تغيير حجم الخط ع ع ع

العدسة – معتز أشرف

روابط مشجعي كرة القدم في مصر أو “الألترالس”، اسم يحضر بين وقت وآخر في المشهد السياسي المصري منذ ثورة 25 يناير على وجه التحديد، ولكن يشهد حضوره توترًا شديدًا في غرف الدولة العميقة في مصر، خاصة في جهاز المخابرات الحربية ووزارة الداخلية، على خلفية الاتهامات الموثقة من شباب الألتراس لهما بارتكاب مذابح ضد المشجعين في بورسعيد وقت إدارة الرئيس المصري المنتهية ولايته عبد الفتاح السيسي لجهاز المخابرات، وفي استاد الدفاع الجوي في القاهرة وقت تصدره مشهد السلطة بعد الإطاحة برئيسه الدكتور محمد مرسي،، وذلك عقابًا لهم على مشاركتهم في ثورة 25 يناير، وهو التوتر الذي وصل إلى خط اللارجعة بين الروابط والنظام العسكري الحاكم، بعد إصدار أحكام انتقامية ضدهم بوضعهم في قوائم الجماعات الإرهابية رغم أنّ التهمة تشجيع الكرة، مع استمرار الملاحقات الأمنية المستمرة لأعضائهم والقذف بهم خلف الأسوار أو ملاحقتهم في الملاعب والميادين أو إدخال 94 شابًا منهم مع سبق الإصرار والترصد إلى المقابر.. ولهذا قصة.

الصراع مستمر

جاء قرار نيابة أمن الدولة العليا الاستثنائية بحبس 13 من مشجعي نادي الزمالك “الوايت نايتس” 15 يوما مساء الثلاثاء الماضي بتهمة الانضمام إلى جماعة إرهابية، ليؤكد بحسب مراقبين حرص القضاء المحسوب علي نظام الرئيس المنتهية ولايته عبد الفتاح السيسي علي ملاحقة مستمرة لروابط المشجعين، تستخدم القانون في حصار روابط ارتبطت بثورة 25 يناير ارتباطا وثيقا وشكلت قوة شبابية لا يستهان بها، حيث تواجه اتهامات، ينفونها دائماً، بإثارة الفوضى بسبب مواقفها المعارضة للحكومات المتعاقبة منذ ثورة يناير 2011، التي أطاحت بالرئيس الأسبق حسني مبارك، ودائما ما تتعرض لانتقادات في وسائل الإعلام المحلية الموالية للنظام.

وفي 8 فبراير الجاري، ألقت السلطات الأمنية القبض على 13 من مشجعي نادي الزمالك أثناء رحلة في نهر النيل، تزامنا مع ذكرى مذبحة استاد الدفاع الجوي، شرقي القاهرة والتي وقعت فبراير  2015، والتي أسفرت عن مقتل 20 مشجعًا، ليجدوا أنفسهم تحت طائلة قانون يمنع التنزه في النيل بدعوى وجود نوايا لإحياء ذكري الاستاد، وهو ما يذكر بالصدام الحاد الذي وقع بين روابط المشجعين “ألتراس أهلاوي” و”الوايت نايتس الزمالك” مع الشرطة والجيش بسبب وقوع مذبحة استاد بورسعيد في فبراير  2012، والتي راح ضحيتها 72 مشجعا في أحداث عنف تلت مباراة لدوري كرة القدم بين ناديي المصري البورسعيدي والأهلي، والتي تسببت في إلغاء المسابقات المحلية لكرة القدم في ذلك العام، إضافة إلى منع المشجعين من حضور المباريات، قبل أن يسمح به بشكل جزئي في بعض المباريات بالاضافة إلى حادثة أستاد الدفاع الجوي التي وقعت في فبراير 2015 قبل مباراة نادي الزمالك وإنبي، لتجد الروابط نفسها في منتصف مايو  2015 أمام محكمة غير مختصة ومحسوبة على نظام السيسي، وهي محكمة القاهرة للأمور المستعجلة، والتي قامت بحظر روابط الألتراس على مستوى الجمهورية واعتبارها جماعة “إرهابية”.

صدام شديد

شهدت العلاقة بين الأمن والالتراس صدامات شديدة على خلفية مشاركتهم في ثورة 25 يناير/ 2011، وما أعقبها من أعمال عنف بينها أحداث شارع محمد محمود ومجلس الوزراء في شهري نوفمبر وديسمبر/ 2011 على الترتيب، ثم جاءت القاصمة في فبراير 2012 حينما وقعت أحداث استاد بورسعيد والتي أدت لوفاة 74 من مشجعي، ولم تشهد الفترة الأولى للظهور الواضح لروابط الألتراس في 2007 علاقة ودية مع الشرطة، حيث دأبت دوائر محسوبة علي نظام مبارك ثم الدولة العميقة علي تشويه كل مواقفهم خاصة مع اقتراب قيادات من روابط المشجعين من الشيخ حازم صلاح أبو اسماعيل المرشح الرئاسي الأسبق والمحبوس حاليا، واتهام بعضهم بالتواصل مع قيادات بجماعة الإخوان المسلمين واليسار المصري.

وفي دراسة بعنوانالألتراس والسلطة.. صراع الأضداد نشرتها مجلة الديمقراطية الحكومية في مصر، أكدت الدراسة أن ” ارتباكا أصاب السلطة فى مصر بعد شهور من ظهور مجموعات الألتراس فى المجال العام المصرى فى بدايات عام 2007، مجموعات شبابية شديدة التنظيم تحتل مساحة عامة – المدرج فى استادات كرة القدم –  لا تعلم السلطة عن ماهيتها وإمكانياتها شىء” مضيفة أن هناك محاولات متكررة من جانب السلطة ومؤسساتها فى مصر للقضاء على حضور مجموعات الألتراس فى المجال العام، أو على الأقل ترويضها وإخضاعها وتطويعها لتتحرك فقط فى المساحة التى تحددها لها السلطة، ومنع أى محاولة للخروج عن هذه المساحة، لأن هذا الخروج قد يشجع أطرافا أخرى على الخروج عن عباءة السلطة، وتحدى وجودها، وأسس شرعيتها فى المجتمع، وهو أمر الذي لا يمكن أن تسمح السلطة بحدوثه مجدداً، خاصة بعد الخروج الكبير عليها فى الخامس والعشرين من يناير”.

ووصفت الدراسة الوضع بين ” السلطة/الدولة” و”مجموعات الألتراس” بانه صراع وجود وصراع حدود مؤكدة أن  ظهور مجموعات الألتراس داخل الاستاد منذ عام 2007 مربكا  للسلطة/الدولة وجهازها القمعى ـ الشرطة ـ بكل معانى الكلمة، حتي جاءت ثورة يناير التي كانت بمثابة نقطة تحول كبيرة فى علاقة مجموعات الألتراس بالمجال العام فى مصر، وتحديدا في نهايات عام 2011، ففى هذه الفترة بدأت تشعر مجموعات الألتراس أن السلطة  تستهدف أعضاء المجموعات بصفتهم كأعضاء فى مجموعات الألتراس، خاصة مع استهداف شيكا عضو ألتراس وايتس نايتس، ومقتل كاريكا عضو مجموعة ألتراس أهلاوي،  وفى رد فعلها على هذا الأمر، بدأت المجموعات فى تنظيم فاعليات سياسية من قبيل المظاهرات والمسيرات من أجل المطالبة بالقصاص لزملائهم، ثم جاءت الحادثة الأكبر فى بورسعيد فى بداية شهر فبراير 2012، عندما تم قتل 72 عضوا من مجموعات ألتراس أهلاوى، فى حادثة تعتقد مجموعات الألتراس أنها تمت بتواطؤ أو تخطيط من الشرطة والنظام السياسى فى هذا الوقت من أجل تأديب أعضاء المجموعات وردعهم عن المشاركة في أي أحداث سياسية. وبعد الحادثة انخرطت مجموعات الألتراس بصفة عامة، ومجموعات ألتراس أهلاوي بصفة خاصة، فى سلوك احتجاجي كبير وواسع النطاق ضد السلطة/الدولة، حيث نظمت المجموعات اعتصاما أمام مجلس الشعب، ونظمت العديد من المظاهرات والمسيرات فى الشارع، وقامت المجموعة بالعديد من حملات التوعية فى الشارع لتعريف العامة بالقضية، كما اعتمدت المجموعات على العنف السياسي في محاولة لتصعيد ضغوطها على السلطة/الدولة من أجل محاسبة المسئولين عنها.

وفي دراسة بارزة للدكتورة أمل حمادة بعنوان  “متحدو السلطة”: الألتراس كقوة تعيد تعريف العلاقة بين الشارع والدولة، أكدت الباحثة أن الشارع الثوري  نظر لأعضاء الألتراس على أنهم خط الدفاع الفعال في صراع الشارع مع قوات الأمن. وقد ظهر هذا الدور بداية منذ 28 يناير وما جري فيه من مواجهات عنيفة في شارع قصر النيل وداخل ميدان التحرير، وبعدها فيما عرف بموقعة الجمل، ثم ما تبع ذلك من اعتداء على أهالي الشهداء والمصابين أمام جلسات محاكمة مبارك في أكاديمية الشرطة، ثم أحداث السفارة الإسرائيلية، ثم الجولة الأخيرة من المواجهات في ميدان التحرير في نوفمبر الماضي، أو ما عرف بمعركة محمد محمود، وهو الذي سبب نقم السلطة ضدهم، مشيرة إلى أن “جماعات الألتراس، بحكم تكوينها وقناعاتها الفلسفية، يمكنها تقديم نوع من الحماية للفئات الأضعف في مواجهاتها مع قوات الأمن، ولكنها غير قادرة على تقديم بدائل بناءة لرسم العلاقات الجديدة بين الدولة والشارع، وبالتالي، قد لا تكون قادرة على التحول إلى قوة سياسية، ولكنها قد تكون مفيدة لقوى سياسية موجودة، أو ستنشأ، تستطيع استيعاب المطالب السياسية والاقتصادية والاجتماعية للشارع، والتعبير عنه بشكل حقيقي”.

وبحسب مراقب ناشط يدعي عمرو الأنصاري قام بتغطية أنشطة روابط الألتراس الرياضية في مصر خلال سبع سنوات ووثقه في كتاب بعنوان “جمهورية الألتراس” فإن أعضاء هذه الروابط، شكل فيها ظاهرة سياسية وثورية لافتة، حيث كان لهم دور بارز في الفعاليات الجماهيرية، ولا سيما بعد ثورة 25 يناير، تزامنت مع العداء المستمرة بينها وبين وزارة الداخلية وأفراد جهاز الشرطة، ورفض كل محاولات الهيمنة أو تقييد الحرية، ومقاومتها أي شكل من أشكال الوصاية، والذي شهد تحولا من موقف رفض الاقتراب من السياسة إلى الاشتباك المباشر مع نظام مبارك، والتخطيط والمشاركة في ثورة يناير، ولعب دور محوري ومهم في إسقاط جهاز الشرطة في جمعة الغضب، ومقاومة الهجوم على ميدان التحرير يوم موقعة الجمل.

السيسي والألتراس

اسم السيسي يصحبه دومًا غضب في وسط قطاعات واسعة في الشعب المصري في هذه الأيام، بحسب تقارير متواترة، أما في روابط الألتراس فالاسم يثير غضبَا أكبر؛ حيث إنه على رأس قائمة المتهمين بتدبير مذبحة بورسعيد في 1 فبراير 2012، والتي راح ضحيتها 74 شابًا من رابطة مشجعي النادي اﻷهلي “أولتراس أهلاوي”، ثم ذكرى مذبحة استاد الدفاع الجوي، والتي وقعت فبراير  2015، فيما كان العفو مصيرهم في عهد الدكتور محمد مرسي بعد أن ساقهم المجلس العسكري إلى السجون العسكرية والعادية لمشاركتهم في الثورة.

 في فبراير 2014 وفي مقابلة تلفزيونية، خرج وزير الداخلية السابق- الذي كان على رأس الوزارة وقت المذبحة- بتصريحات اعترف فيها بتحمل أطراف أخرى في الأجهزة الأمنية جزءًا من مسئولية المجزرة، وكانت أجهزة الأمن وقتها تخضع لسلطة المجلس العسكري بالمجمل، أما الأمن الوطني وأجهزة المعلومات فقد كانت تخضع بعد الثورة لسلطة المخابرات الحربية، وهو ما أقرّ به مدير مباحث أمن الدولة اللواء حسن عبد الرحمن في اعترافاته أثناء محاكمته، بأنَّ تبادل المعلومات بين الأجهزة الأمنية كان يتم تحت رئاسة وإدارة المخابرات الحربية والاستطلاع منذ ثالث أيام الثورة الموافق ليوم 28 يناير 2011، وهو ما يشير، بحسب المراقبين، إلى تحمل عبد الفتاح السيسي المسئولية الجنائية، حيث ترأس المخابرات الحربية خلال فترة الثورة وما بعدها.