Loading

تراجيديا الحياة خلف القضبان.. كيف تعيد صياغة البشر؟

بواسطة: | 2018-05-15T14:34:38+00:00 الثلاثاء - 15 مايو 2018 - 2:29 م|الأوسمة: , , |
تغيير حجم الخط ع ع ع

ربى الطاهر
تناول الكاتب العالمي المتخصص في علم النفس، كريستيان جاريت، موضوعًا هامًّا عن التغييرات التي تحدث في الشخصية عند الحياة خلف القضبان، خاصة إذا طالت مدتها واتسمت بالقسوة، بشكل قد يتسبب في إعاقة الاندماج في المجتمع فيما بعد عند الوصول إلى الحرية.
فهؤلاء السجناء الذين تفرض عليهم الحياة لسنوات دون أدنى مساحة لتحقيق بعض الخصوصية، بالإضافة لعدم اختيار الصديق أو حتى ماذا تأكل، مع سيطرة الشعور الدائم بالشك والخطر، ونادرًا ما يتواجد من يتعاطف أو يترفق بعيدًا عن كل الأهل والأصدقاء.
ووسط هذه الأجواء لا يجد السجناء بديلًا عن التكيف للتعايش مع طبيعة هذه الحياة، خاصة مع طول فترة السجن، في بلد مثل بريطانيا تقول الإحصائيات أن 43% من السجناء تتجاوز فترات سجنهم أربع سنوات.
واستنتج عدد من الباحثين بمعهد معهد علم الجريمة بجامعة كامبريدج من خلال حوارات تم اجراؤها مع مئات السجناء، أن السجن لفترات طويلة يغير شخصية السجناء إلى حد بعيد تمامًا، وقد قال أحدهم في أحد تلك الحوارات بعد قضاء فترة عقوبة امتدت لسنوات طويلة “لم أعد كما كنت تمامًا”.
وقد رسخ علماء النفس فيما مضى أفكارًا تتعلق بأن الشخصية قد تتغير إلى حد بعيد بمرحلة البلوغ، إلا أن بحثًا قد أجري مؤخرًا أثبت عكس ذلك، وتوصل إلى أن المؤثرات الخارجية التي تختلف مع مرور الوقت – وبحسب مواقعنا الاجتماعية- قد تؤثر على عاداتنا وتفكيرنا وسلوكياتنا وعواطفنا، وهو ما يؤكد أن طبيعة الحياة التي تحكمها ضوابط وقواعد مشددة داخل السجون ستؤدي بالتأكيد لتغير الشخصية بشكل كلي.
إلا أن هذه التغييرات التي ربما كانت معينًا لهؤلاء السجناء على التأقلم مع طبيعة الحياة خلف القضبان إلا أنها كانت تثير مخاوف المعنيين بسلامة السجناء وإعادة تأهيل مرتكبي الجرائم المفرج عنهم من عدم اندماجهم في المجتمع فيما بعد عندما يطلق سراحهم.
وربما ما يؤدي إلى هذه التغيرات بالشخصية هي قواعد أساسية في بيئة السجن، ومنها: انعدام الخصوصية، وسلب حريتهم في اتخاذ القرارات، والتعرض يوميًّا للوصم والخوف، والتظاهر بالقوة وجمود المشاعر، حتى لا يستشعر المحيطون بهم ضعفهم فيستغلوا ذلك، وأيضًا الالتزام بمهام يومية جامدة وصارمة مفروضة عليهم من الخارج.

متلازمة ما بعد الحبس

ويُجمِع الكثير من علماء النفس وعلماء الجريمة على أن هذا التأقلم الذي يتعرض له السجناء تدريجيًّا، سواء كان اجتماعيًّا أو ثقافيًّا، هو ما يساهم في ظهور “متلازمة ما بعد الحبس”، حيث يظهر العديد من الأعراض على هؤلاء الأفراد المفرج عنهم.
وهذا بالفعل ما أظهرته تلك المقابلات التي أجريت مع 25 سجينًا، بينهم سيدتان حكم عليهما بالسجن مدى الحياة، وكانتا قد قضتا داخل السجن 19 عامًا في ولاية بوستن، ومن خلال حديثهم توصلت عالمة النفس ماريك ليما، ومعها مارتن كونست، عالم الجريمة، إلى أن هذه العينة من السجناء قد تغيرت مواصفاتهم الشخصية بشكل يتوافق مع تلك البيئة القمعية التي يعيشونها داخل السجن، وهذه التحولات كانت قد ظهرت فيما اكتسبوه من بعض السلوكيات، مثل: “التردد في اتخاذ القرارت، وصعوبة إقامة علاقات بآخرين، وكذلك الشك والتخوين”.
فيما عبر أحد السجناء الذين قد أفرج عنهم عن شعوره بأنه لا يزال خلف القضبان؛ فلا يستطيع التخلي عن تلك العادات التي استمر عليها لسنوات طويلة، حيث لا يتمكن الإنسان من التغير ببساطة.
وكانت أبرز الصفات التي تغلِب على هؤلاء السجناء، هي عدم الثقة بالآخرين، وهي سيطرة اللارتياب عليهم بشكل دائم، في حين وصف السجناء تلك التغيرات “بتبلد الإحساس”، مؤكدين أن سنين السجن تقسي قلوبهم، وتكسبهم الشعور بالفتور والجفاء تجاه الآخرين، حتى إن أحد السجناء قال تلك العبارة: “لم أعد أتعاطف مع أحد” على الإطلاق.
وقد ركزت معظم الدراسات على السجناء الذين يقبعون في السجون لسنوات، وحذرت هذه الدراسات من أن السجن لسنوات طويلة يحدث حالة من التكيف لدى السجناء مع ظروف البيئة الجديدة التي ستمتد لسنوات فتترك آثارًا واضحة بالتبلد والعزلة واللامبالاة، وحتما تقل قدرته على التواصل الاجتماعي والانسجام مع الوضع الجديد حين يتم الإفراج عنه.
إلا أن دراسة أخرى نشرت حديثًا عام 2018 تناولت تأثير الحبس لمدد قصيرة من خلال اختبارات نفسية وعصبية، وأوضحت أن حتى المدد القصيرة للسجن تترك أثرًا على شخصية السجين.
وقد عمد فريق من الباحثين أيضًا في الجامعة الحرة بالعاصمة الهولندية أمستردام، تحت إشراف جيس مييرز، لإجراء اختبارين الفارق الزمني بينهما ثلاثة أشهر، خضع لهما 37 سجينًا، وتبين منها أن هذه الشريحة أظهرت في الاختبار الثاني ميلًا إلى الاندفاع في اتخاذ القرارات وضعف القدرة على الانتباه، وهذا يعني وجود انخفاض في مستوى يقظة الضمير، وهي -وفقًا لمقياس العوامل الخمسة الكبرى- أحد سمات ضبط النفس والتنظيم والطموح.
ويرجع الفريق البحثي هذه التغيرات التي تم رصدها إلى الحياة في بيئة خاصة تتسم بالجدب وفقر الإمكانات، حيث لا يتوفر فيها أية تحديات معرفية، بل هو دائمًا مسلوب الإرادة.

الاستيعاب المجتمعي

وقد أوضح المختصون في نهاية بحثهم أهمية النتائج التي توصلوا إليها -بالنسبة للمجتمع- لكي يتمكنوا من استيعاب الأشخاص الذين عاشوا سنين طويلة بالسجن لأنهم قد لا يكون لديهم الاستعداد للحياة كمواطنين صالحين في المجتمع بعد خروجهم من السجن بشكل أفضل من مرحلة ما قبل دخوله.
ولكن بحثًا هولنديًّا قد جاء بنتائج مناقضة لما توصلت إليه الأبحاث الأخرى إذ إنه رصد أن السجناء الهولنديين أصبحوا أكثر ميلًا للاندفاع، وأقل قدرة على الانتباه، وفي الوقت نفسه أبدوا تحسنًا في التخطيط المكاني، الذي يرتبط بالمحافظة على الترتيب والنظام.
كما أظهرت دراستان أخريان لوحظ فيها أثناء اشتراك السجناء في ألعاب مالية، تستخدم عادة لكشف مستويات التعاون والمجازفة والعقاب، واتضح من خلالهما أن السجناء كانوا يتعاونون معًا بمستويات معتادة أو ربما أعلى من المعتاد.
وهذه التجربة ربما تفيد في توجه هذا الجدل الدائم حول إمكانية إدماج مرتكبي الجرائم في المجتمع، وذكر سيجورن بيركلاند، من الكلية النرويجية للاقتصاد، والذي شارك في إجراء إحدى الدراستين، أن الاعتقاد السائد في المجتمعات أن المجرمين هم أشخاص لا يرغبون في الاندماج الإيجابي في المجتمع، وهو ما قد يتسبب في توقيع عقوبات مغلظة تجاه الأشخاص المدانين، ولكن ما توصلت إليه الدراسة هو أن هؤلاء المدانين أو الجناة قد يكونون على اتم الاستعداد لتقديم التعاون من أجل مصلحة الآخرين مثلهم مثل أي فرد عادي في المجتمع.
وتدل هذه الملاحظات على أن ما يتعرض له السجناء ويجعلهم يتأثرون بشكل أخلاقي وسلوكي قد تسبب في عدم اندماجهم مرة أخرى في المجتمع، غير أن تلك النتائج التي تدل على وجود تعاون بين السجناء قد تمنح الامل في اظهار هذه الجوانب من خلال التركيز عليها في برامج إعادة التأهيل.
وتأتي مجمل النتائج التي توصلت إليها الأبحاث إلى أن بيئة السجن وما ينتج عنها من تقييد للحريات أو سلب الحق في الاختيار ومحدودية الفرص لإقامة علاقات آمنة ووطيدة، قد تترك آثارًا سلبية تتسبب في تغيير شخصياتهم على نحو يصعب معه إعادة اندماجهم مرة أخرى في المجتمع بعد انتهاء فترات العقوبة، بل قد يزيد من نسبة الاحتمالات بعودتهم لارتكاب الجرائم.


اترك تعليق