تغيير حجم الخط ع ع ع

تماما كما كان متوقعا، انفجر الشارع في إقليم “كردستان” شمال العراق، بوجه الأحزاب الكردية الحاكمة، بسبب التأخير في دفع الرواتب العامة والفساد، وسوء الأوضاع المعيشية.

وتتواصل الاحتجاجات العنيفة، في العديد من مدن محافظة السليمانية منذ أكثر من أسبوع، فيما تداول ناشطون على موقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو تظهر قيام المحتجين الغاضبين بحرق مقرات الأحزاب السياسية في المحافظة.

وردت قوات الأمن باستخدام العنف ضد الآلاف من المواطنين، وهو ما أدى إلى مقتل ثمانية أشخاص، أحدهم لم يتجاوز الـ 15 من عمره، وإصابة عشرات آخرين، حسب مفوضية حقوق الإنسان العراقية.

ودانت البعثة الأممية لمساعدة العراق (يونامي)، العنف تجاه المتظاهرين، ودعت في بيان إلى إجراء “تحقيقات على الفور لتحديد مرتكبي أعمال العنف وأن تتم محاسبتهم بشكل كامل”.

وتخشى سلطات كردستان من انتقال الاحتجاجات إلى أربيل، عاصمة الإقليم، وهو ما دعا رئيس الحكومة الكردية مسرور بارزاني، إلى مخاطبة الحكومة الاتحادية في بغداد لحل “مشكلة” رواتب الموظفين الحكوميين.

وقال بارزاني خلال مؤتمر صحفي: “كان من المقرر أن تقوم الحكومة الاتحادية بإرسال مستحقات إقليم كردستان إلا أنها أرسلت رواتب شهرين فقط ولم ترسل رواتب الأشهر المتبقية”.

وأشار إلى أن حكومته “حاولت التوصل لتفاهم نهائي مع الحكومة الاتحادية على أساس الشراكة ولكن تم تمرير قانون تمويل العجز بدون موافقة الإقليم”.

ودعا “مسرور” رئيس الحكومة العراقية مصطفى الكاظمي إلى أن يكون “رئيس وزراء لكافة المكونات في كل مناطق العراق، وممارسة سلطته”.

رد بغداد

ولم يتأخر رد العاصمة على الإقليم، إذ دعا النائب الأول لرئيس مجلس النواب حسن كريم الكعبي، حكومة إقليم كردستان الى التحرك الجاد لحلحلة الامور ومعالجة مواضع الخلل التي تضفي للإسراع بصرف رواتب الموظفين المتأخرة.

وقال الكعبي، في بيان: “مشكلة تأخير رواتب موظفي الإقليم ليست وليدة الساعة، ولم تحدث بسبب عدم ادراج فقرة تخصهم ضمن قانون تمويل العجز المالي والمصوت عليه مؤخرا داخل مجلس النواب، بل هي مشكلة بدأت منذ نحو أربع سنوات مضت”.

وشدد نائب رئيس البرلمان على أن “المعني بهذه الأزمة هي حكومة الإقليم وحدها”. مضيفا: “ورغم ذلك نحن ندعو الأخيرة إلى فتح باب الحوار مع حكومة بغداد لإيجاد حل مناسب لعموم الملفات ضمن أطر الدستور وبخاصة موضوع الرواتب كونها ترتبط أساسا بقوت الناس وأرزاقهم التي يجب أن تكون بعيدة عن أي خلاف، فهم أولا وأخيرا جزء من المنظومة الإدارية للدولة”.

ولفت الكعبي، إلى أن “هناك العديد من المخرجات التي يمكن اللجوء اليها لحل هذه الأزمة، منها ربط ملف توزيع رواتب الإقليم مباشرة من بغداد وبحسب الوحدة الإدارية التي ينتمي اليها، وهذا يتطلب مزيد من التنسيق والتعاون بين بغداد واربيل والتأسيس لقاعدة بيانات رصينة يمكن الاستناد عليها في هذا الموضوع”.

سبب الأزمة

وتقول الحكومة المركزية في بغداد، إن دفع رواتب موظفي إقليم كردستان بشكل منتظم، مرتبط بتسليم الإقليم لوارداته المالية من بيع النفط والمنافذ الحدودية وغيرها إلى الحكومة الاتحادية، وهو ما ظلت السلطات الكردية ترفض القبول به لفترة طويلة.

وفي نهاية عام 2019، توصلت بغداد وأربيل إلى اتفاق، يقضي بتسليم الإقليم نفطه إلى شركة (سومو) الحكومية اعتبارا من مطلع 2020، بواقع 250 ألف برميل يوميا من أصل 450 ألفا منتجة حاليا، مقابل تفاهمات تسمح بوضع حصة للإقليم في موازنة البلاد.

وتفرض السلطات الكردية سيطرتها الكاملة على أكبر منفذين بريين للعراق مع إيران وتركيا، ولا تدفع للحكومة في بغداد من عوائدهما الكبيرة جدا أي شيء. وإضافة إلى ذلك يمتلك الإقليم مطارا في محافظة أربيل وآخر في السليمانية، يسيّران رحلات منتظمة داخلية وخارجية، ويدرّان الملايين من الدولارات التي لا تحصل الحكومة المركزية منها على شيء.

ولاحقا، أكد وزير النفط العراقي السابق، ثامر الغضبان، أن الإقليم لم يسلم نفطه وفقا للاتفاق، في مارس/آذار الماضي، وهو ما دعا وزارة المالية إلى إصدار توجيه باسترجاع ما تم صرفه لكردستان منذ يناير الماضي وحتى الآن، وفقا لقانون الموازنة الصادر قبل عام”.

وتدفع بغداد شهريا 453 مليار دينار عراقي (نحو 380 مليون دولار) كرواتب لموظفي إقليم كردستان. ودفعت الإدارة الكردية أجور أربعة أشهر فقط منذ بداية عام 2020، وخصمت 21 في المئة من الأجر الشهري لموظفي القطاع العام، وهو ما فاقم معاناة شريحة واسعة، لاسيما مع تداعيات تفشي فيروس كورونا.

ثورة جياع

من جانبه، رأى الناشط الكردي أمجد الطائي، أن التظاهرات التي يشهدها إقليم كردستان “هي تظاهرات جياع”، فالأكراد لم يستملوا رواتبهم منذ شهور. وأوضح الطائي: “هناك أنباء عن توقيع سلطات الإقليم عقدا لبيع ما يقدر بـ 480 ألف برميل يوميا، إلى لأتراك، لمدة 24 عاما، هذا  الأمر أثار حفيظة سكان الإقليم”.

وتوقع الناشط الكردي أن يسارع قادة الإقليم بالتوجه إلى العاصمة بغداد لحل أزمة الرواتب، مؤكدا:”قادة الأكراد لهم أصدقاء مهمون في بغداد مثل عمارالحكيم ومقتدى الصدر، لا أعتقد أن بغداد ستكون متفرجة، بظني أنها ستفرج عن أموال لفك هذا الاختناق مع الجمهور في كردستان”.

بدوره، دعا الرئيس العراقي برهم صالح، سلطات إقليم كردستان شمالي البلاد والمتظاهرين إلى الابتعاد عن العنف خلال الاحتجاجات المتواصلة منذ أكثر من أسبوع على تردي الوضع الاقتصادي وتأخر صرف رواتب موظفي الدولة.

وحث صالح، في بيان، حكومة الإقليم على حل الأزمة المالية، التي تتسبب في الاحتجاجات، عبر السعي نحو اتفاق شامل مع الحكومة الاتحادية في ما يتعلق بالرواتب ومستحقات الإقليم المالية.