تغيير حجم الخط ع ع ع

في ديسمبر/ كانون الأول الماضي، صدر قرار من المجلس الأعلى للإعلام بمنع المذيع أسامة كمال، المؤيد لنظام عبد الفتاح السيسي، من الظهور على شاشات التلفاز المصرية لمدة أسبوعين، إضافة إلى تغريم قناة المحور الخاصة التي تبث برنامة كمال عبر شاشتها بمبلغ 100 ألف جنيه مصري.

وأتى القرار إثر شكوى تقدمت الشركة المصرية للاتصالات، والتي ادعت فيها تضررها من إحدى فقرات برنامج أسامة كمال، وتحديدًا فقرات يكشف فيها عن “أضرار بليغة ستلحق بمكانة مصر، كنقطة عبور مركزية استراتيجية لكابلات الإنترنت البحرية الدولية لصالح إسرائيل”.

 

  • أهمية الدور المصري في الكابلات البحرية..

 

ولمصر دور هام في مسألة الانترنت، فهي تعتبر أحد أهم مراكز مرور الكابلات البحرية التي تنقل الإنترنت عبر العالم، فمصر وحدها يمر عبر جغرافيتها نحو 24 كابلًا، حسب خريطة الكابلات العالمية، أي أن مصر يمر عبرها نحو 17 في المئة من إجمالي الكابلات البحرية حول العالم، وهو ما يجعلها في المركز الثاني بعد الولايات المتحدة من حيث عدد عدد الكابلات التي تمر عبر نطاقها الجغرافي.

وبالتالي، فإن لمصر مكانة استراتيجية في هذا الملف، كما أن هذه المكانة تدر عليها عائدًا اقتصاديًا ضخمًا، لكن هذه المكانة وذلك العائد أصبحا اليوم في خطر حقيقي، وذلك بسبب مشروع “بلو رامان” الذي يهدف إلى إنشاء كابل بحري يربط بين الهند وإيطاليا، ويمر عبر الأردن والسعودية والكيان الإسرائيلي وسلطنة عمان، ولا يقترب من المياه الإقليمية المصرية.

وقد أدى التطبيع الإماراتي مع دولة الاحتلال، وفشل النظام المصري وبيروقراطيته وسوء إدارته، وسوء الخدمة وارتفاع الأسعار، إلى تهديد المكانة المركزية والاستراتيجية لمصر في الكابلات البحرية.

ومن المفهوم أن دولة الاحتلال الإسرائيلي تسعى إلى تحجيم الدور المصري في ملفات عديدة، ومن أهمها كونها مركزًا مهمًا للكابلات البحرية في المنطقة والعالم، وهو ما أوردته صحيفة وول ستريت جورنال في تقرير لها نهاية العام الماضي.

وحول تهديد مشروع بلو رامان على مصر، ذكر التقرير أن “المشروع فيه تهديد لمصر باعتبارها واسطة عقد للاتصالات في العالم، ومركز رئيسي لمرور الكابلات البحرية، وسيربط المشروع بين الأعداء التاريخيين، ويفتح ممرا جديدا لحركة الإنترنت”.

وإتمام هذا المشروع يأتي وفقًا لخطة شركة جوجل بإنشاء كابل بحري بين الهند وإيطاليا، وهو ما يمثل ضربة لمصر باعتبارها مركز يمر عبره اتصالات الإنترنت حول العالم، وهي الخطة التي أزعجت مصر بشدة، لا سيما وأن موقعها الجغرافي المتميز بين أوروبا وآسيا، جعلها نقطة اتصال مركزية غاية في المثالية لشبكة الانترنت العالمية، وكانت هذه النقطة بعيدة عن النزاع والمنافسة، حتى أقحم الكيان الإسرائيلي نفسه منخرطًا في مشروع بلو رامان.

وطيلة السنوات الماضية، استفادت الشركة المصرية للاتصالات من الميزة الجغرافية التي تحظى بها مصر، وبهذه الميزة اكتسبت حصصًا جديدة في الكابلات البحرية، كما أنها شرعت في بناء كابلات جديدة.

علاوة على أنها باتت شريكًا في العديد من الكابلات التي تمر عبر النطاق الجغرافي المصري، كما أنها تمتلك عددًا آخر من الكابلات.

جدير بالذكر أن الغالبية العظمى من الكابلات البحرية تعمل من آسيا إلى أوروبا، ومن البحر الأحمر إلى البحر المتوسط، وكل ذلك مصر تشارك فيه بفضل موقعها المتميز.

ووفقًا لوسائل إعلام عربية، لا ينفك هذا المشروع عن التطبيع الإسرائيلي مع دول الخليج، ويقول مراقبون إن إسرائيل تمهد لإنشاء حلف واسع يشمل اليونان والإمارات والهند، وكذلك السعودية التي زارها نتنياهو سرًا في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي. وهذا الحلف يتعاون بشكل رئيس مع تل أبيب في مشروعها الاستراتيجي المتعلق بالكابلات البحرية.

 

  • مشروع “بلو رامان”..

 

مشروع بلو رامان الذي يمثل منافسًا وبديلًا قويًا لمصر، هو كابل بحري طوله 5000 ميل لنقل الانترنت، وتبلغ تكلفته نحو 400 مليون دولار.

وينقسم المشروع إلى قسمين؛ القسم الأول هو بلو، وهو الذي ينطلق من مدينة جنوا في إيطاليا، مرورًا بالبحر المتوسط والكيان الصهيوني. أما القسم الثاني فهو رامان، نسبة لاسم عالم فيزياء هندي حصل على جائزة نوبل، ويبدأ هذا الخط من مقاطعة مومباي في الهند، مرورًا بالمحيط الهادي ثم سلطنة عمان، ووصولًا إلى السعودية.

ومن ثم يلتقي القسمان في عند العقبة الأردنية، وهو ما يعد تهديدًا استراتيجيًا لمصر.

 

  • خسائر مصر حال تنفيذ المشروع..

 

وفي تقرير نشره موقع DW الألماني، في 18 إبريل/ نيسان العام الماضي، تحدث فيه عن الخسائر التي ستتكبدها مصر بسبب المشروع، وجاء فيه: ” ستخسر مصر استثمارات المشروع، إضافة إلى رسوم العبور الممول من غوغل تليكوم إيطاليا والاتصالات العمانية، وستصبح إسرائيل مركزا مهما على شبكة غوغل للألياف البصرية”.

في مايو/ آيار 2014، أعلن وزير الاتصالات المصري حينها، عاطف حلمي، خلال مؤتمر البورصة الأول للطروحات العامة الأولية، أن “مصر ثاني أكبر دولة في العالم في عدد الكابلات البحرية، التي تمر بها والتي تصل إلى 17 كابلا”.

وأضاف: “من بينها كابل سي مي وي 4، كابل سي مي وي 3، كابل فلاج، كابل تايكو، كابل أليتار، بالإضافة إلى كابل تمتلك فيه المصرية للاتصالات حصة قدرها 50 مليون دولار ويربط بين بريطانيا والهند، كابل جلوبال كروسنج، كابل مارسيليا”.

وأردف: “توجد أيضا مجموعة الكابلات، التي تنطلق من الأراضى المصرية، وتضم كابل الشركة المصرية للاتصالات (تى إى نورث، وكابل تحالف يضم عدة شركات تحت اسم الشركة العربية للكابلات البحرية، وكابل شركة الشرق الأوسط للكابلات البحرية، التي تمتلك أوراسكوم تيليكوم حصة فيه)، بأطوال 160 ألف كيلو متر”.

وحسب ما أعلنه الوزير آنذاك، تبلغ إيرادات مصر الاقتصادية من تلك الكابلات إلى نحو 142.8 مليون دولار أمريكي.

لكن هذه الإيرادات قد تصاعدت خلال السنوات السابقة، فقد “حققت الشركة المصرية للاتصالات المملوكة للحكومة إيرادات تجاوزت 2.9 مليار جنيه أي 184 مليون دولار كعوائد خلال عام 2019 وحده من الكابلات الدولية”، وفق ما أورده موقع “إنتربرايز” الاقتصادي، في يوليو/ تموز الماضي.

وللدلالة على الأهمية الاستراتيجية لتلك الكابلات بالنسبة لمصر، جاء في تقرير الموقع أن “ما يقرب من ثلث سكان العالم يعتمدون على مصر للوصول إلى الإنترنت”. 

وفي إشارة إلى سوء الإدارة المصرية وضعف الخدمة، قال التقرير: “وتفرض مصر رسوم عبور هي من الأعلى عالميا، والشركات المالكة للكابلات غير راضية عن الرسوم المرتفعة للغالية”.

 

  • فشل الإدارة المصرية..

 

وهي النقطة  التي لا بد من التركيز عليها في إطار تعاطينا مع المشروع، فالعوامل الخارجية ليست لوحدها مصدر التهديد الرئيس لمصر في مسألة الكابلات البحرية، لكن سوء الإدارة والبيروقراطية الحكومية الفاشلة جعلت مصر لا تستغل مواردها المتاحة لها بأفضل صورة ممكنة، ولم تقدم أفضل ما لديها من خدمات، كما أنها لم تتمكن من الوصول إلى نقطة تحقيق ميزة تنافسية كبيرة لشركات الإنترنت.

وهو ما عبرت عنه بوضوح دراسة أعدها مركز الإمارات للسياسات في يناير/ كانون الثاني 2021، حيث ورد فيها: “تفقد مصر ميزتها التنافسية كمعبر لكوابل الإنترنت الدولية بعد دخول إسرائيل منافسا لها، عبر تقديم نفسها معبرا بديلا أقل سعرا وأقصر طريقا من مصر”. 

وأضافت: “كما أنها معبر غير مزدحم مثل مصر التي يتم الترويج لكونها نقطة اختناق للكابلات البحرية العالمية يفضل تفاديها مستقبلا، خاصة في ظل التوجه الإسرائيلي الحالي لتطبيع العلاقات مع العديد من الدول العربية”.

وأردفت: “وهو الأمر الذي سيمكن تل أبيب من إحداث شراكات في مجال عبور الكابلات البحرية لم تكن تستطيع القيام به في السابق في ظل الأوضاع الجيوسياسية التي كانت تفرض عدم وجود علاقات تجارية واقتصادية معلنة بين إسرائيل ومعظم الدول العربية”.

اقرأ أيضًا: لماذا قادت الإمارات حملات التشهير الإعلامي بانسداد قناة السويس؟