Loading

الأزهر يتصدى لوقاحة المطالبة بتجميد آيات من القرآن

بواسطة: | 2018-05-03T14:41:51+00:00 الخميس - 3 مايو 2018 - 2:41 م|الأوسمة: , , , , , |
تغيير حجم الخط ع ع ع

ربى الطاهر

عاصفة من ردود الأفعال الغاضبة لعموم المسلمين وخاصة رجال الأزهر أثيرت مؤخرًا بعد نشر وثيقة فرنسية تطالب بتجميد آيات من القرآن الكريم، والتي تدعو- على حدِّ زعمهم- إلى قتال اليهود والنصارى، وكان صاحب هذه الدعوة “فيليب فال” المدير السابق لمجلة “شارلي إيبدو” الفرنسية، بعد أن نشر مقالًا في صحيفة “لوباريزيان”، تحت عنوان “ضد معاداة السامية الجديدة” عن “التطرف الإسلامي”، يدعو فيه إلى فكرة حذف آيات قرآنية بدعوى محاربة معاداة السامية.

وأكد “فال” أنه استطاع الحصول على تأييدٍ من 300 شخصية فرنسية عامة ذات ثقل، كان من بينهم الرئيس السابق نيكولاس ساركوزي، ورئيس الوزراء السابق إيمانيول فالس، والمُغني المعروف شارل أزنافور، وبيرنار هنريب ليفي، وهو أكاديمي وإعلامي يهودي فرنسي، والممثل جيرار ديبارديو.

وأثارت الوثيقة جدلًا واسعًا، بشأن هذا الجدال الذي لا ينقطع عن الإسلام والمسلمين في فرنسا، ويعكس تلك الأفكار حول ما يعتقدونه في “تطهير عرقي صامت” ضد اليهود من قبل الإسلاميين.

وكانت الدوافع التي انطلق منها هؤلاء المؤيدون لما جاء بهذه الوثيقة، هو ذلك التهديد الذي أصبح اليهود الفرنسيون يعيشون رهينة له، بسبب صمت السلطات الفرنسية، والتي تبرر موقفها هذا بأن تلك الأحداث الإرهابية التي تقع بسبب التطرف الإسلامي إنما هي مجرد ظاهرة اجتماعية، خاصة وأن فرنسا كانت ثاني أكثر دولة أوروبية تعرضت لهجمات إرهابية في العام 2016، وفقًا لما ذكره موقع Statista المتخصص في الإحصائيات، والذي أشار إلى تعرض فرنسا لـ 23 عملية في هذا العام، في حين شهدت المملكة المتحدة 76 عملية في نفس العام، وهي بذلك تأتي في الترتيب الذي يليها، بالإضافة إلى تعرضها لأسوأ الأحداث الإرهابية في 2017، وكذلك لم تمر الأشهر التي مضت من عام 2018 دون وقوع العديد من الحوادث المتفرقة.

يضاف إلى ذلك بعض الاعتبارات الخاصة بالحسابات الانتخابية، حيث إن فرنسا تضم أكبر الجاليات المسلمة في أوروبا، والتي يصل عددها إلى ما يزيد عن 5 مليون مسلم، من أصل 67 مليون نسمة، وبحسبة بسيطة فإن هذه الأصوات تتخطى أصوات الجالية اليهودية في فرنسا.

وتتزامن هذه الوثيقة مع تصاعد بعض المطالبات الأوروبية بتضييق الخناق على تلك الأموال الموجهة للمساجد والمنظمات غير الحكومية، والتي يتحسب من استخدامها لتمويل عمليات إرهابية.

وربما ما جعلهم يعتقدون في تحقيق مطالبهم غير المقبولة تلك، هو ما سبق من موافقة الفاتيكان بإلغاء نصوص من الكتاب المقدس كانت غير متناسقة ومعادية للسامية، معتبرين أنه لا يمكن لأي مؤمن الاعتماد على نص ديني مقدس يحرض على ارتكاب الجريمة، بحسب أقوالهم.

إرهاب علماني

إلا أن انتشار هذا الخبر بين المسلمين في فرنسا، ومن ثم خارجها قد دفع الجميع إلى الوقوف أمام هذا الإرهاب العلماني -على حد وصف إمام المسجد الكبير في باريس ورئيس المرصد الفرنسي ضد “الإسلاموفوبيا”، عبدالله ذكري- الذي قال أن التطرف والإرهاب يأتي من مدعي التدين ومدعي العلمانية على حد سواء، وبنفس القدر، فكلاهما يريد أن يفرض وجهة نظره بالعنف والقوة دون أدنى وجه حق، ووصف هذه الدعوة “بالهذيان”.

وأصدر مرصد “الإسلاموفوبيا”، التابع لدار الإفتاء المصرية، بيانًا ضد ما اعتبره دعوات عنصرية، أورد فيه أن هذه المطالبات قد تحفز على الهجوم والاستعداء على المسلمين في الدولة الفرنسية، وقد تسبب في خلق حالة من الصراع بين المواطنين المختلفين في العقائد.

مؤكدًا أن مثل هذه المطالبات هي ما يغذي ظاهرة “الإسلاموفوبيا” من جانب، ومن جانب آخر تقوي الشعور بالتهميش والعنصرية من قبل الأقليات المسلمة، بالإضافة لكونها منبعًا لنشأة تلك الظواهر السلبية من التطرف والإرهاب.

وطلب “ذكري” من صاحب فكرة الوثيقة والموقعين عليه كذلك، مراجعه موقفهم الذي يعد محاكمة غير عادلة للإسلام وللمسلمين، وفيه الكثير من التجني عليهما.

تأويلات مغلوطة

بينما اتهم طارق أوبرو، إمام المسجد الكبير في بوردو، مصدر البيان والموقعين عليه بضعف الثقافة الدينية، فالنص القرآني مكتوب باللغة العربية، وقراءته وترجمته أو تفسيره بلغة أخرى قد يشوبها الكثير من المغالطات، فالإسلام بريء مما ينسبوه إليه، وبشكل عام، فإن أي نص مقدس به العديد من النصوص التي تحتوى على ما يفهمونه عنفًا بما في ذلك الإنجيل.

في حين رد الدكتور عباس شومان، وكيل الأزهر، على ما ورد بصفحته الشخصية على موقع “فيسبوك”، قائلًا: “لا لتجميد حرف من القرآن، فليفهم هؤلاء كتاب الله فهمًا صحيحًا، أما إذا اعتمدوا على فهمهم المغلوط، فليذهبوا بفهمهم ومطالبتهم إلى الجحيم”، وأضاف أن هذه “المطالبة بتجميد آيات من القرآن الكريم، بدعوى أنها “تحرض على قتل غير المسلمين، غير مبررة وغير مقبولة، وهى والعدم سواء، وتدل على جهل مطبق لديهم -على أفضل تقدير- فليس لدينا آيات تأمر بقتل أحد من دون ارتكاب جريمة من الجرائم الموجبة لقتل الفاعل؛ كقتل الغير عمدًا، أو رفع السلاح لقتالنا”.

وتابع “شومان”: “ولسنا مسؤولين عن عدم فهم الآخرين لمعاني الآيات وأخذهم بظاهرها دون الرجوع إلى تفاسير العلماء لها، فما ظنه هؤلاء آيات تنادي بقتلهم، هي آيات سلام في حقيقتها، فآيات القتال كلها واردة في إطار رد العدوان إذا وقع علينا، وليس إيقاعه على الغير، وهذا مبدأ لا خلاف حوله حتى بين المطالبين بتجميد هذه الآيات، فكل الأديان، وحتى التشريعات الوضعية، تقر حق الدفاع عن النفس والوطن والعرض وغيرها من صور الاعتداء”.

وفي بيان أصدره “مرصد الأزهر” جاء فيه: “إن المرصد إذ يعرب عن أسفه لهذه النداءات، يؤكد على قدسية القرآن التي لا يمكن المساس بها، ولا يمكن للمسلمين القبول بتجميد بعض آياته التي أنزلت من لدن حكيم حميد، فاعتبار القرآن مصدرًا للعنف لا يقوم على سند صحيح، فهناك فارق شاسع بين المعنى الظاهر لآية وتأويلها، وهذه القاعدة يعلمها كل الفقهاء، فلا ينبغي الاكتفاء بظاهر آية، بل لا بد من الوقوف على مرادها، ومعرفة في أي سياق تاريخي نزلت، وأسباب نزولها ووجه العموم فيها والخصوص، أضف إلى ذلك معرفة خصائص اللغة التي نزل بها القرآن، كما ينبه المرصد على عدم اعتبار القرآن مصدرًا للعنف لمجرد أن أولت الجماعات المتطرفة بعض آياته تأويلًا خاطئًا”.

ومن جانبه، دعم الدكتور أحمد كريمة، أستاذ الفقه المقارن والشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر، هذا الموقف المناهض لهذه الوثيقة من قبل الأزهر، ومن تلك المطالبات التي سبق وأن تم إطلاقها في العام 2015، والتي قد نظر لها بعض السياسيين حينذاك على أنها دعوات عنصرية لا يقرها القانون الفرنسي.

وأضاف “كريمة”: “إن هذه الدعوة تثبت تلك الازدواجية التي يعانيها الغرب؛ ففي الوقت الذي يدعون فيه دفاعهم الدائم عن حقوق الإنسان والعقيدة، فهم الآن يسيئون إلى الإنسان والعقيدة، بل وإلى الدين وكتاب الله.

ورفض “كريمة” هذه الدعوات، مطالبًا بالتحرك من قبل الأزهر وجميع المؤسسات الدينية لمواجهة مثل هذه الدعوات الشاذة، التي تؤذي المسلمين وتسيء لهم.

ولم يقتصر التوقيع على هذه الوثيقة على الشخصيات الفرنسية التي تدين باليهودية أو المسيحية أو الملحدين فقط، وإنما قد امتد التوقيع عليها إلى بعض الشخصيات العربية والإسلامية، منهم الروائي الجزائري بوعلام صلصال، ومحمد علي قاسم، وهو مفتي جالية جزر القمر في فرنسا، والمدون الفلسطيني وليد الحسيني، بالإضافة إلى مغنين وممثلين وكتاب ومسؤولين دينيين يهود ومسلمين وكاثوليك.


اترك تعليق