تغيير حجم الخط ع ع ع

 

لم يترك النظام الحاكم في دولة الإمارات العربية المتحدة شاردة ولا واردة قد تخطر في بال أي كاتب لأفلام الخيال السياسي في ملف التطبيع مع المحتل الصهيوني إلا وسلكته بصورة أكثر خيالية من كل التصورات، ولا يمكن تصور باب يمكن طرقه للولوغ في وسخ التطبيع مع الاحتلال إلا والثقة تملأ من يطرقه بأن من سيفتح الباب سيكون إماراتيا بامتياز.

 

أقل من عام كئيب مر على توقيع اتفاقية العار، اتفاق “إبراهيم” كما تقول قواعد العربية، واتفاق “إبراهام” بحسب المنطوق العبري، وصدق أو لا تصدق، تطلق صحافة النظام الإماراتي المصطلح العبري على الاتفاق حتى في نشراتها وصحفها المحلية والداخلية، ولكن احتفظ ببعض دهشتك لأن النظام الإماراتي لم يُخرج بعد ما في جعبته التطبيعية التي لا تنضب.

 

ورغم أنه قد بات من الصعب على النظام الإماراتي إدهاش المواطن العربي بمزيد من الخيانات والارتماء تحت أقدام المحتل الصهيوني، حتى أصبحت أخبار التنازلات المثيرة للاشمئزاز من النظام الإماراتي لا تجد الدهشة المستحقة لدى الجمهور العربي الذي بات يتعامل مع الإمارات بوصفها المندوب الصهيوني في الخليج العربي، إلا أنه لا يمكن إنكار حجم “الاجتهاد” الإماراتي في محاولة إدهاش العرب بمزيد من التنازلات المفاجئة للصهاينة أنفسهم حتى قبل الجمهور العربي المصدوم، وكان آخر تجليات هذا الاجتهاد فتح سفارة رسمية للاحتلال ستكون هي الأولى من نوعها في الأراضي الخليجية العربية.

 

ولم يكن افتتاح السفارة وحده المفاجأة التي أدهشت حتى الصهاينة أنفسهم، بل مستوى التمثيل السياسي الذي صحبها أيضا والذي وصل إلى كونه أكبر وفد إسرائيلي يدخل أراضي الخليج منذ تأسيس الكيان الصهيوني الخبيث، حيث افتتح وزير الخارجية الصهيوني يائير لبيد الثلاثاء في أبوظبي أول سفارة “إسرائيلية” في الخليج، بعد أقل من عام على تطبيع العلاقات بين البلدين.

 

زيارة لبيد للإمارات هي الزيارة الرسمية الأولى لوزير إسرائيلي منذ اتفاق تطبيع العلاقات بين الدولتين في سبتمبر /أيلول من العام الماضي برعاية من الرئيس الأمريكي اليميني دونالد ترامب، ومن المقرر أن ينتقل لبيد إلى دبي حيث يفتتح رسميا قنصلية بلاده في الإمارة، ويدشن الجناح الإسرائيلي في معرض إكسبو 2020 دبي، في تطبيع تكنولوجي على هامش افتتاح السفارة الصهيونية، هكذا هو التطبيع الإماراتي، كثيف ومتداخل بعضه فوق بعض.

 

وزير خارجية الاحتلال الصهيوني لم يكن ليضيع فرصة استثنائية كتلك لإظهار دهشته وسعادته البالغة التي لم يكن يتصور مؤسسو الكيان في أكثر أحلامهم تفاؤلا أنها قد تحدث بهذه السرعة في يوم من الأيام، وكتب لبيد في تغريدة على حسابه في تويتر مرفقا فيها صورة تجمعه بوزيرة الثقافة الإماراتية المُطبعة، نورة الكعبي: “قص الشريط في افتتاح سفارة بلدي إسرائيل في العاصمة الإماراتية أبو ظبي”، ووصف لبيد افتتاح السفارة باللحظة التاريخية التي لم يكن أحد يحلم بها بهذا الترحاب، قائلا إن “دولة إسرائيل” تختار السلام والتعاون على الحروب والعداء ولم تكن لتجد شريكا أكثر حرصا على إنفاذ هذا الهدف النبيل من الإمارات العربية المتحدة.

 

وزيارة لبيد للإمارات، التي تستغرق يومين وتعتبر هي الزيارة الأولى لمسؤول صهيوني منذ اتفاق البلدين على تطبيع العلاقات بينهما في سبتمبر/أيلول الماضي، وأيضا منذ صعود حكومة اليمين الجديدة في الاحتلال بعد رحيل رفيق ترامب وأكثر قادة إسرائيل تشبثا بمنصبه، بنيامين نتنياهو الذي فشل في تشكيل حكومة جديدة، مما أدى إلى فرض خيار تشكيل حكومة ائتلافية يكون هو خارجها.

 

هذه الحكومة الجديدة واجهت العديد من التحديات التي هددت بعزلتها عن العالم، وأيضا منحت دول محور التطبيع فرصة تاريخية للخروج من اتفاقيات العار التي وقعتها “إسرائيل” مع كل من الإمارات والبحرين والمغرب والسودان والتي أثارت غضب الفلسطينيين ووصفوها بأنها “خيانة” وخرق للإجماع العربي الذي جعل حل النزاع الإسرائيلي الفلسطيني ثابتا لا يمكن الخروج عليه.

 

لكن الإمارات أبت إلا أن تمنح هذه الحكومة الصهيونية اليمينية الجديدة قبلة الحياة، وأشعرت وزير خارجية الاحتلال قبل أيام بترحيب الإمارات بزيارته، للحد الذي جعله يقول قبل أسبوع إنه سيجري أول زيارة رسمية للإمارات الأسبوع المقبل، وذلك عقب لقائه سفير أبوظبي في مبنى الكنيست محمد آل خاجة. وكتب لبيد -عقب اللقاء مغردا باللغة العربية على حسابه في تويتر- “سأجري أول زيارة رسمية للإمارات الأسبوع المقبل لتعزيز العلاقات بين بلدينا وشعوبنا”.

 

وزير خارجية الاحتلال هذا، يُعد المهندس الأول وراء تشكيل الحكومة اليمينية الائتلافية المتطرفة في كيان إسرائيل، وهي الحكومة التي وصلت إلى السلطة في 13 يونيو/حزيران الجاري، وأطاحت برئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الذي سبق أن وقع اتفاقات التطبيع العام الماضي (2020).

 

وفي 13 أبريل/نيسان الماضي تفجرت الأوضاع في فلسطين جراء الانتهاكات الإسرائيلية في القدس، وامتد التصعيد في مايو/أيار إلى الضفة الغربية والمدن العربية داخل الخط الأخضر، وتحول إلى عدوان على غزة أسفر عن 290 شهيدا، بينهم 69 طفلا و40 سيدة و17 مسنا، وأكثر من 8900 مصاب.

 

ومع تصاعد الانتهاكات الإسرائيلية في مدينة القدس المحتلة وشن الاحتلال حربا على قطاع غزة استمرت 11 يوما واصل قطار التطبيع الإماراتي مع إسرائيل خطواته المتسارعة ولم يتوقف، بل زادت وتيرته وكأن الإمارات في سباق مع نفسها لترسيخ مفهوم التطبيع وتمريره سياسيا واقتصاديا وحتى اجتماعيا بين الشعوب العربية.

 

فمنذ توقيع اتفاق أبراهام في سبتمبر/أيلول الماضي، وقعت الإمارات مع إسرائيل عددا متزايدا من الصفقات التجارية والاتفاقيات الثنائية، وتنوعت أنشطة التطبيع بين اجتماعات سياسية وأخرى اقتصادية وتوقيع اتفاقيات ومذكرات تفاهم وتبادل البعثات الطلابية في الفترة بين 13 أبريل/نيسان الماضي والأول من يونيو/حزيران الجاري، حتى افتتاح السفارة رسميا هذا الأسبوع.