Loading

لخدمة النظام .. كيف تحولت مصر إلى دولة تحكمها القوانين الاستثنائية؟!

بواسطة: | 2018-07-08T17:21:47+00:00 الأحد - 8 يوليو 2018 - 9:00 م|الأوسمة: , |
تغيير حجم الخط ع ع ع

العدسة: محمد العربي

لم يكن القانون المثير للجدل الذي أقرَّه البرلمان المصري بمنح الحصانة ومميزات أخرى لبعض قيادات القوات المسلحة، هو القانون الوحيد الذي يعبِّر عن التوسع في إصدار القوانين الخاصة بالتشريع المصري، والذي يمنح فئات من الشعب مميزات على حساب فئات أخرى.

وهو ما تزامن مع قرار جديد أصدرته وزيرة التخطيط والمتابعة والإصلاح الإداري، الدكتورة هالة السعيد بمنع تعيين أبناء الموظفين في هياكل الدولة باستثناء القضاء والشرطة والخارجية.

ويأتي المنتسبون للقوات المسلحة والشرطة والقضاة والسلك الدبلوماسي والوزراء وأعضاء البرلمان الحالي، في مقدمة الفئات التي صدر بحقِّهم قوانين خاصة تمنحهم مكافآت أو مميزات إضافية عن الممنوحة لباقي فئات الشعب في مخالفة لدستوري 2012 و2014 اللذين ساويا بين المواطنين في الحقوق والواجبات، طبقًا للمواد ( ٤ و٩ و٥٣ من دستور 2014) بينما تحدثت المادة ٩٤ من نفس الدستور على أنه: “لا حصانة ولا استثناء من الخضوع للقانون إلا بنص دستوري”.

وفي مقابل قوانين الامتيازات الخاصة تأتي قوانين العقوبات الخاصة أيضًا، وأبرزها التي تمّ تشريعها بعد انقلاب 3 تموز/ يوليو 2013، ومن بينها القانون الخاص بتشكيل دوائر الإرهاب، والقانون الخاص بمنح القوات المسلحة حق الضبطية القضائية، وكذلك قانون حماية المنشآت العامة، وأبراج الكهرباء، وقانون حيازة الأسلحة غير المرخصة، وقانون التظاهر، وقانون الطوارئ، وقانون حظر التجوال بسيناء، وقانون تحديد أماكن انعقاد المحاكم، والأكثر قبحًا في ذلك كله كان قانون الكيانات والشخصيات الإرهابية الذي أقرَّه رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي كسيفٍ يسلطه على رقاب مخالفيه.

ولم توضِّح الدراسات القانونية عدد القوانين الاستثنائية أو الخاصة بمصر، إلا أنها تحدثت عن ترسانة التشريعات المصرية، وطبقًا لدراسة صادرة عن اللجنة العليا للإصلاح التشريعى التى يترأسها رئيس الوزراء، فإنَّ مصر بها أكثر من 50 ألف تشريع منهم 15 ألفًا و836 تشريعًا ذا أهمية، والبقية يمكن الاستغناء عنها، وطبقًا للدراسة الرسمية فإنَّ السنوات التي تلت ثورة 25 كانون الثاني/ يناير 2011 كانت الأكثر من حيث إصدار التشريعات، من بينهم 342 قرارًا بقانون أصدرها رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي خلال 420 يومًا فقط، يليه الرئيس المؤقت عدلي منصور الذي أصدر 147 قرارًا بقانون، بينما أصدر الرئيس محمد مرسي 154 قرارًا بقانون خلال العام الذي تولى فيه الحكم، بينما كان المجلس العسكري في المقدمة بـ 318 قرارًا بقانون.

من الترزية للثعالب

وطبقًا للمتابعين قد شهدت الأيام الأخيرة عمليات تحايل واسعة على دستور 2014، سواء من خلال التشريعات التي يُقرّها البرلمان كقانون امتيازات بعض كبار ضباط القوات المسلحة، أو من خلال القرارات التي يصدرها رئيس الجمهورية بقوة القانون، أو من خلال القرارات الأخرى التي يخالف فيها الدستور ولا يسمح لأحدٍ الحديث عنها والمثال الأبرز على الحالة الأخيرة هو إقالة وزير الدفاع صدقي صبحي رغم أنَّ الدستور حصَّن منصبه، وكذلك عدم إصدار حركة المحافظين قبل إلقاء بيان الحكومة أمام البرلمان كما ينصّ الدستور.

هذه الحالة القانونية دعت الفقيه الدكتور محمد نور فرحات، أستاذ القانون الدستوري بجامعة الزقازيق، لوصف المشرِّعين الحاليين بالثعالب، مؤكدًا في مقال خصّه للحديث عن الانحراف التشريعي نشرته جريدة المصري اليوم الجمعة الماضية، بأنَّ التشريع له أصول حاكمة ومقاصد ضابطة، والحيدة عن الأصول الدستورية للتشريع تصيبه بعيب عدم الدستورية.

وأشار فرحات في مقاله أنَّ هناك قوانين وافق عليها مجلس النواب مؤخرًا تدخل فى باب الغرائب التشريعية، وتنطوي على عيوب دستورية جوهرية، معلنًا رفضه للتبريرات التي تُقدِّمها الحكومة أو يعلنها البرلمان حول هذه القوانين والزعم بأنَّها لا تنطوي على تمييز بين المواطنين، من باب أنه تمييز إيجابي.

ويحدّد فرحات مفهوم التمييز الإيجابي طبقًا للتعريف الدولي بأنه منح بعض الفئات الضعيفة أو المحرومة أو المضطهدة تاريخيًا ميزات مؤقتة تنتهي بنهاية مبرراتها، مثل تمثيل الشباب أو متحدّي الإعاقة أو المرأة بنسب محددة من مقاعد البرلمان لفترة زمنية محددة يستطيعون بعدها تكييف أمورهم والمنافسة بشكل طبيعي للحصول على هذه المقاعد.

وقد دفعت الحالة التي أشار إليها فرحات العديد من خبراء التشريع المصريين للتأكيد على أن مصر تحوَّلت من دولة ترزية القوانين أمثال الراحل كمال الشاذلي، وأحمد فتحي سرور، وأحمد كمال أبو المجد، وآمال عثمان، وفوزية عبد الستار، لدولة الثعالب التي يُمثّلها علي عبد العال، وبهاء الدين أبو شقة، وأحمد السجيني، ومصطفى بكري، وأحمد حلمي الشريف، وغيرهم من الذين تخطّوا “الشياكة” التشريعة للترزية السابقين، إلى البجاحة القانونية.

وطبقًا للعديد من الخبراء فإنَّ مصر تحوَّلت من الكيان الواحد للتشريع لتعدد الكيانات التشريعية، فطبقًا لدستور 2014 وما سبقه من دستور 2012 ودستور 1976 وتعديلاته فإنَّ التشريعات كانت تصدر من خلال جهتين الأولى والأساسية هي البرلمان، والثانية هي رئيس الجمهورية الذي من حقّه إصدار قرارات بقوة القانون في حال غياب البرلمان، مع اشتراط الموافقة على القرارات في أول انعقاد للبرلمان.

وهو ما اختلف بعد انقلاب 2013 حيث تنوَّعت مصادر إصدار التشريعات ما بين البرلمان والحكومة، كما كان في السابق، إضافة لتوسع رئيس الجمهورية في إصدار قرارات بقوة القانون رغم وجود البرلمان كما هو الحال في قراره بمدّ حالة الطوارئ، وهناك أيضًا اللجنة العليا للإصلاحات التشريعية التابعة لمجلس الوزراء، ووزارتي العدل وشؤون البرلمان، بالإضافة لمجلس الدولة الذي أصبح صاحب الرقابة المسبَّقة على إصدار التشريعات، بل ومن حقه تعديل هذه التشريعات، كما حدث في قانون الجمعيات الأهلية وقانون تنظيم الإعلام الذي قسمه لقانونين بعد أن كان قانونًا واحدًا.

قوانين حسب المزاج

ورصد العديد من الخبراء والمعنيين بمجال التشريع أنَّ الفترة التي تلت ثورة 25 كانون الثاني/ يناير 2011، يمكن تسميتها بفترة تشريعات رد الفعل، وهو ما يمثّل أزمة كبيرة؛ لأن القوانين يتم تشريعها حسب المزاج السياسي السائد، مثل القانون الخاص ببعض كبار قيادات القوات المسلحة، وكذلك قانون الكيانات والشخصيات الإرهابية، حيث يمثّل الأول تحصين قيادات بعينها بالقوات المسلحة من المساءلة القانونية في جرائم ارتكبوها خلال فترة الفراغ الدستوري التي تلت انقلاب 2013.

ويمثّل القانون الثاني والذي يحمل رقم 8 لسنة 2015 والخاص بتنظيم قوائم الكيانات الإرهابية والإرهابيين، طبقًا للخبراء قمة الإقصاء السياسي؛ حيث اعتمد القانون على ألفاظ مطاطة تحتمل الكثير من التأويل مما وسَّع من إقصاء المخالفين للنظام المصري تحت مبررات واتهامات تعتمد على الشيوع مثل تكدير السلم العام، والانضمام لجماعة محظورة، وهي توصيفات تخضع في الأساس لآراء واجتهادات الأجهزة الأمنية.

وفي نفس الإطار أكّد فقهاء دستوريون أن قانون جرائم الإنترنت واحد من ضمن هذه الفئة المستثناة من القوانين، خاصة وأنَّ جرائم الإنترنت المقصود بها من التشريع الذي أقرَّه البرلمان قبل أسابيع هي متعلقة بالأساس بالنشر على وسائل التواصل الاجتماعي، وهو الأمر الموجود بالفعل في قوانين النشر المنتشرة بقانوني العقوبات الإجراءات المعمول بهما بالفعل، ولكن تخصيص قانون للإنترنت جاء كمحاولة للدولة لإرهاب المتعاملين على مواقع التواصل الاجتماعي من منتقدي النظام المصري، واتخذ من حماية الأمن القومي مدخلًا للتوسع في وضع القيود على حرية النشر عبر الإنترنت.

 


اترك تعليق