تغيير حجم الخط ع ع ع

 إن تولي رئيس جديد الحكم في إيران، من شأنه أن يؤثر في السياسة العالمية كلها، خاصة إن كان متشدداً مثل إبراهيم رئيسي، الذي تولى الرئاسة في وقت تهدد فيه حكومة عديمة الخبرة في إسرائيل بعمل عسكري ضد طهران، مع استمرار حرب الظل المميتة التي تدور رحاها في الخليج.

ومن جهة أخرى، لا يتوقف حزب الله، حليف إيران، عن إطلاق الصواريخ على إسرائيل من لبنان الذي يعاني من الفوضى، وعلى الجانب الآخر من العالم، تنتشر الكلمات المريرة في لندن بسبب احتجاز الرهائن.

في غضون ذلك، تتزايد مخاوف الولايات المتحدة من فشل محادثات فيينا النووية، في وقت تتصاعد فيه التوقعات أن إيران قد تكون قادرة قريبا على صنع سلاح نووي.

أوائل تصريحات إبراهيم رئيسي، الذي أدى اليمين الدستورية الخميس الماضي بعد انتخابات مزورة، لا تدفع للتفاؤل أبداً خاصة في وقت يعاني فيه العالم من صراع متعدد الأوجه بين إيران والغرب.

قال إنه يجب رفع العقوبات “الاستبدادية” التي فرضها دونالد ترامب، والتي عصفت بالبلاد منذ 2018، ومع ذلك لم يعرض خطة لتحقيق ذلك أو المضي في طريق التنازلات.

يمثل صعود “رئيسي” انتصاراً نهائيا للفصائل المتشددة المناهضة للغرب المرتبطة بالمرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي.

خاض سلف رئيسي، حسن روحاني، الذي سار على خطى محمد خاتمي من قبله، معركة داخلية طويلة خاسرة في النهاية من أجل التقارب مع الولايات المتحدة وأوروبا، أما الآن، يسيطر المتشددون على جميع مؤسسات الجمهورية الإسلامية الرئيسية، بما في ذلك الجيش والقضاء والبرلمان.

إن الآثار المترتبة على هذا الاكتساح تنذر بالسوء قطعاً، ومن المفارقات أن رئيسي، بدعم من الحرس الثوري الإسلامي الأكثر نفوذاً، لديه الآن النفوذ لعقد صفقة في فيينا أخفق روحاني في الحصول عليها.

إذا نجح رئيسي في إتمام هذه الصفقة أو تخفيف العقوبات، قد يساعد هذا على تخفيف آلام الشعب الإيراني الذي يعاني من أوضاع اقتصادية مزرية.

الاقتصاد الإيراني في حالة يرثى لها، التضخم ونقص المواد يضاعفان المعاناة في وقت تظهر فيه الأرقام الرسمية أن معدل الفقر تضاعف على مدى عامين، ليصل إلى 30٪ في عام 2019، وقد يكون الوضع أسوأ الآن.

بالرغم من سعي “رئيسي” للوصول لحلول تسوية، فإن رئيسي المتشدد لا يزال قومي متحمس يؤمن بقوة، على أسس أيديولوجية ودينية، بفضائل الاعتماد على الذات.

وهو وخامنئي يرون أنه، في المستقبل، لا ينبغي أن يعتمد الاقتصاد الإيراني الموجه مركزياً، والذي تهيمن عليه بشكل متزايد مصالح الحرس الثوري الإيراني، على تجارة القطاع الخاص والأعمال التجارية مع الغرب الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة. على العكس، إنهم يهدفون إلى القضاء إلى الأبد على النفوذ السياسي الذي منحته العقوبات لواشنطن، ولا يريدون أن يكونوا أصدقاء مع أمريكا.

بعد تحرره من القيود التي مارستها سابقًا المعارضة “المعتدلة” المهزومة، فإن إصرار رئيسي على زيادة الاعتماد على الذات ينذر أيضاً بتوسيع نفوذ إيران الإقليمي، بدء من تعزيز “محور المقاومة” بالحلفاء والوكلاء في سوريا، والعراق، واليمن، ولبنان.

وبالمثل، هناك احتمال لتحالفات استراتيجية أوثق مع الصين وروسيا، حيث وقعت طهران مؤخراً على شراكة تجارية وعسكرية مدتها 25 عامًا مع بكين.

أما فلاديمير بوتين فكان من أوائل الذين هنأوا الرئيس الإيراني الجديد بالفوز في الانتخابات.

على الصعيد العالمي، هجوم الطائرات المسيرة الخليجية على الناقلة MV Mercer Street المرتبطة بإسرائيل، والذي أسفر عن مقتل بريطاني وروماني الأسبوع الماضي، ينذر بالسوء لعصر رئيسي، بالرغم من أن إيران تنفي مسؤوليتها، كالعادة، وفي المقابل، تقول بريطانيا والولايات المتحدة إن بإمكانهما إثبات تورط إيران.

تعليق طهران للمحادثات حول تبادل الأسرى الدولي هو ضربة أخرى، وكذلك عقوبة السجن لمدة 10 سنوات الصادمة التي صدرت على البريطاني الإيراني مهران رؤوف.

المثير للقلق أيضًا هو اندلاع الأعمال العدائية المفاجئة عبر الحدود الإسرائيلية اللبنانية والآن مع حماس في غزة.

حزب الله، على غير العادة، اعترف بإطلاق الصواريخ.

يبدو هذا الإعلان وكأنه رسالة إلى نفتالي بينيت، رئيس الوزراء الإسرائيلي غير المختبَر حتى الآن.

وبعد هجوم الناقلة، هددت إسرائيل بعمل عسكري مباشر ضد طهران، مثل هذه المنافسة بين المسؤولين الجديدين رئيسي وبينيت أمر لا يمكن للشرق الأوسط تحمله.

في غضون ذلك، يتزايد القلق في واشنطن، من أن الصراعات المشتعلة بين طهران والجهات الفاعلة الإقليمية الأخرى، والتي تغذيها التغييرات في القيادة في إيران وإسرائيل، يمكن أن تشتعل.

في وقت سابق من هذا العام، كان هناك حديث عن تخفيف التوترات بين إيران وخصمها اللدود، المملكة العربية السعودية، وبالفعل التقى مسؤولون من الجانبين في بغداد.

على الصعيد الأمريكي، لدى إدارة بايدن مخاوف خاصة بها، خاصة بعد أن علقت آمالها في نزع فتيل التوترات مع إيران على إحياء الاتفاق النووي لعام 2015 الذي انسحب منه ترامب بصورة مهينة لإيران.

بعض المحللين يرون أن قرار ترامب بالانسحاب من هذه الاتفاقية، والذي وصفوه بالأحمق، ساهم كثيراً في تأكيد صعود رئيسي والمتشددين الإيرانيين وتشويه سمعة الإصلاحيين هناك.

الآن، يقترح المحللون الأمريكيون أنه، حتى لو كان هناك حل وسط وتمت إعادة الاتفاق، فقد فات الأوان للحصول على النتائج المرجوة، خاصة مع تصاعد الشكوك حول أن إيران قد اكتسبت الكثير من الخبرة في صنع القنابل النووية خلال تلك الفترة.

هذه الشكوك من شأنها أن تتسبب في كوابيس للقادة الإسرائيليين لأسباب مفهومة بالطبع. كما ينبغي أن يقلق المنطقة وجيران أوروبا غير البعيدين، مع ذلك فإن المزيد من “الضرب على الصدر”، والقتال بالحرب بالوكالة، ليس هو السبيل للرد.

 

للاطلاع على النص الأصلي من المصدر اضغط هنا