بين أنقاض المستشفيات المدمّرة وفي ظل حصار خانق يمنع دخول الدواء، يعيش مرضى السرطان والأمراض المزمنة في قطاع غزة معركة بقاءٍ يومية، تتجاوز آثار الحرب إلى خطر الموت البطيء. فقد كشف المدير العام لوزارة الصحة في غزة، الدكتور منير البرش، عن أن العجز في الأدوية الأساسية تجاوز 56%، فيما بلغت نسبة النقص في مستلزمات مرضى السرطان والأمراض المزمنة نحو 65%، محذّرًا من كارثة صحية هي الأكبر في تاريخ القطاع.

الدواء المفقود والموت المؤجل

الأرقام الصادرة عن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة تُظهر حجم الكارثة الصحية: 12,500 مريض بالسرطان يواجهون خطر الموت المباشر، فيما يحتاج 22 ألف مريض للعلاج خارج القطاع المحاصر، لكنهم ممنوعون من السفر. وتشير بيانات وزارة الصحة إلى أن 64% من أدوية السرطان نفدت بالكامل، وأن أجهزة التشخيص المبكر والمتابعة إما دُمّرت أو باتت خارج الخدمة بسبب الحصار ونقص الوقود.

وأوضح البرش في تصريحات لفقرة “نافذة إنسانية من غزة” أن الاحتلال الإسرائيلي يتعمّد حرمان المرضى من حقهم في الدواء، إذ سمح مؤخرًا بدخول نحو 60 شاحنة فقط “لا تحتوي على أدوية أساسية”، بل لا تمثل سوى 10% من احتياجات وزارة الصحة، في وقت تتفاقم فيه معاناة عشرات الآلاف من المرضى الذين يعتمدون على بروتوكولات علاجية متكاملة لا يمكن تنفيذها دون هذه الأدوية.

ويضيف أن ما يجري “إبادة صحية مكتملة الأركان”، فإسرائيل لا تكتفي بتدمير المستشفيات بل تمنع كذلك إدخال الأدوية والمستلزمات الطبية، وتمنع خروج المرضى للعلاج في الخارج.

استهداف متعمّد للبنية الصحية

تدمير الاحتلال للمستشفى الوحيد المخصّص لعلاج السرطان في غزة، مستشفى الصداقة التركي الفلسطيني، مثّل ضربة قاصمة للقطاع الصحي، إذ كان هذا المستشفى بمثابة العمود الفقري لعلاج الأورام. وبسقوطه، فقد آلاف المرضى فرصة العلاج، إذ لم يعد هناك مركز بديل قادر على توفير العلاج الكيميائي أو الأشعة أو حتى متابعة الحالات المزمنة.

ويقول البرش إن “نقص الأدوية هو أحد أخطر مظاهر الانهيار الصحي في غزة”، مشددًا على أن العدوان لم يكن عسكريًا فقط، بل صحّيًا وإنسانيًا ممنهجًا، يستهدف حرمان الفلسطينيين من أبسط حقوقهم في الحياة والعلاج.

شهادات من داخل المعاناة

بين القصص المؤلمة التي نقلتها التقارير، شهادة الطفل محمد كمال أبو هادي الذي يعاني من شلل دماغي وسرطان في الدم منذ سبع سنوات. والده يروي أن ابنه كان يخضع للعلاج في مستشفى الرنتيسي قبل الحرب، لكن تدمير البنية الصحية وانقطاع الدواء جعله اليوم بلا علاج ولا أمل، بينما تتدهور حالته يومًا بعد يوم.

أما محمود عبد الكريم (55 عامًا)، فيحكي معاناته مع فشل كلوي وسرطان في البروستاتا، قائلاً إنه كان يجري غسيل كلى لمدة أربع ساعات يوميًا قبل الحرب، لكن بعد تدمير المراكز الصحية لم يعد يحصل إلا على ساعة واحدة من الغسيل، ما أدى إلى تدهور خطير في صحته.

هذه الشهادات تجسّد واقع أكثر من 350 ألف مريض مزمن في غزة، وفق تقديرات وزارة الصحة، يعانون من أمراض القلب والسكري والضغط والفشل الكلوي والسرطان، وجميعهم مهددون بالموت نتيجة الحصار الطبي المستمر.

جرائم حرب تتجاوز القصف

تؤكد وزارة الصحة أن استهداف القطاع الطبي في غزة يدخل ضمن جرائم الحرب التي نصّت عليها اتفاقيات جنيف، حيث يعتبر حرمان المدنيين من العلاج والأدوية جريمة ضد الإنسانية. ووفق تقارير حقوقية، فإن الجيش الإسرائيلي لم يكتفِ بتدمير المستشفيات، بل استهدف سيارات الإسعاف ومنع الإمدادات الطبية من الوصول إلى المستودعات، ما جعل المرضى يعيشون تحت “عقوبة موت بطيء”.

ويصف البرش هذا الواقع بأنه “إعدام جماعي صامت”، إذ دمّر الاحتلال المراكز الصحية والمعلومات الطبية وقواعد بيانات المرضى، ما صعّب حتى من تتبّع حالاتهم أو معرفة من يحتاج إلى علاج عاجل. كما أن عشرات الأطباء والممرضين استُهدفوا أو اُعتقلوا خلال عملهم الإنساني.

المجتمع الدولي وصمته المريب

رغم التحذيرات الصادرة عن الأمم المتحدة ومنظمات الصحة العالمية بشأن “الانهيار الكامل للنظام الصحي في غزة”، فإن الاستجابة الدولية ما تزال “رمزية وضعيفة”، وفق وزارة الصحة. فالقوافل التي تدخل عبر معبر رفح أو كرم أبو سالم لا تحتوي على ما يسدّ الحاجات الأساسية، في وقت يستمر فيه الحصار على الوقود الذي تحتاجه المستشفيات لتشغيل الأجهزة الحيوية.

ويرى مراقبون أن ما يجري في غزة هو شكل جديد من الإبادة الجماعية، يعتمد على التجويع والحرمان من الدواء كوسيلة لإخضاع السكان. فبينما توقّف القصف المكثّف في بعض المناطق، يستمر القتل بوسائل أخرى، أبرزها قطع الإمدادات الحيوية عن المدنيين.

خاتمة: إبادة صامتة وضمير غائب

في ظل هذا الواقع القاتم، لا يملك مرضى غزة سوى الانتظار؛ انتظار شاحنة دواء لا تصل، أو معبر لا يُفتح، أو قرار دولي لا يُنفّذ. وبينما تُعقد المؤتمرات وتُرفع الشعارات عن “الحق في الحياة”، يموت العشرات بصمت في خيام النزوح أو على أسرّة المستشفيات المتهالكة.

إنّ الاحتلال الإسرائيلي يمارس جريمة إبادة صحية مكتملة الأركان بحق سكان غزة، مستخدمًا الحصار سلاحًا قاتلًا، بينما يقف العالم متفرجًا. وبينما تموت أجسادهم، تبقى أرواحهم شاهدة على زمن يُقاس فيه الضمير الإنساني بعدد قوارير الدواء الممنوعة من العبور.

اقرأ أيضًا : فزع أممي من فظائع الدعم السريع بالفاشر .. وأبوظبي في تغذية آلة الحرب