تغيير حجم الخط ع ع ع

 

في 13 نوفمبر الماضي، خرج شباب السودان في مسيرات احتجاجية بنفس المستوى التنظيمي وكذلك بنفس الأهداف نفسها التي أرادوها في 21 و 30 أكتوبر. حيث امتلأت شوارع الخرطوم وعشرات المدن السودانية الأخرى بالهتافات التي تحدد تلك الأهداف: رفض محاولات قطع طريق التحول الديمقراطي بالعودة إلى القمع والاستبداد، وعودة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك إلى مهامه، وهذا الهدف الأخير هو السبيل الوحيد لتحقيق الأول، بغض النظر عن أي تفاصيل أخرى يمكن مناقشتها لاحقًا.

من الواضح أن منظمي احتجاجات الشوارع موجودون في الأحياء المحلية. حيث إنهم ليسوا قادة حزبيين ولا يشغلون مناصب عليا. وبالرغم من أن تنظيمهم للاحتجاجات دقيق، مع التزامهم الصارم بالاحتجاج السلمي، ومع ذلك فقد تم إطلاق النار عليهم بالذخيرة الحية، وقتل بعضهم وجرح آخرون.

وهنا تتوارد الأسئلة؛ من يطلق النار على المتظاهرين؟ وبأوامر من؟ على من وجهت النار؟ على شباب البلاد والقوى الحقيقية للثورة؟ أم على عصابات الجريمة المنظمة؟

سئم الناس التصريحات الرسمية التي تزعم خروج البعض عن الاحتجاج السلمي ولم يكن أمام قوات الأمن خيار سوى فتح النار. هذا هو المبرر الذي يتكرر في كل عصر تتجاهل فيه السلطات حياة الشباب الأعزل الراغب في الحرية والعدالة والكرامة. هناك أكثر من طريقة، بخلاف إطلاق النار بهدف القتل، لكبح جماح المحتجين المشاغبين، إذا كانوا موجودين بالفعل.

لكن يبدو أحيانًا أن من يشغلون مناصب قيادية يستخفون بحركة ودماء هؤلاء الشباب. ومع ذلك، فإن التقليل من شأن الشباب وتجاهلهم لن يؤدي إلا إلى زيادة تصميمهم وعزمهم ورغبتهم في إحداث التغيير.   

عندما نزلوا إلى الشوارع في ديسمبر / كانون الأول 2018، لم ينزلوا إثر دعوة أو قرار من حزب سياسي. لكنه كان رد فعل من الشباب والشعب السوداني بعد عقود من الانتكاسات، واستجابة لدعوات وضرورة الانفصال الفكري والسياسي عن كل التصورات والممارسات الخاطئة التي أدت إلى الأزمة. 

يمتلك الشباب من مختلف الطبقات الاجتماعية والأيديولوجيات -كما أثبتت التجربة في السودان وخارجه- القدرة على التغلب على الاختلافات الفكرية والأيديولوجية لخلق بوتقة تنصهر فيها الاختلافات والتجاذبات. حيث إن لدى الشباب الحيوية، والشعور بالمغامرة، والرغبة في المعرفة والوعي بالقدر، وكلها خصائص تحدث تغييرا جذريا. يمكنهم تجاوز حدود “الحركات” والمعارضة السياسية التقليدية.

لذلك، من المهم التأكيد على أن ثورة هؤلاء الشباب لم تكن مجرد انتفاضة جياع، أو لتحقيق أهداف سياسية قصيرة المدى، بل ثورة جيل نهض لكسر الجمود الناجم عن القمع والاستبداد، وخيبات السياسة والسياسيين، إنها ثورة جيل لن يهدأ حتى ينتصر.

لذا يتساءل المراقبون: لماذا يتم إطلاق النار عليهم؟ لماذا لا يتم الاستماع إليهم؟ إنهم يفهمون تمامًا الدروس المستفادة من التاريخ، والتي تقول إنه ليس من الغريب أن تمر الثورات بعدة مراحل قبل أن تكشف عن كل احتمالاتها وتتبلور أخيرًا كتغيير جذري جديد، وأن ثورة ديسمبر ليست استثناءً. يمكن أن يكون لها مراحل متعددة، كل منها قد يفتقر إلى شيء ما لا يحقق النجاح المطلوب فيما يتعلق بالأهداف النهائية. على أي حال، يخبر التاريخ أن هؤلاء الشباب سيحصلون على ما يريدون، عاجلاً أم آجلاً، سواء أحبهم أولئك الموجودون في القيادة أم لا.

بملاحظة أهداف المتظاهرين، ستجد أنهم لا يطالبون بعودة قوى الحرية والتغيير على وجه التحديد، لكنهم يرفضون أي إجراءات تعسفية ضدهم. في الواقع، منذ بداية الفترة الانتقالية، انتقد العديد من المتظاهرين قوى الحرية والتغيير، واتهموها بالفشل في أداء واجبها، لا سيما بعد تشكيل الحكومة الحزبية التي يراها كثير منهم انتهاكًا للوثيقة دستورية التي ساهم فيها المدنيون والعسكريون. 

علاوة على ذلك، لا يزال المحتجون حريصين على معرفة ما يجري مع المبادرات الحالية من قبل الوسطاء الساعين لنزع فتيل الأزمة. لقد تفاعلوا بشكل إيجابي مع بعضهم البعض، على الرغم من أنهم ينظرون إلى ذلك المسار على أنه مسار مختلف، ولكنه لا يتعارض بالضرورة مع مسارهم. ليس من الضروري بالنسبة لهم أن يتبنوا مسارات بعضهم البعض، ولذلك فهم لا يرفضون جهود الآخر ولا يعملون ضدها طالما أنهم لا يتدخلون في تكتيكاتهم. المهم بالنسبة لهم هي النتيجة.

يدرك الجميع، من جميع الجوانب، الحاجة إلى إصلاح مسار الفترة الانتقالية وأداء المسؤولين. ومع ذلك، لا يمكن أن يأتي الإصلاح استجابة لضغوط طرف أو لتلبية مصالح طرف آخر. كما لا يمكن تحقيق الإصلاح بفرض الإجراءات والإجراءات التي نفذتها قيادة القوات المسلحة، وما زالت قيد التنفيذ، منذ 25 أكتوبر / تشرين الأول. هذه الإجراءات لن تحقق الإصلاح، لكنها ستجعل الوضع أسوأ. يرى مراقبون أنه لا سبيل آخر لتلافي إراقة الدماء سوى الإجماع على وثيقة سياسية جديدة تتصدى لجميع أخطاء العامين الماضيين من الفترة الانتقالية، بغض النظر عن الاختلافات أو التشابه في مواقف القوى المختلفة