Loading

حين يتحول ابنك إلى حجر في يدك

بواسطة: | 2018-07-06T19:42:50+00:00 الجمعة - 6 يوليو 2018 - 7:42 م|
تغيير حجم الخط ع ع ع

قديماً عندما كان يطلق رعاة الأغنام أغنامهم للرعي، كانوا يضعون مقابل كل رأس منها حجراً، حتى إذا ما عادت الأغنام استطاعوا أن يحصروا عددهم، فإذا ما بقي حجر ولم يجدوا مقابله غنماً عرفوا أن واحداً منها قد شرد، حينها يقوم الرعاة بإلقاء هذا الحجر المتبقي بعيداً حتى لا يقوموا بعدِّه مجدداً.

يقال من هنا جاء المثل الشهير (رمى طوبته)، تعبيراً عن حال كل من خاب ظنه في شخص كان قد وضع عليه آمالاً أو توقع منه خيراً لم يجده فلا يجد أمامه طريقاً سوى أن يرمي طوبته على اعتبار أنه ذهب بلا عودة.

لا زلت أذكر ذلك الإهداء الذي قرأته  في افتتاحية أحد الكتب، والذي استغرقتني فيه بشدة عبارة الكاتب (إلى أبي الذي كان يؤمّل فيّ)، أخذتني تلك العبارة بعيداً مع آمال الآباء وأحلامهم التي لا يتكلفونها، بل هي فطرة تملؤهم شغفاً ممزوجاً بفضول كي ترى ماذا سيصير هذا الذي هو قطعة منك.

كم يبدو هذا في عمومه حالماً وجميلاً، تؤسرك لا محالة تلك المشاعر الوالدية التي معها يتمنى الوالدان لو صار ابنهما أفضل منهما في كل شيء. لكن لا تظل الصورة هكذا وردية دائماً، فلذات السبب قد تهدم بيننا وبين أبنائنا الجسور، حين تقضي عليهم آمالنا فيهم!

تمتلئ الحياة من حولنا بنماذج لأناس سلكوا طرقاً رسمها لهم آباؤهم، ولو تُركوا لأنفسهم ما اختاروها، يرسم الآباء ملامح الطريق ثم يمتلئون حماساً من جانب واحد له، وسعياً لولوج هذا الطريق أو الوصول إلى نهايته قد يحيا الآباء مع أبنائهم تحت ضغط كبير يصيب الآباء بخيبة أمل كلما شرد الأبناء عنه، أما عن الأبناء فيتحول الأمر إلى أمر شخصي بينهم وبين آبائهم، إما سعياً لإرضائهم أو عدولاً عنه معاندة ورفضاً، حينها لا يمكنك أن تخلي بين ابنك وبين الطريق حتى يراه واضحاً مهما كان طريقاً مثمراً لأنه لا يمكنه سوى أن يراك أنت أمامه بديلاً.

نرسم أحياناً تلك الطرق حسب ما اخترناه نحن لأنفسنا كآباء، وعلى أساس أن العرق دساس فعلى أبنائك مثلاً إذا  كنت تاجراً أن يحملوا أعباء التجارة من بعدك، أو كنت طبيباً أن يصبحوا أطباء مثلك، أو كنت مهندساً أن يظل مكتبك الهندسي مفتوحاً بهم، أحياناً قد يبدو لهذا الحال بعض المنطقية، لكن أي منطقية تلك التي تبرر سعي الآباء أحياناً لوضع أبنائهم على طرق لم ينجح الآباء أنفسهم في سلوكها حين توجب عليهم ذلك فظلت أمنيات حبيسة في مكنونات الصدور إلى أن يجدوا ضالتهم في أبنائهم!

أحياناً أخرى نترك للغير تحديد معايير قبول أبنائنا، المستوى الاجتماعي الذي أنت فيه، وقيم العائلة، وثقافة المجتمع، وآراء الناس وغيرها، كلها تضع لك منظاراً فوق منظار وأنت ترى ابنك، تخبرك المدرسة بمعايير قبوله لديهم: أن يكون منصتاً، وهادئاً، ومتبعاً جيداً للتعليمات، ومنفذاً لكافة المهام التى تطلب منه، ثم لا يكون ابنك كما المتوقع بل من ذلك النوع المجادل العنيد أو ذاك صاحب الحركة والنشاط، فيبدأ الجميع في الانتقاد وإرسال رسائل عدم التقبل، تنهكنا نحن الآباء التعليقات فيتسلل هذا الرفض من المحيطين بك إلى رفض داخلي لابنك.

يظل ابنك بين ذراعيك ولكن عينيك لم تعد تحتضنه، وعباراتك لم تعد تشجعه، قد خفضت فيه طموحاتك، ولم تعد ملهماً له،  فقد أسقطته في قرارة نفسك، ولم تعد تثق في قدراته التي جاءت مخالفة لما جرت عليه العادة والتوقعات.

يحوّل كل ما فات أبناءنا إلى أحجار في أيدينا نلقيها في اللحظة التي ندرك فيها أنهم غير قادرين على أن يحققوا ما ننتظره منهم، وما كان خطؤنا منذ البداية إلا تلك التوقعات والآمال التي  حجبت عيوننا عن رؤية ذوات أبنائنا الحقيقية.

فيلم شهير جسد هذه المعضلة عندما ألقى والد (إيشان) حجره فقد كان طفلاً صانعا للمشكلات متعثراً في دراسته، وصلت إلى الحد الذي تخلى فيه الأب عن رعاية صغيره في البيت ليلقي ليس فقط بحجره بل ألقى به نفسه داخل مدرسة داخلية يقيم بها الطلبة لأنه لم يعد متحملاً لابنه أكثر من ذلك. وقد كان هذا كفيلاً لإغراق صغيره في عقد نفسية وانطوائية بالغة، إلى أن تبدل حاله على يد معلم وأخيراً استطاع أن يضع فيه أملاً مجدداً.

أذكر عبارة صغيري عندما أراد يوماً شيئاً من حجرة مظلمة، وقف بعيداً وطلب مني المساعدة، كان في المكان بصيص نور ولم يكن مظلماً بالكامل فتعجبت من طلبه، ثم طلبت من أخيه الذي يصغره بعدة أعوام أن يذهب هو ليفتح له النور، قال لي ابني هذا اليوم بغضب شديد (تريدين أن تخبريني أنني طفل). لم يفهم صغيري رد فعلي إلا أنني لا أثق في قدرته على حل مشكلته بنفسه فأرسلت معه أخاه الصغير ليقوم بالأمر، لم تستطع كلماتي يومها أن تلهمه أو تعينه على مخاوفه.

هذا موقف يحكي ما يمكن أن تفعله بنا خيبة الأمل حتى في المواقف البسيطة التي يتصرف فيها أبناؤنا بصورة غير التي توقعناها.

أعود لذلك الإهداء الذي استوقفني واتساءل كيف وصل للكاتب شعور أبيه هذا حتى يعد آمال أبيه فيه فضلاً يستحق أن يسطر بسببه إهداءً له؟ كيف استطاع ذلك الأب أن يجعل آماله في ابنه سبباً حقيقياً لنجاحه وإنجازاته -التى منها إصدار ذلك الكتاب- وليس سبباً لهدم علاقتهم أو سبباً رئيساً لفشله؟!

أفهم أن نجعل تعاليم الدين ومن بعده رؤى العلم منظاراً نقيم به سلوكيات ومبادئ أبنائنا لكن دون أن ندع أي قيد آخرغير ذلك يوثقنا، ودون أن نترك للإحباط سبيلاً يتسلل بها إلى نفوسنا، فالإحباط مولود لتوقعاتك التي رسمتها أنت، وركيزة للتخلي عن ولدك، وكفيل بضياع شغفك. وبدلاً من أن ترمي (طوبة) ابنك .. ابن له بيتاً في قلبك بقبوله ومصاحبته وبالثقة فيه ودعمه.

الآراء الواردة في التدوينة تعبر فقط عن رأي صاحبها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر “العدسة

عن الكاتب

خليدة أبو زيد
خليدة سناء ابوزيد .. مدوِنة مصرية دارسة و مهتمة بالمجال التربوي .. عملت بالتدريس وإعداد البرامج التلفزيونية .. ام لثلاثة أبناء

اترك تعليق