Loading

السيسي والقضاة .. هل بدأت حرب تكسير العظام؟!

بواسطة: | 2018-10-10T22:38:20+00:00 الأربعاء - 10 أكتوبر 2018 - 8:00 م|الأوسمة: |
تغيير حجم الخط ع ع ع

العدسة: محمد العربي

حالة من الترقب والضيق تنتاب قطاع كبير من قضاة مصر، بعد سلسلة من الإجراءات اتخذها رئيس الإنقلاب عبد الفتاح السيسي لتقليص الصلاحيات والامتيازات التي حصلوا عليها مقابل دعمهم لانقلابه وتصفيه خصومه السياسيين الذين مثل القضاء جزء أساسي فيها.

وتمثلت الإجراءات طبقا لمصادر تحدثت إلى “العدسة” في إلغاء عدد من البدلات التي كانوا يحصلون عليها شهريا مثل بدل العدوى والتي تقدر قيمته بـ 4500 جنيه شهريا (250 دولار) والتي كانت تصرف لهم علي سبيل الحماية من التعرض أثناء المحاكمات، وكذلك إجبارهم على دفع مقابل تقنين وضع اليد على آلاف الأفدنة التي حصلوا عليها من أراضي الدولة، وتشير المخاطبات التي وصلت للقضاة بأنهم ملزمون بدفع قيمة الأرض بسعر اليوم وليس وقت وضع اليد عليها.

أما أبرز ما يمثل غضبا لدى القضاة هو وقف تعيين أبنائهم في السلك القضائي، واقتصار التعيين خلال السنوات الخمس الماضية على ضباط الشرطة المتقدمين لوظيفة وكيل نيابة، بينما أبناء القضاة الذين كانت لهم الأسبقية فأصبحوا تحت رحمة هيئة الرقابة الإدارية التي يتحكم فيها نجل السيسي.

وتؤكد المصادر القضائية لـ “العدسة” أن السيسي أوكل لهيئة الرقابة الإدارية إعداد تقارير حول القضاة وأبنائهم، وهي التقارير التي تعد المسوغ الأساسي الآن في الترقيات داخل السلك القضائي أو في التعيين بالنيابة، وبدون تقرير صلاحية صادر من الرقابة الإدارية فإن فرصة الإلتحاق بالقضاء من أبناء القضاة أصبح صعبا للغاية على حد وصف المصادر.

إجراءات أخرى

وضمن السلسلة أيضا تفعيل النص الدستوري الخاص بإلغاء ندب القضاة للعمل كمستشارين في الهيئات الحكومية بدءا من يناير 2019، حيث وضع دستور 2014 فترة انتقالية لمدة 5 سنوات من تفعيل الدستور لإلغاء ندب القضاة، وهو ما سيؤدي لإلغاء انتداب ما يزيد على 70 % من القضاة الذين يعملون كمستشارين قانونيين للمصالح الحكومية، وبالتالي ضياع الجزء الأكبر من دخلهم الشهري.

وفي ظل تطبيق الحد الأدنى والأقصى للأجور على القضاة فإن هذا سوف يمثل أزمة كبيرة لهم، وسوف تقل رواتب القضاة بشكل كبير، بحيث لا يزيد راتب أقدم نواب رئيس محكمة النقض ورؤساء محاكم الاستئناف ونواب رئيس مجلس الدولة، عن 60 % من الحد الأقصى للأجور المحدد بالقانون وهو 42 ألف جنيه (2400 دولار).

ويضاف لذلك التعليمات التي صدرت من السيسي لرؤساء الهيئات القضائية بإلزام القضاة بعدم رفع دعاوى قضائية ضد الحكومة وإصدار أحكاما لصالح بعضهم البعض بإلزام الحكومة بسداد مستحقات مالية للقضاة، بصرف بدلات ومكافآت لجهود غير عادية، مقابل نظر القضاة في أنواع جديدة من الدعاوى، كالمنازعات الانتخابية بالنسبة لقضاة محكمة النقض، والمنازعات الضريبية بالنسبة لقضاة مجلس الدولة، وهو ما يكلف الحكومة ما يزيد عن ملياري جنيه.

لماذا الخوف؟!

وتمثل إجابة السؤال السابق لغزا بين صفوف القضاة الذين شعروا أن السيسي استغلهم لتثبيت أركانه، وأن دور تصفية نفوذهم باتت وشيكة، ويدعم من هذه النظرة المتشائمة لدى القضاة، ما حصل للصحافيين والإعلاميين الموالين للسيسي، والذين تم الاستغناء عن خدماتهم الواحد تلو الآخر مهما كان اسمه وقدره وقوة تأثيره الإعلامي، وباتت أسماء بارزة كانت سببا في عملية تشويه الإخوان المسلمين والدكتور محمد مرسي وثورة 25 يناير في الماضي، مثل لميس الحديدي وإبراهيم عيسي وتامر عبد المنعم وتامر أمين ويوسف الحسيني وخيري رمضان وتوفيق عكاشة ، وآخرين تم إجبارهم على ترك السياسة والعمل في البرامج الترفيهية مثل عمرو أديب ومنى الشاذلي ومحمود سعد.

ويشير متابعون لتطور الأحداث أن السيسي بدأ في تصفية السياسيين الذين شاركوه في الانقلاب والذين ظنوا أنهم مالكوا شارع السياسة بعد رحيل الإخوان، ولكن ظنهم خاب بعد أن تم الاستعانة برجال المخابرات والشرطة والحزب الوطني السابق في برلمان علي عبد العال.

وفي نفس الإطار انتقل السيسي إلى الفريق الثاني في التصفية وهم زملاءه في المجلس العسكري الذين قام بتصفيتهم الواحد تلو الآخر، ليتحكم في المجلس العسكري، ومن خلاله في القوات المسلحة دون منازع، وبعدها جاء الدور على القضاة الذين حصلوا خلال فترة تثبيت السيسي على مكاسب كبيرة، أصبحت الآن في حكم العدم.

تصفية في كل اتجاه

ويري المحللون أن دخول القضاة في قائمة التصفية وقص الريش، أمرا طبيعيا وإن كان تأخر، لأن دورهم انتهى بالنسبة للسيسي الذي يرسخ في ولايته الثانية لفلسفة جديدة وأنها ولاية خالية من الضرائب المستحقة، وأنه قدم مقابل الولاء والدعم كاملا خلال الولاية الأولى، ولذلك كانت المواجهات مع الإعلام وقبلهم رجال الأعمال والآن أصبح الدور على القضاة.

وقد رصد مدير المرصد العربي لحرية الإعلام قطب العربي هذه الحالة بشكل مفصل من خلال مقال نشره بجريدة الأمان اللبنانية أكد فيه أن العلاقة أصبحت متوترة بين السيسي وأبرز داعميه المدنيين من أركان الدولة العميقة، وخاصة القضاة والصحافيين، ورجال الأعمال، والأزهر، مشيرا إلى أن قانون الهيئات القضائية الذي أصدره السيسي قبل أكثر من عام منحه حق اختيار رؤساء الهيئات القضائية، وهو ما يمثل خرقاً للدستور الذي ضمن لها استقلالها عن السلطة التنفيذية، إذ تنص المادة (184) منه على أن «السلطة القضائية مستقلة، تتولاها المحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها، وتصدر أحكامها وفقاً للقانون، ويبيّن القانون صلاحياتها، والتدخل في شؤون العدالة أو القضايا جريمة لا تسقط بالتقادم».

ويشير العربي أن السيسي أغدق كثيراً على القضاة خلال الفترة الماضية، كمكافأة لهم على مواجهتهم لحكم الرئيس المدني محمد مرسي الذي انطلقت شرارة الاحتجاجات ضده من مقر نادي القضاة، ومن دار القضاء العالي حيث مكتب النائب العام، كما كان إغداق السيسي تقديراً للأحكام التي أصدرها القضاة ضد رافضي الانقلاب، والتي كانت تصدر سواء بالإعدام أو السجن المؤبد للمئات دون أدنى مطالعة لأوراق القضايا، حتى إن الكثير منها شمل موتى وشهداء وأطفالاً، ولكن يبدو أن السيسي لم يعد بحاجة كبيرة للقضاة بعد أن قضى منهم وطره.

هل يرتكب الخطأ المنتظر

ويبدوا أن الأزمة بين السيسي والقضاة محل ترقب ليس من القضاة فقط وإنما من المحللين السياسين الذين ينتظرون وقوع السيسي في الخطأ المنتظر وهو فتج جبهة مع القضاة في ظل حالة الاحتقان العامة التي يعيشها المجتمع المصري بمختلف فئاته واتجاهته ضد تصرفات وسياسات السيسي.

ويشير باحثون سياسيون أن الأزمة مع القضاة سوف تكون مغايرة عن غيرها من الهيئات سواء الصحفيين أو رجال الأعمال، والسياسيين من الأحزاب التي دعمته في انقلابه، وحجتهم في ذلك أن القضاة رغم مشاكلهم الداخلية وملفات معظمهم المكتظة بالمخالفات، إلا أنهم يمثلون سلطة لها صلاحيات باستطاعتها وضع السيسي في مأزق، ويكفي أن يصدر حكم قضائي لإدانة السيسي أو أيا من أنصاره المقربين في أي من الملفات المغلقة، كما أن السيسي مازال بحاجة للقضاة من أجل تمرير التعديلات الدستورية التي يجهز لها بما يمكنه من الاستمرار في منصبه لما بعد 2022، والتي من المفترض أن تنتهي فيها فترة رئاسته الثانية.

ويشير الباحثون إلى أن تاريخ العلاقة بين القضاة والحكام بمصر، لا تأتي غالبا في صالح الحكام، وهو ما حدث مع الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر الذي نفذ مذبحة ضد القضاة عام 1969، وفي النهاية رحل الرئيس وبقي القضاة، وكذلك أزمة مبارك مع نادي القضاة بعد انتخابات 2005، ثم الأزمة التي جرت مع الرئيس محمد مرسي على خلفية عزل النائب العام عبد المجيد محمود.

ولذلك يعتبر هذا الفريق من الباحثين أن دخول السيسي في صدام مع القضاة سوف يؤدي للتعجيل برحيله، خاصة وأن المحاكم المصرية مازال بها قضاة لهم مكانتهم المحترمة ووجودهم القوي على منصات المحاكم، بخلاف المجموعة التي يعتمد عليها السيسي أو ماعرفوا بقضاة الدوائر الملاكي التي تنظر قضايا دوائر الإرهاب.


اترك تعليق