تغيير حجم الخط ع ع ع

العدسة – منصور عطية

بينما تشتعل الانتفاضة الفلسطينية في القدس والأراضي المحتلة، وتتقد جذوة الغضب الشعبي في أنحاء العالمين العربي والإسلامي، ويبحث القادة ما يمكنهم فعله للرد على القرار الأمريكي بشأن القدس ومواجهة الاحتلال، ينشر موقع إخباري عربي سعودي مقالًا للمتحدث باسم جيش الاحتلال.

لكن ربما تزول غرابة القارئ حين تقع عيناه على تلك السطور، عندما يعلم أنها نُشرت في صحيفة “إيلاف” الإلكترونية التي تصدر من لندن لصاحبها ورئيس تحريرها الكاتب السعودي المثير للجدل “عثمان العمير”.

ذلك أن الموقع يملك تاريخًا طويلًا من فتح أبوابه، وتسخير إمكاناته في سبيل الترويج للتطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي، فنشر مقالات لقادة عسكريين في جيش الاحتلال، وحاور آخرين في أكثر من سابقة.

 

منصة الهجوم الإسرائيلي

الموقع نشر على مدار يومي الثلاثاء والأربعاء الماضيين، مقالاً لـ”أفيخاي أدرعي”، المتحدث الرسمي لجيش الاحتلال، كما أجرى حوارًا مع “يسرائيل كاتس”، وزير الاستخبارات والمواصلات في حكومة نتنياهو.

المقال الذي جاء مشتركًا مع كاتب كردي عراقي يدعى “مهدي مجيد عبد الله” جاء تحت عنوان “حماس.. ثلاثون عامًا”، اعتبر فيه أن الحركة “منذ نشأتها، لم تعبّر عن مطالب الفلسطينيين، بل كانت بندقية حرب تستعملها إيران تارةً، وجهات أخرى تارةً ثانية، ولكن على الأغلب تقودها مصالحها الضيقة، وذلك لتحقيق مآربها غير المشروعة”.

وفي إشارة واضحة إلى مصر، رأى المقال أن الحركة “لا تشكّل خطرًا على الفلسطينيين ودولة إسرائيل فحسب، بل تجاوزته إلى دول الجوار، الأمر الذي دفع بعض هذه الدول أن تصدر قرارًا باعتبارها حركة إرهابية أو جماعة محظورة”.

جزء من “المقال”

 

وأضاف أن “سلاح حماس لم يكن يومًا بخدمة الفلسطينيين ولم يجلب سوى الخراب والدمار على الغزاويين، وهي بسلاحها حصدت أرواح المئات من المسلمين واليهود والمسيحيين الأبرياء وحولت غزة إلى ثكنة عسكرية”.

الربط المثير بين حماس وإيران يبدو أنه كان محور المقال بجانب محاولة تشويه الحركة، حيث دعا حماس في ذكرى تأسيسها الثلاثين، إلى التغيير “من نهجها الإرهابي.. واستغلالها الأموال الطائلة التي تتلقاها لتوفير بيئة مدنية حضارية، بدلًا من حفر الأنفاق، والارتماء في حضن إيران والدول والجماعات الداعمة للإرهاب”.

تزامنًا مع مقال “أدرعي”، أجرى الموقع حوارًا مع “يسرائيل كاتس”، وزير الاستخبارات والمواصلات في حكومة الاحتلال، قلل فيه من تداعيات إعلان نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب للقدس، واصفًا القرار بأنه “تحصيل حاصل لما هو على الأرض”.

جزء من “الحوار”

 

الحوار، روّج لمحاولة الاحتلال التخفيف من حدة القرار الأمريكي، وكرر خلاله الوزير ما قاله نتنياهو سابقًا من “عدم تغيير الوضع القائم بالقدس والأماكن الدينية”.

“إيلاف” الموقع العربي السعودي وفّر للوزير الإسرائيلي مساحة واسعة لتوجيه التهديدات ضد دولة عربية، حيث هدد بـ”إعادة لبنان للعصر الحجري، في حال حاول حزب الله الهجوم على إسرائيل بأوامر ايرانية”.

كما تحدث “كاتس” عن “سلام اقتصادي” عبر “المشروع الإقليمي لربط الخليج العربي بالسكك الحديدية مع الأردن، ومنها إلى ميناء حيفا”، وما قال إنه “ارتياح الشعب الإسرائيلي من التطورات الحاصلة في السعودية”.

 

محطات في خدمة التطبيع

اللافت، أن “إيلاف” ليست حديثة عهد بالترويج للتطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي، والخروج بما كان سرًّا إلى العلن، وتحولت إلى منبر لقادة ومسؤولي الاحتلال.

ففي نوفمبر الماضي، أجرت الصحيفة مقابلة مع رئيس هيئة أركان جيش الاحتلال الإسرائيلي، الجنرال “غادي إيزنكوت”، مروّجة إياها باعتبارها “الأولى من نوعها لصحيفة عربية”، كما لم تتوان عن نقل أقوال الجنرال الإسرائيلي إنه “يتابع ما تنشره (إيلاف)”، وتطرقت إلى سرور إيزنكوت بإجراء هذه المقابلة في مقر هيئة الأركان الإسرائيلية، بتل أبيب.

“إيزنكوت” قال إنه “للسعودية وإسرائيل مصالح مشتركة ضد التعامل مع إيران”، داعيًا إلى “ضرورة إقامة تحالف في المنطقة لمواجهة المد الإيراني، ومحاولات إيران التموضع في سوريا والعراق ولبنان والبحرين واليمن”.

وأضاف: “هناك توافق تام بيننا وبين المملكة العربية السعودية، التي لم تكن يومًا من الأيام عدوة أو قاتلتنا أو قاتلناها”.

وفي يوليو، أجرت الصحيفة حوارًا مع وزير الدفاع الإسرائيلي السابق، “موشيه يعالون”، تطرّق فيه إلى العلاقات مع المملكة العربية السعودية، وضرورة التعاون بين الاثنين “في مواجهة الخطر الإيراني”.

وأجرت “إيلاف” أيضًا مقابلة مع مدير وزارة الخارجية الإسرائيلية، “دوري جولد”، باعتباره المقرب من نتنياهو.

المثير أن فتح أبواب النافذة الإعلامية السعودية لقادة ومسؤولي الاحتلال يروجون لأنفسهم ويدعمون علنًا التطبيع معه، يأتي في وقت يشتعل فيه الحديث عن سعي المملكة إلى المضي قدمًا في التطبيع.

وبدا من خلال العديد من الشواهد والوقائع التي رصدها وحللها (العدسة) أن السعودية تهرول حثيثة، وبخطوات متسارعة نحو التطبيع الكامل مع الاحتلال الإسرائيلي، بخطوات سرية وأخرى علنية تتبرأ منها دائمًا.

وبعيدًا عن الشواهد غير الرسمية، وتلك التي يكون أبطالها أشخاصًا ليسوا في منظومة الحكم أو يتمتعون بحيثية كبيرة، أكد مسؤول إسرائيلي، رفض الكشف عن اسمه، لوكالة الصحافة الفرنسية إن المسؤول السعودي الذي زار إسرائيل سرًّا في شهر سبتمبر الماضي، هو ولي العهد محمد بن سلمان.

لقاء “تركي الفيصل” بمسؤول إسرائيلي

 

كما أكد الصحفي الإسرائيلي “أرييل كهانا” الذي يعمل في أسبوعية “ماكور ريشون” اليمينية القومية، في تغريدة على موقع التواصل الاجتماعي تويتر في سبتمبر، أن “بن سلمان” زار إسرائيل مع وفد رسمي، والتقى مسؤولين.

وكانت الإذاعة الإسرائيلية الرسمية الناطقة باللغة العربية قالت في السابع من سبتمبر: “إن أميرًا من البلاط الملكي السعودي زار إسرائيل سرًّا، وبحث مع كبار المسؤولين الإسرائيليين فكرة دفع السلام الإقليمي إلى الأمام”.

 

أدوار أخرى للصحيفة ومؤسسها

خدمة التطبيع لم تتوقف عند حدود فتح صفحات الموقع الإلكتروني لقادة الاحتلال، بل هناك أدوار أخرى لعبتها “إيلاف” ومؤسسها “عثمان العمير” في سياق هذا الدور.

المغرد السعودي الشهير “مجتهد”، الموصوف بقربه من دوائر صنع القرار في المملكة، كشف في يوليو الماضي، تفاصيل ما قال إنها “شخصيات مهمة في العلاقة السعودية الإسرائيلية خلال العقود الماضية”.

وأشار إلا أنه “تم الاتصال بإسرائيل طوال العقود الماضية، عن طريق قناتين؛ الأولى باسم المملكة عمومًا، والثانية خاصة بالملك سلمان منذ كان أميرًا للرياض حتى استلام الملك”.

” الملك سلمان “

 

” عادل الجبير “

القناة الأولى، بحسب “مجتهد”، كانت عن طريق عادل الجبير (وزير الخارجية السعودي الحالي)، وكانت مهمته الوصول لمؤسسة اللوبي الصهيوني الشهر في الولايات المتحدة (أيباك).

أما عن القناة الثانية الخاصة بالملك سلمان، فقال “مجتهد” إن سلمان- بصفته مالك الشركة السعودية للأبحاث والتسويق، التي تنشر جريدة “الشرق الأوسط” ومجلة “المجلة”- استخدم للمهمة شخصين في الصحيفة، هما “عثمان العمير” رئيس التحرير وقتها، وعبد الرحمن الراشد.

وأضاف: “وتنقل دوائر قريبة من العمير والراشد أنهما منذ بداية التسعينيات كانا يلتقيان بانتظام بشخصيات إسرائيلية في المغرب ممثلين لسلمان شخصيًّا”، وفق التغريدات التي نقلتها تقارير إعلامية.

وقال المغرد: “لم يكن سلمان وقتها يمثل آل سعود، بل كان يمثل نفسه، ويتودد للصهاينة من أجل أن يقنعوا الأمريكان بتقوية مركزه في السلطة، وزيادة فرصته في الملك، في المقابل، تعهد سلمان بأن يجعل الشركة السعودية للأبحاث والتسويق التي يملكها في خدمة التطبيع الثقافي والفكري والتربوي”.

” عثمان العمير “

وأشار إلى “تغلغل هذا الفريق – بحماية سلمان ودعمه – في الإعلام السعودي والفضائيات، واختراق المجتمع بكفاءة وفرض النمط الصهيوني في الأخلاق والقيم وفهم الأحداث”.

وتابع “مجتهد”: “وكان سلمان قد وثّق علاقة ابنه محمد مع “العمير” و”الراشد” لِتَتِمَّة التفاهم مع إسرائيل، ولأجل أن يكون أول ملك سعودي يعلن سفارة إسرائيلية في الرياض، ولهذا السبب فإن محمد بن سلمان يعتبر “الراشد” و”العمير” أشخاصًا مقدسين عظماء، وكأنهم أمناء الوحي، ويهابهم ولا يتعامل معهم تعامل الآمر الناهي”.

صحيفة “هآرتس” العبرية قالت إن الموقع السعودي “إيلاف” تحول في السنوات الأخيرة إلى “قناة لتسريبات إسرائيلية”، بحيث تنقل من خلاله إسرائيل رسائلها إلى الدول الخليجية.

وأشارت في تقرير لها إلى أن جيش الاحتلال والقيادة السياسية استخدما الموقع في العامين الماضيين لنقل الموقف الإسرائيلي، خصوصًا في ما يتعلق بـ”التهديد الإيراني المشترك”، و”تهديدات حزب الله”، بطلب من الموقع نفسه وليس بمبادرة إسرائيلية.

 

العمير”.. المثير للجدل

بدأ “العمير” مسيرته الصحفية كمراسل رياضي في عدد من الصحف السعودية، قبل أن يُصبح أحد أهم رجال الأعمال السعوديين المروجين للصحافة الإلكترونية واندثار الصحف الورقية، وهو ما انعكس بتأسيسه موقع “إيلاف” في مايو 2001، ليصبح من أوائل المواقع الإلكترونية الإخبارية في العالم العربي.

يظهر اسم “العُمير” على ساحة التغييرات السياسية والاجتماعية التي تشهدها المملكة منذ تولي الملك سلمان مقاليد الحكم في المملكة والسلطات الواسعة الممنوحة لابنه الأمير محمد، حيث يصف “العمير” نفسه بأنه “مؤمن بالنهج الملكي أيًّا كان” إلا أنه تحديدًا يتمتع بعلاقات وطيدة مع الفرع “السلماني” في العائلة المالكة السعودية، منذ منتصف الثمانينيات، عندما كان الملك سلمان أميرًا للرياض، وفق ما أسلفنا.

ويدل على ذلك تولي “العمير” رئاسة تحرير مجلة “المجلة” السعودية عام 1984، ثم رئاسة تحرير صحيفة الشرق الأوسط اللندنية عام 1987، المملوكتين للمجموعة السعودية للأبحاث والنشر.

وجهة نظر “العمير” عن علاقة الصحفي بالسلطة لخصها في قوله: “الوصول إلى مفاتيح السلطة هو وصول إلى النجاح، ليست تهمة أن تكون صديقًا لملك أو رئيس أو عائلة مالكة، التهمة أن لا تكون صديقًا وأنت تعمل بالصحافة”.

ويطلق الرجل على نفسه تعريف أنه “ليبرالي سلفي” يؤمن بالنهج الملكي، وبالإضافة إلى المملكة العربية السعودية ودول الخليج، يتفاخر “العمير” بعلاقاته مع العائلة المالكة في المغرب، الذي استحوذ “العمير” على واحدة من أكبر الشركات الإعلامية فيه، وهي شركة “ماروك سوار” بعد شرائها من رجل الأعمال المغربي عثمان بن جلون عام 2004.

لقاء ” فتح الله كولن و عثمان العمير “

وبينما كان رئيسًا لتحرير “الشرق الأوسط” كتب مقالًا متملقًا يمتدح فيه الملك سلمان وزير الدفاع السعودي آنذاك، وملك المغرب الراحل الحسن الثاني، ووصفهما بأنهما “قارئان ليسا كغيرهما” للصحيفة.

الدور السياسي الذي يلعبه “العمير” في خدمة الأسرة السعودية المالكة لم يتوقف عند إسرائيل، حيث نشر في يوليو الماضي، مقطع فيديو قصير يوثق زيارة قام بها لمنزل رجل الدين التركي المعارض “فتح الله كولن” المتهم بالوقوف وراء محاولة الانقلاب الأخيرة في تركيا.