تغيير حجم الخط ع ع ع

العدسة: محمد العربي

لم تكن رسالة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أثناء انتخابات الكونجرس في أكتوبر الماضي، للعاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز، أنه لولا الحماية الأمريكية لما استمر في مكانه أكثر من أسبوعين، إلا تعبيرا صادما عن حال العالم كله في ظل العهد الأمريكي منذ انهيار الاتحاد السوفيتي.

ترامب نفسه أصبح مهددا الآن، أكثر من أي وقت مضى بالرحيل من البيت الأبيض نتيجة التدخلات الروسية في الانتخابات الرئاسية التي شهدتها أمريكا وجاءت بترامب على حساب هيلاري كلينتون، التي يعتبرها البعض الرئيس الحقيقي للولايات المتحدة، وليس ترامب.

وحسب التقديرات فإن لجنة التحقيق التي تديرها الأغلبية الديمقراطية بالكونجرس حول الانتخابات الرئاسية، تضييق الخناق كل يوم على ترامب، من أجل رحيله قبل إتمام مدته الرئاسية، إلا أن أسوء التقديرات تشير إلى أن الرئيس المثير للجدل والسخرية في الوقت نفسه، إذا لم يرحل مطرودا من البيت الأبيض، فإنه سوف يرحل خاسرا في الانتخابات الرئاسية التي تشهدها أمريكا العام المقبل، إلا إذا كان للشعب الأمريكي رأي آخر في حاكمه المتهور.

وفي كلتا الحالتين فإن هناك مترقبين لما ستؤول إليه أحوال ترامب، سواء بالقاء أو الرحيل، أو إن جاز التساؤل فمن هم الرابحين والخاسرين من بقاء أو رحيل ترامب.

العرب بالمقدمة

وحسب العديد من التحليلات التي تناولت علاقات ترامب السياسية، فإن الأنظمة العربية بمصر والسعودية والإمارات هي الأكثر حرصا على بقاء ترامب نتيجة الشراكة السياسية التي دشنوها معه في القمة الإسلامية الأمريكية التي عقدت بالرياض عام 2017، والتي اعتبرها البعض أنها كانت بمثابة الختم الأمريكي على بزوغ نجم ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، باعتباره الحاكم القادم لعرش المملكة التي تعد أهم شركاء أمريكا في المنطقة بعد إسرائيل.

وتشير المتابعات المختلفة أن هذه القمة كانت كاشفة للسياسات الأمريكية العربية المشتركة في المنطقة، سواء من حيث التطبيع مع إسرائيل، أو منح الأنظمة الإنقلابية ختم الشرعية الدولية كما هو الحال مع نظام عبد الفتاح السيسي، أو بالموافقة على المزيد من الحروب التي تحقق مصالح خاصة لدولة مثل الإمارات التي تسيطر على مقومات اليمن لصالح الشريك الأمريكي.

شهادة أمريكية

وحسب مقال نشره موقع “ذا هيل” للنائب الأمريكي كيري كونولي تعليقا على جولة وزير الخارجية مايك بومبيو للمنطقة العربية وخطابه بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، فإن تصريحات بومبيو تعد واحدة من أكثر العروض فظاظة لوزير خارجية في الذاكرة الحديثة، بعد أن دعا الوزير للاعتراف بالحقيقة وإدانة سياسات الإدارة الأمريكية السابقة لباراك أوباما في الشرق الأوسط، وقدم الضمانات بأنه تحت إدارة ترامب، يمكن مرة أخرى الاعتماد على أمريكا باعتبارها “قوة للخير في الشرق الأوسط.

وعقد النائب الديمقراطي في مقاله سلسلة من المقارنات حول موقف الإدارة الأمريكية، مشيرا إلي أن الذين يمكنهم الاعتماد على الإدارة الأمريكية هم:

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان (MBS) الذي أمر بالقتل الوحشي وتقطيع أوصال الصحفي المقيم في الولايات المتحدة والمشهور عالميا جمال خاشقجي. وعلى الرغم من تقييم الاستخبارات الأمريكية بأن ولي العهد السعودي أمر باغتيال خاشقجي، فقد سمح ترامب لولي العهد بالتهرب من العدالة، وحسب الوزير بومبيو فإن الإدارة تتوقع من السعودية أن تحاسب “كل شخص” مسؤول عن مقتل خاشقجي، بينما كان مخطط الاغتيال يبتسم بجواره، في إشارة لمحمد بن سلمان.

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الذي يشن حملة قمع غير مسبوقة ضد معارضيه، ويرتكب عددا لا يحصى من انتهاكات حقوق الإنسان باسم القضاء على الإرهاب، على الرغم من توجيه السيسي لقواته الأمنية لقتل أكثر من 800 متظاهر في واحدة من أكثر عمليات القتل الجماعي دموية في العصر الحديث، فقد منح الرئيس ترامب الجنرال السيسي زيارة رسمية للبيت الأبيض، وأشاد به على قيامه بعمل رائع وفي غاية الأهمية”، كما أشاد بومبيو بجهود السيسي لتعزيز الحرية الدينية، في حين تواصل حكومته النظر في الاتجاه الآخر عندما يقع العنف ضد الأقليات الدينية، وخاصة المسيحيين الأقباط.

روسيا وإيران، حيث تتنافس على النفوذ في سوريا وتدعم النظام القاتل للرئيس السوري بشار الأسد

ويضيف النائب الأمريكي: “لكن في المقابل، فلا يمكن الاعتماد على هذه الإدارة إذا كانت الأمور متعلقة بلجين الهذلول، الناشطة السعودية في مجال حقوق الإنسان التي تم سجنها وتعذيبها بعد الدعوة لرفع الحظر على قيادة النساء، ولا يمكنك الاعتماد على هذه الإدارة إذا كان الجانب الآخر هو الناشط المصري علاء عبد الفتاح، الذي تم اعتقاله بسبب كتاباته عن انتهاكات حقوق الإنسان من قبل الشرطة وقوات الأمن، كما لا يمكنك الاعتماد على هذه الإدارة إذا كان الأمر يتعلق بالسكان الأكراد في قرية في شمال سوريا، مطالبا الكونجرس بأن يدافع عن القيم الأمريكية، بعد أن تراجعت إدارة ترامب في ذلك.

إسرائيل الحاضرة

وتشير التحليلات إلي أن إسرائيل من أكثر المستفيدين من بقاء واستمرار ترامب، ففي عهده تم نقل السفارة الأمريكية للقدس، بعد الاعتراف بها كعاصمة لإسرائيل، كما ضغطت إدارة ترامب على حكام الخليج العربي من أجل إنهاء التطبيع مع إسرائيل، وهو ما استحق إشادة خاصة من بومبيو خلال كلمته بالقاهرة، كما أن الدعم الأمريكي شجع إسرائيل على قصف دمشق أكثر من مرة، وهو الدور الذي كانت ترفضه الإدارة الأمريكية السابقة.

وفي عهد ترامب أيضا شهدت القضية الفلسطينية أسوء فتراتها بعد طرحه لصفقة القرن، في إطار حل الدولتين بما يحمي حدود إسرائيل، كما أنها المرة الأولي التي تقوم فيها الإدارة الأمريكية بمنع مساعداتها عن الأونروا كوسيلة ضغط لقبول الفلسطينيين بالحل الأمريكي.

روسيا المتحكمة

وتعد روسيا من أكثر المستفيدين من بقاء ترامب نتيجة الموقف المتناغمة بين الرئيسين ترامب وبوتين، وهي المواقف التي دفعت ترامب للانسحاب من سوريا، بعد تخليه عن فكرة رحيل الأسد، بل والدفع في اتجاه إعادته للحضن العربي مرة أخري، ومن أجل ذلك بدأت الأنظمة المغضوب عليها أمريكيا في التقرب لبشار مبكرا من أجل نيل الرضا الأمريكي كما حدث من الرئيس السوداني عمر البشير,

وحسب وصف الإعلام الأمريكي فإن الرئيس الروسي بات هو المتحكم في البيت الأبيض، وهو ما يزعج عدد كبير من السياسيين الأمريكيين والأوربيين، الذين باتوا على قناعة أن تحالف بوتين وترامب سوف يضع العالم تحت رحمة الجشع الروسي، وخاصة فيما يتعلق بالاتفاقيات المتعلقة بنشر الصواريخ النووية.

وعلى حد تعبير مديرة الحملة الدولية لإلغاء الأسلحة النووية بياتريس، فإنه يجب على المجتمع الدولي أن يكف عن اتخاذ موقف المتفرج لكي تقرر الولايات المتحدة وروسيا مصير معاهدة الصواريخ النووية متوسطة المدى، وخصوصاً أوروبا.

المستفيدون كثر

أما قائمة المستفيدون من رحيل ترامب، فإن تقديرات المتابعين أجمعت أن الشعوب العربية ستكون الأكثر استفادة، خاصة وأن الدعم غير الطبيعي الذي قدمته إدارة ترامب لأنظمة الحكم بمصر والسعودية والإمارات، كانت سببا في زيادة الانتهاكات المتعلقة بحقوق الإنسان داخل هذه البلدان، وانطلاقا من ذلك فإن رئيس الإنقلاب بمصر عبد الفتاح السيسي وولي العهد السعودي سوف يفقدان الكثير من الدعم الأمريكي برحيل ترامب عن البيت الأبيض.

ويضاف للقائمة حسب المراقبين النظام الإيراني الذي تقوم إدارة ترامب بتجييش العالم ضد الوجود الإيراني في الخليج العربي، بينما الحقيقة هو تخوف إسرائيل من تنامي القدرات النووية الإيرانية، وهو نفس السبب الذي يستخدمه ترامب للحصول على المزيد من أموال حكام الخليج.

وينضم للقائمة أيضا الرئيس التركي أردوغان الذي دخل في عدة أزمات مع الرئيس الأمريكي، سواء كان السبب الوضع في سوريا، أو كان الأمر متعلقا بالقس الأمريكي الذي اتهمته أنقرة بدعم الإنقلاب الفاشل على الرئيس أردوغان، والرد الأمريكي بفرض عقوبات اقتصادية على أنقرة.

ويرى المراقبون أن دول الاتحاد الأوروبي ليسوا بعيدا أيضا عن هذه القائمة، خاصة وأن ترامب كسر كل القواعد البرتوكولية في تعامله مع نظراءه الأوروبيين، والذي بات غروره وصلفه وتهوره يدفعهم لكثير من الأزمات، خاصة بعد أن طلب صراحة أن تدفع أوروبا نظير الدفاع عنها وحمايتها.