تغيير حجم الخط ع ع ع

 

ساعات قليلة فصلت بين إعلان حركة طالبان السيطرة على العاصمة الأفغانية كابول بعد احتلال أمريكي دام ٢٠ عاما كان يرفع شعارا واحدا وهو القضاء على أي آمال في بقاء حكم طالبان أو عودته مرة أخرى، لكن جرت الرياح بما لم تتوقع السفن الأمريكية يوما، وعادت طالبان مرة أخرى إلى صدارة الحكم في البلاد بتوسع غير مُصدق، مما شكل صدمة عالمية من القدرة الأمريكية المزعومة في فرض السيطرة على البلاد الأفغانية والتي أنفقت في سبيلها الولايات المتحدة تريليونات الدولارات وآلاف القتلى والجرحى في صفوف جيشها المُحتل.

والأكثر صدمة كان الانهيار السريع للقوات الحكومية التي يبلغ عددها أكثر من ٣٢٠ ألف عنصر، والتي أنفقت الولايات المتحدة عشرين عاما من الاحتلال في تدريبها وصناعتها على عينها بغية التصدي لآمال حركة طالبان الأفغانية في العودة للحكم، وهو ما حدث بالفعل رغم أنف الولايات المتحدة على ما يبدو.

وأمام هذه الانهزامية المفجعة للقوات الأمريكية وحلم الإمبراطورية المتوهم، لجأت الحكومة الأمريكية إلى حيلة التشويه للتخفيف من حدة هزيمتها، ولتحويل الأنظار من تحليل هزيمتها إلى البكاء على رحيلها عن البلاد التي ستنهار أحلام الحرية فيه، وستواجه الفتيات فيه الموت والقتل في الشوارع بشكل عشوائي وهمجي من قبل عناصر الموت التي تحمل شعار طالبان.

ولكن هذه الخدعة لم تنطلي على الكثير من المحللين السياسين، الذي رأووا في الأمر محاولة للقفز على الهزيمة المفجعة، لا سيما وأن الولايات المتحدة لم تدخل البلاد الأفغانية لحماية المرأة، وإنما لهدف معلن فشلت تماما وبشكل لا يحمل تأويلا في تحقيقه، وبالتالي فحديث الإعلام الأمريكي عن مستقبل المرأة الأفغانية يبدو غريبا وشاذا بحسب هؤلاء المحليين.

صحيفة بي بي سي البريطانية نشرت تقريرا مطولا بعنوان “أنا أفغانية. وأريد البقاء في بلدي”، قالت فيه إن عددا من النساء الأفغانيات يرون في الولايات المتحدة خائنا محتلا غدر بالكثير منهن، بحسب ما قالته الناشطة الأفغانية محبوبة سراج التي تشجع الفتيات الأفغانيات على البقاء في البلاد وعدم اللهث وراء سراب المجتمع الأمريكي الفريد الذي يبدو هو الآخر أكذوبة أمريكية أخرى.

ومنذ سنوات الاحتلال، تعمل محبوبة في دعم حقوق المرأة وحقوق الأطفال، وتترأس “مركز تطوير مهارات النساء الأفغانيات”، وهي منظمة يهدف عملها لتمكين النساء والفتيات في مجالات عدّة مثل محو الأمية والتوعية بقضايا العنف المنزلي.

وتقول محبوبة إن هذه ’الثورة الأمريكية المزعومة’ للانتصار لحقوق المرأة، إنما يحمل في داخله تسليعا أمريكيا للمرأة، ومحاولة لتوظيفها في الصراع السياسي لتبرير الفشل الأمريكي في البلاد، وإن كان لا يمنع قطعا من تخوفات حقيقية لدى المشتغلين بالقضية النسوية من النموذج الجديد للحكم في البلاد، لكن من غير المقبول أن يتم تحويل المرأة في العقلية الحكومية الأمريكية إلى أداة في التحوّل السّياسي، ومعيارًا رئيسًا في تقييم سلوك جماعاتٍ ودولٍ بعينها دون أخرى.

 

وتتابع محبوبة في حديثها المطول أنه إضافةً إلى ما في هذا المعيار الأمريكي الحكومي من تحيّز غير بريء تجاه المرأة؛ فإنّه يتضمّنُ أيضًا معنى صريحًا من معاني تسليع المرأة، والتّسليع السّياسي للمرأة لا يختلف في إساءته للمرأة من مجالات التّسليع الأخرى.

وبشكل عام، يمكن القول إنّ هذا التّسليع للمرأة يتزامن مع ما يمكن أن نسميه بـ “متلازمة التّنانير القصيرة” وهي متلازمة موجودةٌ في العقل الغربيّ والعقول العربيّة التي خضعت للتغريب بشكلٍ ممنهج وبيتمّ التعبير عنها من خلال نشر صور قديمة من أيّام الأبيض والأسود  لمجموعة من الفتيات أو الشّابات يرتدين التّنانير القصيرة في إحدى شوارع المدن المعروف عنها التوجه المحافظ أو المتديّن.

وقد فعلت وسائل الإعلام الغربيّة هذا مرارًا، فنشرت سي إن إن أكثر من مرة هذا النّوع من الصور ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر ما نشرته في موقعها النّاطق بالعربيّة يوم 6يونيو 2014م تحت عنوان “مظهر نساء أفغانستان؛ قبل وبعد وأثناء حكم طالبان” ونشرت العديد من صور الأبيض والأسود للنساء الأفغانيّات بالتّنانير القصيرة.

وبشكل عام، فإن أخطر ما في هذه المتلازمة أنّها تؤدّي إلى التّضليل من خلال تقديم تصوّر غير صحيح للمجتمع في ذلك الوقت، فوجود مثل هذه الصّور التي لا تعبّرُ إلّا عن حالاتٍ بالغة النّدرة، وإبرازها مع إخفاء غيرها في مجتمع يرزح تحت قيود الاستبداد السياسي والقبلي والاجتماعي يؤدّي إلى ترويجٍ تضليليّ لصورةٍ متخيّلةٍ للمجتمع تتناقض مع الصورة الحقيقيّة الواقعيّة له.

ومما يجب الإشارة إليه دائما هو أن الولايات المتحدة لم تدخل أفغانستان لنصرة المرأة ولا لتحريرها من قيود طالبان، وبالتالي فإن حديثها اليوم عن قضية المرأة باعتبار الولايات المتحدة كانت حامية النساء في المجتمع الأفغاني هو دعاية مفضوحة ومكشوفة لا هدف لها سوى التعمية على الهزيمة النكراء التي تعرضت لها مجددا في شرق آسيا بعد فيتنام، وهذه المرة كان عنوانها الذي لا يقبل الشك ولا التخذيل هو أفغانستان.