تغيير حجم الخط ع ع ع

لم يعد يهمني هذا الباب، لم أعد أقف بسيارتي أمامه ليدخل منه أحد أولادي كما كنا نفعل العام الماضي. انتقل اثنان من أولادي من مرحلة دراسية إلى التي تليها وأصبحا معاً بنفس الملبس ونفس المرحلة ونفس الباب.

بابا مرحلة الروضة ومرحلة الابتدائي، أمر عليهما في طريقي كل يوم لاصطحاب أولادي إلى المدرسة، ينزلان عند الباب الثاني معاً ثم يفترض بي أن أسرع بسيارتي وابتعد عن المدرسة. لكن شيئاً ما يستوقفني، تبتعد قدمي عن دواسة الوقود وتتعلق عيني بشيء على يمين الطريق، إنه الباب الأول!

عند باب الروضة يترجل الآباء يفتحون باب السيارة لصغارهم ثم يجثون على أقدامهم أمامهم يودعونهم وبصوت رقيق يحدثونهم، صغارهم شديدو الالتصاق بآبائهم تسبقهم دموع رافضة الاعتراف بحقيقة أنها لحظات افتراق وانفصال، يظل هكذا المشهد حتى مع مرور الأيام، هذه أم تأبى إلا أن تحمل على كتفيها إما صغيرها أو حقيبته، لا تقوى أن تسلمه للحياة فهو في ناظرها لا يزال يُحمَل، تقف تلوح له وهو لا يستطيع أن يمضي قدماً دون أن يظل متلفتاً ناظراً إلى أمه إلى أن تخبئه جدران المدرسة. كل شيء يمر بطيئاً.

أتساءل لماذا لا أرى كل هذا عند الباب الثاني، لماذا ينتهي المشهد سريعاً، باب يُفتح ثم ينزل منه شخص يبدو كبيراً، يغلقه خلفه باندفاع ثم يمضي ولا يلتفت أبداً خلفه، ربما ينبهه صوت كلاكس السيارة تذكره أمه أن قد مضيت دون أن تسلم علي، يشير سريعاً بيده ثم يمضي من جديد.

كيف بدأنا هناك وكيف انتهينا هنا؟ كيف يثير هذا الفارق بين الحال عند البابين شجوني إلى هذه الدرجة؟.

لن يكون هذان البابان يوماً مجرد نقطتين على طرفي قطعة مستقيمة ندرك أولها وآخرها ويظل أولادنا محصورين بينهما، بل هما نقطتان على بداية شعاع ينطلق كالسهم الضارب في أعماق الحياة، قد نعلم نحن الآباء بدايته لكننا نجهل تماماً إلى أين يحمل أبناءنا وينطلق!

أسمع أحيانا تعليقاً لأولادي يثير دهشتي، وأحياناً أرمقهم من بعيد دون أن يدروا، وأعجب من سهم أعمارهم الذي ينطلق مسرعاً مبتعدا عني وفي غفلة مني، وكأن لسان حالي يتمنى عليهم لو تمهلوا قليلاً في استقلالهم عني، ينتابك قلق كقلق ممتحنٍ يدون إجاباته على لوح من الثلج في يوم شديد الحر، هلا أعطيتموني فرصة ثانية أستجمع فيها أحلامي، وأتدارك فيها أخطائي لأزرع فيكم بذور الحق والخير؟! بذوراً قد لا أرى نبتتها، وقد تنبت ما لم أقصده من غرسي أبداً.

أمتار بين بابين قليلة يتغير معها الكثير، برح صغارنا فيها أماكنهم في الوقت الذي لم نبرح نحن الآباء فيه أماكننا، فقد تناقصت بالفعل أعداد كرات البلور كثيراً، تلك التي جسد بها شخص يدعى ريجي جوينر حياة أبنائنا من الميلاد وحتى تمام الثمانية عشر، حيث ملأ وعاء ب936 كرة بلورية هي عدد الأسابيع التي نملكها كآباء للتأثير على أولادنا لحظة ولادتهم، كان الوعاء ممتلئاً حتى الفوهة، ثم بمضي السنين نقص الوعاء كثيراً إذ لم يعد فيه إلا 468 كرة بلورية عند سن التاسعة، وكم خفق قلبي وأنا أشاهد الوعاء الثالث وقد بقي فيه 104 كرة فقط حتى يبلغ الصغير رشده.

تتمنى وأنت تشاهد الأوعية لو تجد ذلك الثقب الذي تتساقط منه البلورات فتجمعها ثانية بكفك لتعيدها ثانية إلى الوعاء لكن أنى لك هذا؟!

يكبر أبناؤنا وتظل حيرتنا حول ما قدمنا لهم وما نستطيع أن نقدمه كفرص باقية، قد لا ترضينا المحصلة، لكن حين سألتنا في أحد المرات مدربة فاضلة عن معيار نجاح مسيرتنا بوصفنا آباء مع أولادنا، من الحاضرات من قالت عندما أرى ابني صاحب نفسية سوية ومنهن من قالت عندما أرى صلته بالله قوية أو عندما أراه واثقاً من نفسه.

كنت قد سألت نفسي هذا السؤال قبل هذه المرة، وأنا أفتش عن هذا اليوم الذي أقر فيه عيناً بأنني قد ربيت فأحسنت، ومن بين بدائل مختلفة كنت أفكر، هل يوم دخولهم الجامعة أم يوم تخرجهم فيها؟ أم يوم قبولهم في وظيفة مرموقة؟ أم يوم يمسكون فيه يد شركاء حياتهم فرحين ملوحين لكل من خلفهم – حتى أنا –  تلويحاً يشكرونني فيه على كل ما فات، ويدعونني أن أجلس بعد طول قيام أن أنظري أمي ماذا سأفعل؟ وكيف سأنشئ بيت أحلامي؟.

ممتع كل ما سبق من بدائل، وأنت تفكر في كل مرحلة تسلم لها فلذة كبدك، لكن لم أجد في أي مما فات ما يطمئنني ويريحني كتلك الراحة والسعادة التي أتخيلها وأنا أَلقى جَمع أسرتي قد انتقل من اضطراب الدنيا ليستقر في فردوس الله الأعلى!  فأي حب ندعيه لأبنائنا يجعلنا غافلين غير مهتمين بزجهم إلى أمان الجنة والأمن يوم الفزع؟. وكيف لا ينشغل من جمعهم رباط حب في دنيا فانية قصيرة بمصير جَمعِهم في آخرة خير وأبقى؟.

سيأتي يوم تستقر فيه سهام أبنائنا في مصير لا يعلمه إلا الله، يوم تذهل فيه كل مرضعة عما أرضعت! وقبل أن يفرق بيننا حينها الذهول حري بنا أن نُحمِّل أبنائنا بزاد ينفعهم في رحلتهم مبتعدين عنا، يضمن مساراً صحيحاً لحياتهم، يزيل قليلاً غموضاً يكتنف مستقبلهم.

وحين تتوه مني الوسيلة لهذا وتعجزني الغاية أتذكر ما قالته لنا المدربة تعليقاً على إجاباتنا من أن مقدار نجاح الآباء هو مقدار سعيهم وفقط، وكم كان هذا مريحاً، طالما دخلت صدورنا أنفاس وخرجت لن نعدم السعي، ولن نمل التكرار حتى تنحني ظهورنا، ولن تيأسنا النتيجة، سيعطينا السعي قوة وإلهاماً، سنظل كهاجر قد لا نرى كيف الطريق ولكننا نسعى مؤملين في الله إلى أن يتفجر الخير من تحت أقدام أبنائنا تفجيراً.

الآراء الواردة في التدوينة تعبر فقط عن رأي صاحبها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر “العدسة“.