بينما لا تزال تداعيات الغارات الإسرائيلية على الأراضي الإيرانية تتفاعل، بدأت السلطات الإيرانية حملة داخلية موسعة تستهدف ما تصفه بـ”أذرع إسرائيل الاستخباراتية” في البلاد.
فخلال الأيام الثمانية التي تلت بداية الهجوم الإسرائيلي في 13 يونيو/حزيران، أعلنت إيران اعتقال 22 شخصًا في مدينة قم وحدها، بتهمة الارتباط بجهاز الموساد الإسرائيلي، في مؤشر على أن الصراع لم يعد فقط على الجبهات التقليدية، بل وصل إلى عمق الجبهة الداخلية لإيران.
هذه التطورات تكشف عن مأزق أمني متصاعد في الجمهورية الإسلامية، إذ تزايدت مؤخرًا مؤشرات الاختراق الإسرائيلي سواء عبر الاغتيالات أو تسريب المعلومات الحساسة، وهو ما دفع طهران إلى إعلان “حالة استنفار أمني غير مسبوقة”، في معركة لا تقل أهمية عن تلك التي تخوضها صواريخها وطائراتها المسيرة.

“الجبهة الداخلية” في مواجهة الموساد
تصدّرت مدينة قم – العاصمة الدينية للجمهورية الإسلامية – واجهة المواجهة الأمنية بعدما أعلنت وزارة الاستخبارات الإيرانية اعتقال 22 شخصًا قالت إنهم “مرتبطون بالموساد” ويعملون على بلبلة الرأي العام، في واحدة من أكبر حملات الاعتقال المرتبطة بالتجسس خلال السنوات الأخيرة.
ووفق وكالة “مهر” الإيرانية، فإن هذه الاعتقالات تأتي في سياق رصد تحركات مشبوهة عقب الهجوم الإسرائيلي الذي استهدف مراكز حساسة، بينها منشآت نووية، في طهران وكرج وشيراز.
يؤشر اختيار قم، المعروفة بثقلها الديني والسياسي، إلى قلق أمني حقيقي من أن يكون اختراق إسرائيل قد طال حتى المدن الأكثر تشددًا في الرقابة، ما يهدد البنية الأمنية من الداخل ويجعل من مواجهة “العملاء المحليين” أولوية قصوى لدى الحرس الثوري والأجهزة الاستخباراتية.
وفي سياق متصل، تحدثت وكالة “تسنيم” المقربة من الحرس الثوري عن اعتقال جاسوس أجنبي في محافظة يزد، قال الادعاء العام إنه قدم معلومات للموساد تتعلق بمواقع دفاع جوي، مما يعزز الشكوك بأن الاستهدافات الإسرائيلية الأخيرة اعتمدت على معلومات دقيقة من الداخل الإيراني.
عفو مقابل “المسيّرات”.. إيران تعترف باختراق غير مسبوق
في تطور لافت، أصدر مجلس الأمن القومي الإيراني بيانًا دعا فيه المتعاونين مع إسرائيل لتسليم المسيّرات التي بحوزتهم حتى 1 يوليو/تموز مقابل عفو محتمل، وهو ما يشكل اعترافًا رسميًا بأن الموساد استطاع تفعيل شبكة استخباراتية داخل إيران تمتلك طائرات مسيرة.
هذه الدعوة غير المسبوقة تشير إلى أن السلطات لا تملك القدرة على تعقب كل المسيرات المنتشرة بيد المدنيين أو المرتبطين بإسرائيل، مما يطرح تساؤلات عن مدى هشاشة الرقابة على الطيران الداخلي، وخصوصًا في ظل استهداف منشآت حيوية في قلب طهران دون قدرة فورية على الرد أو الكشف عن الجهات المنفذة.
وفي السياق ذاته، أعلنت شرطة محافظة خوزستان القبض على عميل إسرائيلي و4 متعاونين في مدينة مسجد سليمان، متهمين بتصوير مواقع حساسة والترويج للشائعات، وهو ما يشير إلى أن الاختراق الإسرائيلي لم يقتصر على المدن الكبرى، بل شمل أطرافًا جغرافية مختلفة.
وبالتوازي مع ذلك، كشفت تصريحات قائد شرطة غرب طهران كيومرث عزيزي عن اعتقال 24 شخصًا اتُهموا بالتجسس والعمل عبر الإنترنت لتشويه صورة النظام، ما يعكس تحول الجبهة الإلكترونية إلى مسرح أساسي في الصراع الإيراني-الإسرائيلي.
“الأسد الصاعد”.. حرب الظل تتحول إلى اشتباك علني
كل هذه التطورات تأتي بعد أن أطلقت إسرائيل عمليتها العسكرية تحت مسمى “الأسد الصاعد”، في 13 يونيو/حزيران، مستهدفة مواقع نووية وعسكرية ومقرات سيادية، بينها مبنى التلفزيون الرسمي وقادة بارزين بالحرس الثوري.
العملية الإسرائيلية لم تكن مفاجئة من حيث التوقيت فقط، بل في حجم ودقة الاستهدافات، مما جعل بعض المسؤولين الإيرانيين يشككون في وجود تسريبات أمنية واسعة النطاق، وهو ما دفع البلاد إلى فتح عشرات التحقيقات الأمنية بالتوازي مع عمليات مطاردة ما تسميه “الخونة والعملاء”.
وبالنظر إلى الاتهامات المتكررة ضد إسرائيل بتنفيذ عمليات اغتيال داخل طهران، فإن إعلان هذه الحملات الأمنية الواسعة اليوم يبدو أشبه برد فعل متأخر على تراكمات من الخروقات الاستخباراتية التي لطالما تجاهلتها طهران أو تعاملت معها بمنطق إنكاري.
المفارقة هنا أن إيران التي لطالما اعتبرت نفسها سيدة “حروب الوكالة” باتت تواجه حربًا استخباراتية على أراضيها، وتضطر إلى القتال داخل البيت، من قم إلى خوزستان، ومن طهران إلى يزد، في مشهد يعيد صياغة معادلات الأمن القومي الإيراني.
طهران أمام اختبار بقاء استخباراتي
الرسالة التي توجهها طهران للعالم من خلال هذه الحملة واضحة: لن تتهاون مع العملاء، ولن تكتفي بالرد الخارجي على إسرائيل، بل ستخوض معركتها الداخلية مهما كان الثمن.
لكن ما يقلق الإيرانيين – سواء في أجهزة الأمن أو الشارع – هو أن هذا الكم من العملاء، والاعتراف الرسمي بالاختراقات، قد يشير إلى ثغرات عميقة تحتاج إلى مراجعة شاملة للبنية الاستخباراتية الإيرانية، قبل أن يتحول الخطر من عملية إسرائيلية إلى تفكك أمني من الداخل.
وفي ظل الهجوم المتواصل وعمليات الاغتيال والاختراق، باتت إيران تدرك أن الردع الحقيقي لا يكمن فقط في صواريخها، بل في قدرتها على تأمين جبهتها الداخلية من “الطابور الخامس”.
اقرأ أيضًا : اليمن على حافة المجاعة: الأمم المتحدة تحذر من كارثة وشيكة وموجة وبائية تضرب الملايين