تغيير حجم الخط ع ع ع

 

أحمد حسين

على شاكلة قراراته المثيرة للجدل، خرج الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي على المصريين بفرمان جديد، ليس موجها هذه المرة لجموع الشعب وخاصة طبقاته المطحونة.

القرار الجديد يمس في المقام الأول طبقة المسؤولين الكبار في الدولة من رئيس الوزراء وحتى نواب الوزراء ورؤساء الأجهزة الرقابية والأمنية ونوابهم ورؤساء الشركات والهيئات العامة، حيث ربط السيسي سفر كبار المسؤولين في مهام رسمية بالخارج بالحصول على تصريح سفر بموافقة الرئيس الشخصية.

القرار الرئاسي نشرته الجريدة الرسمية ونقلته وكالة أنباء الشرق الأوسط المصرية، الثلاثاء، بشأن “تنظيم سفر كبار العاملين بالدولة في مهام رسمية أو لأعمال تتعلق بالوظيفة”.

نص القرار في مادته الأولى على أنه يكون الترخيص بالسفر للخارج في مهام رسمية أو لأعمال تتعلق بالوظيفة بقرار من الرئيس لكل من رئيس الوزراء ونواب رئيس الوزراء ووزراء الدفاع والداخلية والخارجية والعدل ورؤساء الهيئات المستقلة والأجهزة الرقابية والأمنية ونوابهم”.

القرار الرئاسي نص أيضا على أن يرخص رئيس الوزراء بالسفر للخارج في مهام رسمية أو لأعمال تتعلق بالوظيفة لمسؤولين آخرين هم “الوزراء من غير المذكورين بالمادة الأولى ونواب الوزراء والمحافظين ونواب المحافظين ورؤساء المجالس القومية والهيئات العامة والشركات القابضة والأجهزة التي لها موازنات خاصة”.

غموض يزيد التكهنات!

وكالعادة أيضا مع غياب أي توضيح أو تفسير رسمي لقرارات السيسي المباغتة، تنتعتش بورصة التكهنات بحثا عن اجتهاد شخصي قد يضع القرار في نصابه الصحيح ويكشف أغراضه الحقيقية، بعيدا عن تلك التي يروج لها بعض الإعلاميين المحسوبين على السلطة.

قد لا تجد تلك الادعاءات التي يروج لها هؤلاء الإعلاميون صدى لدى رجل الشارع العادي، فليس منطقيا بالنسبة للسيسي الذي يبني أكبر مسجد وكنيسة بالشرق الأوسط في الصحراء، أن يتخذ مثل هذا القرار توفيرا للنفقات.

(ربما يسعى السيسي للتحكم وليس مجرد السيطرة على كبار المسؤولين)

ومن بين التكهنات التي سيطرت على آراء المتابعين، سعى السيسي إلى إتمام تحكمه في مصائر كبار رجال الدولة ومسؤوليها، على نحو يشعرهم دوما بأن سيف الرئيس مسلط على رقابهم في كل حين.

التحكم هنا قد لا يكون بمعنى السيطرة، حيث يدين جميع هؤلاء بالولاء للسيسي الذي يستطيع بجرة قلم أن يطيح بأكبرهم من موقعه، ولكنها قبضة حديدية مهيمنة ليس على مستقبلهم السياسي أو أدوراهم في سلم الحكم، بل على حريتهم الشخصية ورغبتهم في السفر والتنقل، وكأنها إقامة جبرية فرضها الرئيس على كبار المسؤولين.

وبما أن القرار شمل رؤساء الأجهزة الرقابية التي يحق لها دستوريا محاسبة الرئيس وعائلته، فإن الأمر قد ينطوي على رغبة في تقييد حركة هؤلاء المسؤولين والتي ربما تحمل خطورة على الرئيس والدائرة الضيقة المحيطة به.

لا يثق بأحد

من تلك النقطة تنطلق تكهنات أخرى تربط بين قرار السيسي وما بات يسيطر عليه من حالة انعدام ثقة بمن حوله، مهما كانوا من المقربين، عدم ثقة لا تترجم بإعفاءات أو إقالات بل بخشية أن يقدم أحدهم على ما قد يضر السيسي وهو خارج البلاد بعيدا عن قبضة يده.

ولعل مسألة عدم ثقة السيسي فيمن حوله ليست جديدة، بل تتكرر في مناسبات عدة ويجتهد الرئيس ذاته في إثباتها، سواء على مستوى المسؤولين العسكريين أو المدنيين، وذلك منذ توليه مقاليد الحكم قبل نحو 5 سنوات.

في أكتوبر 2017، أطاح السيسي بشخص أبعد ما يكون عن توقعات الإقالة، بل كان يوصف بالذراع الأيمن للرئيس منذ الإطاحة بالرئيس الأسبق محمد مرسي في يوليو 2013.

تفاجأ الجميع بإقصاء الفريق محمود حجازي – صهر السيسي – من رئاسة أركان حرب القوات المسلحة، أعلى وأبرز المناصب العسكرية الميدانية، بعد أن اعتقد الجميع أن حجازي هو الصديق الصدوق للسيسي.

(السيسي فاقد الثقة قطع ذراعيه)

وفي يناير 2018، أطاح السيسي برئيس جهاز المخابرات العامة اللواء خالد فوزي الذي شغل منصبه في ديسمبر 2014، وكلف مدير مكتبه اللواء عباس كامل بمهامه قبل أن يقلده المنصب رسميا بعدها بأشهر.

عام 2018 شهد لوحده تغيير 12 قيادة عسكرية، أنهاه بإقالة مدير المخابرات الحربية اللواء محمد فرج الشحات، وعيّن بدلا منه قائد الجيش الميداني الثاني اللواء أركان حرب خالد مجاور.

وخلال حركة التنقلات ذاتها، نُقل قائد المنطقة الغربية العسكرية اللواء شريف فهمي بشارة إلى منصب مدير أكاديمية ناصر للعلوم العسكرية، ومدير الكلية الحربية اللواء أركان حرب جمال أبو إسماعيل إلى وظيفة مساعد وزير دفاع، وقائد قوات حرس الحدود اللواء أركان حرب باسم رياض إلى وظيفة مساعد وزير الدفاع.

التغيير الأهم خلال 2018 جاء بعد نحو شهرين من إعلان فوز السيسي برئاسة مصر لولاية رئاسية ثانية، وذلك يوم 14 يونيو الماضي، حيث أطاح بشريكه في الإطاحة بحكم الإخوان الفريق أول صدقي صبحي ضمن تغيير وزاري كبير شمل بعض الوزارات الرئيسية، حيث عينه مساعدا لرئيس الجمهورية لشؤون الدفاع، وهو منصب شرفي دون صلاحيات.

وأثارت إقالة صبحي الكثير من الجدل، خاصة أن البعض رأى أن منصب وزير الدفاع كان محصنا في دستور 2014 وفقا لمادة استثنائية ضمن عدد من المواد الانتقالية، وهي المادة 234 التي نصت على أن تعيين وزير الدفاع يكون “بعد موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وتسري أحكام هذه المادة لدورتين رئاسيتين كاملتين اعتبارا من تاريخ العمل بالدستور”، إلا أن آخرين أكدوا أن المادة تحصن تعيين وزير الدفاع ولا تحصن إقالته.

وفي سياق التغييرات الوزارية، أقال السيسي قائد القوات الجوية المصرية الفريق يونس المصري، وقرر تعيينه في منصب وزير الطيران المدني.، وفي مارس أقيل رئيس هيئة تسليح القوات المسلحة اللواء أركان حرب عبد المحسن موسي، وعين مكانه اللواء أركان حرب طارق سعد زغلول.

وتمت الإطاحة في يونيو الماضي باللواء أركان حرب محمد رأفت الدش من منصبه قائدا للجيش الثالث الميداني، وتم تعيين اللواء أركان حرب رفيق رأفت عرفات خلفا له.

(المجلس العسكري الذي ساند السيسي تبخر بفعل قراراته)

وتحدثت تقارير صحفية في يوليو عن استبعاد رئيس هيئة العمليات اللواء أركان حرب وحيد عزت، وتعيين اللواء محمد المصري بدلا منه.

وفي 30 أغسطس، أصدر السيسي قرارا بتكليف مدير سلاح المشاة اللواء شريف سيف الدين حسين برئاسة هيئة الرقابة الإدارية لمدة عام.

كما أقيل قائد المنطقة المركزية العسكرية اللواء أركان حرب أيمن عبد الحميد عامر في أكتوبر، وتم تعيين لواء أركان حرب عماد أحمد الغزالي خلفا له.

وتحدثت تقارير عن قرار بنقل العميد أركان حرب شريف جودة العرايشي من منصبه كنائب رئيس أركان قطاع تأمين شمال سيناء إلى وظيفة مستشار عسكري في المنطقة العسكرية بدمياط.

وكنتيجة مباشرة لتغييرات السيسي، لم يتبق من المجلس العسكري الذي كان موجودا إبان الإطاحة بمرسي سوى 3 أشخاص، وهم رئيس الأركان الحالي محمد فريد حجازي الذي يعمل في منصب الأمين العام لوزارة الدفاع، واللواء ممدوح شاهين الذي لا يزال مساعدا لوزير الدفاع للشؤون الدستورية والقانونية، واللواء محمد أمين نصر الذي لا يزال رئيسا لهيئة الشؤون المالية للقوات المسلحة.

الأمر ذاته انطبق على تغييرات واسعة أطاح فيها السيسي بوزراء مقربين، أبرزهم مجدي عبدالغفار وزير الداخلية السابق، وإقالة آخرين شملتهم تعديلات يونيو 2018، وأبرزهم: خالد عبدالعزيز من وزارة الشباب والرياضة، وأحمد عمادالدين من الصحة، وعمرو الجارحي من المالية.