تغيير حجم الخط ع ع ع

العدسة – باسم الشجاعي

 بقرار غامض، أوقفت وزارة الصناعة والتجارة بالمملكة الأردنية الهاشمية، العمل باتفاقية التجارة الحرة المبرمة مع الجانب التركي، بالرغم من مرور سبع سنوات على تنفيذها، وتسعة أعوام على إقرارها.

مما فتح الباب أمام العديد من التساؤلات حول التوقيت وسره، وهل هذه صحوة ضمير مِن قِبل السلطات الأردنية تجاه الصناعة المحلية؟ أم أن هناك تغيرًا طارئًا فِي هذا الوقت القصير يجسد العلاقات بين الأردن وتركيا؟ أم أن هناك يدًا سوداء تعبث في المنطقة؟ وما مدى تلك الاتفاقية بحمى الصراع على شواطئ البحر الأحمر؟.

 بيان باهت

وبحسب بيان صادر “الاثنين” الماضي، عن وزارة الصناعة والتجارة والتموين الأردنية، فإن إيقاف العمل باتفاقية التجارة الحرة مع تركيا، استهدف “تجنب المزيد من الآثار السلبية التي لحقت بالقطاع الصناعي، في ضوء المنافسة غير المتكافئة التي يتعرض لها من البضائع التركية التي تحظى بدعم من حكومة بلادها، ما أفقد المنتج الأردني القدرة على المنافسة في السوق المحلي”.

إلاَّ أنه ورغم إصدار هذا البيان، لا يزال الغموض مسيطرا على قرار الأردن بإيقاف العمل باتفاقية الشراكة لإقامة منطقة تجارة حرة بين عمان وتركيا.

أيادٍ إماراتية سوداء

وفي محاولة للردّ على السؤال حول سر التوقيت، تجيب عليه بعد المؤشرات التي شهدتها العلاقة الخارجية بين الأردن والسعودية والإمارات، والتي كان لها نتائج سلبية على جسد العلاقات مع الجانب التركي.

ويرى كثير مِن المتابعين أن هناك ارتباطًا وثيقًا بين الشيخ “عبدالله بن زايد آل نهيان”، وزير الخارجية والتعاون الدولي للإمارات، والملك “عبدالله الثاني” ملك المملكة الأردنية الهاشمية، خلال اليومين الماضيين، والتي تزامنت مع القرار مباشرةً.

ولعلل ما دفع الإمارات لذلك، هو توتر العلاقات بين أبوظبي وأنقرة، توتر ملحوظ منذ ديسمبر الماضي، إثر إعادة وزير الخارجية الإماراتي “عبدالله بن زايد آل نهيان”، نشر تغريدة تتهم “أجداد أردوغان” بارتكاب فظائع في المدينة المنورة، في مطلع القرن العشرين.

فضلا عن أن أنقرة تتهم بصورة غير مباشرة الإمارات بدعم محاولة الانقلاب الفاشلة التي عرفتها تركيا مما زاد الأمور سوءًا، كما أن أبوظبي لم تخف تعاطفها مع الإطاحة بـ”أردوغان”.

كما أن العلاقات غير مستقرة من الأساس؛ حيث تنزعج الإمارات من دعم تركيا لعدد من المعارضين الإماراتيين والمقربين أيضا من جماعة الإخوان المسلمين.

لماذا الآن؟ وما السر إذن؟

توقيت القرار الذي اتخذ على عجل -بحسب وصف خبراء ورجال أعمال أنه يأتي في وقت يعاني فيه الاقتصاد الأردني من أزمة اقتصادية ومالية خانقة- أثار العديد من ردود الفعل المستغربة أو المستهجنة، وبدا ذلك واضحا في انقسام صفوف المؤسسات الاقتصادية الأهلية والقطاع الخاص الأردني حوله.

فوزارة الصناعة والتجارة الأردنية التي اتخذت القرار قدمت للرأي العام مسوغات ومبررات باهتة؛ حيث قالت إن الاتفاقية تميل أكثر ناحية الميزان التجاري للأتراك، وأنها تسعى لحماية المنتج الصناعي والتجاري الأردني.

فإذا كان هذا هو السبب الحقيقي، فلماذا لم تشر الأردن على مدار أكثر من سبعة أعوام، خلال انعقاد الاجتماعات الدورية لمجلس الشراكة “الأردني ــ التركي”، أو عبر لقاء السفير التركي لدى عمّان، إلى النتائج السلبية للاتفاقية التي لم تعد بالأثر الإيجابي على عمان، خاصة وأنَّ الأرقام تشير إلى أن الصادرات الأردنية لتركيا العام الماضي بلغت حوالي 90 مليون دولار، فيما قاربت الواردات منها 800 مليون دولار، مستفيدة من اتفاقية التجارة الحرة.

لكن من المرجح أن يكون له علاقة بحمى الصراع والتنافس في البحر الأحمر، التي تقوده الإمارات والسعودية.

فولي العهد السعودي الأمير “محمد بن سلمان”، يعمل على شراكة تضمن الأردن ومصر في مشروع “نيوم” مع السعودية، وخاصة في مدينة العقبة البحرية التي كانت تسعى تركيا لإقامة منطقة لوجستية هناك.

وبحسب ما أعلن رئيس سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة “ناصر الشريدة”، فإنَّ مشروع “نيوم”، وتحديدًا فيما يخص الأردن سيكون بالكامل على جزء من أراضي العقبة المحاذية للحدود السعودية، ولعل شرط الرياض كان إلغاء عمان اتفاقية التجارة الحرة مع تركيا مقابل دخولها في المشروع الذي ترى أنه فرصة جيّدة للاستثمار.

خسارة كبيرة

قرار الإيقاف يحتاج ستة أشهر للدخول إلى حيز التنفيذ، مثلما تنص بنود الاتفاقية بين البلدين، مما سيؤثر على القطاع الخدمي الخاص الذي يرتبط بصورة حيوية مع تركيا بعد أن أغرقت الأسواق المحلية ببضائع الأخيرة، هذا ما أكّده “عيسى مراد”، رئيس غرفة تجارة عمان.

وعلى صعيد المستهلكين، فهناك توقعات بأن يكون إيقاف الاتفاقية مع تركيا له آثار سلبية على المستهلك وستشهد السوق ارتفاعا في أسعار السلع المثيلة للسلع التركية”، هكذا أشارة “سهم العبادي”، المتحدث باسم جمعية حماية المستهلك الأردنية.

الأمر لم يقف عند هذا الحدّ فحسب، فمن المقرر أن تضر الخطوة الأردنية بمساعي تركيا، التي أعلنت أخيرا عن نيتها إنشاء منطقة لوجستية في مدينة العقبة البحرية، جنوب الأردن، وذلك بغرض تخزين البضائع وإعادة تصديرها إلى العراق ودول المنطقة الأخرى والاستفادة من عمليات إعادة الإعمار المرتقبة في العراق، وفق ما أكد خبراء.

ما هو مستقبل العلاقات؟

ويبدو أن الخاسر الوحيد من القرار هو الأردن؛ حيث إن استثمارات تركية في المملكة تبلغ نحو 2.2 مليار دولار، وتتوزع على مختلف القطاعات، من أبرزها المقاولات والمياه، بفضل تداعيات الانفتاح الاقتصادي التركي الأردني.

كما أن البيانات الصادرة عن وزارة الصناعة والتجارة والتموين الأردنية، تشير إلى أن الصادرات الأردنية إلى تركيا العام الماضي بلغت حوالي 90 مليون دولار، فيما قاربت الواردات منها 800 مليون دولار، مستفيدة من اتفاقية التجارة الحرة.

أما حجم التجارة بين الأردن وتركيا عام 2010، أي قبل نفاذ الاتفاقية، بلغ نحو 250 مليون دولار، لتتصاعد الواردات من تركيا، بينما ظلت الصادرات الأردنية عند مستوياتها التي لم تتعد 100 مليون دولار.

وذلك إذا كانت الحكومة الأردنية جادة بمراجعة اتفاقيات التجارة الحرة الثنائية لحماية المنتجات الوطنية، فالأولى بها – وفق ما أشار متخصصون- أن تبدأ بمراجعة فورية لاتفاقية الشراكة الأوروبية التي ألحقت أكبر ضرر بالاقتصاد الوطني، وبات العجز لصالح الاتحاد الأوروبي بحوالي 2.6 مليار دولار، في حين بقيت الصادرات الوطنية على حالها منذ ما يقارب عشرين عامًا.