الوفاة.

كما شهدت الهند كذلك ما يقرب من 133 ألف حالة انتحار في البلاد عام 2015، وبينت الإحصائيات أن 40%على الأقل من إجمالي عدد المنتحرين في الفئة العمرية التي تتراوح ما بين 10 و 30 عامًا، وهو ما أكده التقرير السنوي الخاص بإحصائيات أرقام الجرائم التي تنشره الحكومة الهندية كجزء من الإحصائيات التي تعدها.

وفيما أعدته منظمة الصحة العالمية من دراسة خاصة بمعدلات الانتحار بين المرحلة العمرية التي تتراوح بين 15 و 29 عامًا، أنبأت عن تجاوزها الـ 35 لكل 100 ألف شخص، وذلك في عام 2012، وهو نفس الوقت التي وصلت فيه المعدلات الوطنية إلى 21 لكل 100 الف شخص.

وعلى مستوى بلد مثل البرازيل، فإن حالات الانتحار قد سجلت زيادة تجاوزت الـ65% بين المرحلة العمرية التي تتراوح ما بين 10 إلى 14 عامًا، وذلك في الفترة ما بين عامي 2000 و 2015.

وأوضح التقرير الصادر عن مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها، الذي أعدته عام 2017 في الولايات المتحدة، أن معدلات الانتحار بها في المرحلة العمرية التي تتراوح ما بين 15 إلى 19 عامًا سجلت زيادة مطردة ما بين 2007 إلى 2015.

أما المملكة المتحدة، فإن الإحصائيات تشير إلى أن هناك أربعة أشخاص دون سن 35 عامًا ينتحرون يوميًّا في المتوسط.

وتبين تقارير منظمة الصحة العالمية أن أكثر من 800 ألف شخص ينتحرون سنويًّا، وأن ما يزيد عن 78% من هذه النسبة تقع في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل.

ورغم هذا، فإن الدول الغنية أيضًا تعاني من زيادة معدلات حالات الانتحار لديها بما في ذلك تلك الحالات التي تشمل صغار السن.

اضطرابات متعددة

وقد دفعت هذه الأعداد، خاصة فيما بين المراهقين وصغار السن، المتخصصين للبحث عن الأسباب التي تدفع أمثالهم إلى الإقدام على الانتحار، وقد كشفت هذه الأبحاث عن العديد من الأسباب المختلفة فيما بين الدول.

فقد تم إرجاع الأسباب في الدول ذات المستويات المعيشية المرتفعة إلى وجود علاقة ما بين الانتحار وما بين الإصابة باختلالات عقلية.

ولكن هناك بعض الضغوط التي قد يواجهها الكثيرون قد تلعب دورًا كبيرًا في اندفاع البعض إلى الانتحار، مثل الأمراض والاضطرابات المالية، والعلاقات العاطفية، بالإضافة إلى بعض المشكلات الثقافية.

كما قد يلعب نظام التعليم التنافسي دورًا هامًّا في إقدام المراهقين على الانتحار، مثلما هو الحال في كوريا الجنوبية، فهي قد تسجل أعلى المعدلات بين الدول الأكثر تقدمًا، حيث تسجل 32 حالة لكل 100 ألف شخص، والذي يعتبر معدلًا أعلى بثلاث مرات إذا ما قورن بالمتوسط العالمي، ويعتبر الانتحار هو السبب الأول للوفاة بين المواطنين في المرحلة العمرية فيما بين 10 إلى 30 عامًا في كوريا الجنوبية.

بينما أرجع المختصون أسباب الانتحار في نيوزيلندا – والتي تحتل المرتبة الأولى في معدلات الانتحار بين المراهقين والمراهقات ما بين 15 إلى 19 عامًا، أي ما يعادل 15.6%، وهي تمثل ضعف النسبة في الولايات المتحدة، وخمسة أضعاف النسبة في بريطانيا- إلى أسباب ومشاكل تتعلق بالشباب، فهي تتصل بعوامل بيولوجية لا علاقة لها بأية أسباب اجتماعية، فهل ترتبط بشكل مباشر ببعض العوامل التي تتعلق بنمو المخ لدى المراهقين، وقد أشار المتخصصون بالأمراض العصبية إلى أن الظواهر تؤكد أن المخ ينمو بطريقة غير متوازنة، منوهين إلى أن هذا التفاوت قد لا يتوقف قبل سن 25 عامًا.

وقد قال أحد المتخصصين المهتمين بدراسة هذا الأمر، وهو الطبيب تيموثي وايلينس، طبيب الأطفال النفسي بمستشفى ماساتشوستس العام، في أحد الأبحاث التي قامت بنشرها دورية الأكاديمية الأمريكية لطب النفس للأطفال والمراهقين، أن هذا الاختلال في نمو المخ يعرض المراهق للعديد من المخاطر والمشكلات العقلية، وكذلك الإدمان، والذي قد يؤدي بدوره إلى الاكتئاب، وكل هذه العوامل ذات صلة مباشرة بالإقدام على الانتحار، بالإضافة إلى أن بحوثًا أخرى قد أثبتت أن غالبية الأطفال بسن الثامنة فما فوق لديهم المقدرة والإدراك على فهم معنى الانتحار.

كما خلصت إحدى الدراسات التي ساهم فيها عالم النفس الأمريكي جون توينج، وقد نشرتها دورية علم النفس السريري حديثًا، إلى أن المراهقين الذين ولدوا فيما بعد عام 1995 معرضون بنسبة أعلى من غيرهم لمشاكل الصحة العقلية، وهي من أصعب المشاكل التي يمكن التصدى لها، بالإضافة إلى أن الزيادة في معدلات الانتحار غالبًا ما تنتج عن الزيادة في معدلات الاكتئاب، وخاصة بين المراهقين، بغض النظر عن خلفياتهم المختلفة، سواء كانوا متميزين أو غير ذلك، وعلى اختلاف الأعراق كذلك، إضافة إلى انتشار هذه الظاهرة في مختلف أنحاء الولايات المتحدة.

الحد من الانتحار

وفي توجيهات توصي بها منظمة الصحة العالمية، أن محاولات اتقاء الانتحار تحتاج إلى تضافر الجهود من جميع القطاعات المختلفة داخل المجتمع، حيث لا يمكن اتباع اتجاه واحد لحل هذه المعضلة، فهناك بعض الإجراءات التي لابد من اتباعها، وربما تكون جهودًا غير مباشرة، مثل الدخول إلى بعض المواقع التي قد يحدث فيها حوادث الانتحار، كالجسور ومحطات القطارات، أو فرض سياسات للحد من الاستخدام المضر للكحول.

وتشير المنظمة إلى أن ما يقرب من نصف سكان العالم لا تتوفر لديهم خدمات الصحة النفسية؛ إذ إن بعض الدول لا يوجد بها إلا طبيب نفسي واحد لخدمة 100 ألف شخص تقريبًا، بالإضافة إلى أن معظم الدول الأعضاء في منظمة الصحة العالمية لا تملك برنامجًا وطنيًّا لمكافحة الانتحار، وفي نفس الوقت لا تتوفر الاستثمارات الموجهة لخدمة التعامل مع قضايا الصحة العقلية.

وكانت مدينة ساوباولو في البرازيل، قد تعرضت خلال الشهر الماضي لوقوع العديد من حالات الانتحار في المدارس الخاصة، منهم ثلاث حالات خلال أسبوع واحد، قد أثارت القلق بشأن هذه القضية بإرجاء البلاد، وذكر خبير بالصحة النفسية في جامعة يونيكامب البرازيلية نيوري بوتيجا، أن ما يعانيه الشباب في هذه المرحلة الزمنية من الضغوط الأسرية والاجتماعية أعلى مما كان عليه سابقًا، وهو ما يزيد الأمر سوءًا، هذا بجانب ما تختص به مرحلة المراهقة من سمات الاضطراب والتوتر التي قد تدفع بهؤلاء الشباب إلى الإقدام على الانتحار.

 


اترك تعليق