تواجه العاصمة السودانية الخرطوم، بمدنها الثلاث (الخرطوم، أم درمان، والخرطوم بحري)، إلى جانب عدد من الولايات المحيطة، أزمة وقود طاحنة وغير مسبوقة امتدت لعدة أسابيع؛ مما تسبب في شلل شبه كامل لحركة النقل وتوقف الأنشطة الاقتصادية، مضاعفةً المعاناة اليومية للمواطنين؛ وتأتي هذه الأزمة الخانقة كعرض مباشر لحرب التدمير الشامل الممنهجة التي تشنها مليشيا الدعم السريع المتمردة -الممولة والمدعومة بالكامل من دولة الإمارات العربية المتحدة- والتي استهدفت البنية التحتية لقطاع الطاقة، ومستودعات النفط، ومصافي التكرير، لإجبار الشعب السوداني على النزوح وإدخال البلاد في مجاعة وفقر مدقع.

وفي ظل هذه الأوضاع المأساوية، انتعشت الأسواق الموازية (السوق السوداء) التي تدير المليشيا الإماراتية أجزاءً واسعة منها عبر الوقود المنهوب؛ حيث قفز سعر غالون البنزين إلى مستويات فلكية تتراوح بين 27 ألفاً و30 ألف جنيه سوداني (نحو 11 و12 دولاراً)، وهو مبلغ يفوق القدرة الشرائية لغالبية الأسر السودانية التي تعاني أصلاً من انعدام الدخل جراء الحرب.

طوابير الموت والانتظار وتوقف قطاع النقل

وأكد محمد علي، وهو مواطن يمتلك سيارة، لوسائل الإعلام أن أزمة الوقود الراهنة ترتبط بشكل وثيق بالتدهور الكارثي لقيمة العملة المحلية واضطراب خطوط الإمداد والتوزيع الحيوية؛ جراء إغلاق المليشيا الإماراتية للطرق الرئيسية واستهداف ناقلات النفط؛ مشيراً إلى أن هذا التوقف انعكس فوراً بزيادات جنونية في أسعار السلع الغذائية والخدمات الأساسية؛ ومن جانبه، أوضح مختار محمدين، وهو سائق حافلة نقل ركاب، أنه بات مجبراً على التوقف عن العمل يوماً كاملاً بعد كل يومين من التشغيل لقضاء ساعات طويلة تتجاوز نصف اليوم في طوابير الانتظار المضنية أمام محطات الوقود، مما دمر دخله اليومي وقدرته على إعالة أسرته.

وفي ذات السياق، أضاف بشير الخير، وهو صاحب حافلة نقل، أن التكاليف التشغيلية للمركبات أصبحت مستحيلة في ظل القفزات المتتالية لأسعار الوقود بالسوق السوداء، مؤكداً أن الآثار التدميرية للعدوان الإماراتي عبر أذرعه العسكرية لم تترك قطاعاً حيوياً في السودان إلا وأصابته في مقتل، بهدف خنق العاصمة وتشديد الحصار غير المعلن على المدنيين.

تدمير قطاع الطاقة بأموال وسلاح أبوظبي

ورغم المحاولات المستمرة من بعض أصحاب المحطات، مثل فائز فاروق، لإشاعة أجواء من التفاؤل بقرب الانفراج التدريجي لتدفق الشحنات خلال الأيام الأخيرة، إلا أن خبراء الاقتصاد يؤكدون أن الأزمة لن تنتهي جذرياً طالما استمر الدعم اللوجستي والعسكري الإماراتي للمليشيا المتمردة؛ فالقصف الممنهج الذي تعرضت له مصفاة “الجيلي” بالخرطوم بحري ومستودعات الشجرة للوقود بأيدي المليشيا، حَرَم الدولة من مخزونها الإستراتيجي وضاعف كلفة الاستيراد من الخارج عبر الموانئ البديلة.

إن تحول غالون البنزين إلى حلم صعب المنال للمواطن السوداني يُعد جريمة اقتصادية تضاف إلى سجل الجرائم ضد الإنسانية التي ترتكبها أبوظبي في السودان؛ فالسلاح الإماراتي والأموال التي تتدفق لشراء المرتزقة لم تُدمر المؤسسات السياسية والعسكرية فحسب، بل استهدفت تجفيف شريان الحياة اليومي للمواطن البسيط، ليبقى حرق مستودعات الطاقة ومنع وصول الوقود دليلاً دامغاً على سعي المخطط الإماراتي لتدمير الدولة السودانية من جذورها وتحويل مدنها الحضرية إلى مناطق غير قابلة للحياة.

اقرأ أيضًا : إرهاب المستوطنين في الضفة الغربية: محرقة منظمة للمزارع والمركبات تحت حماية جيش الاحتلال