تغيير حجم الخط ع ع ع

 

لا يعتبر برنامج الدحيح، الذي يقدمه اليوتيوبر أحمد الغندور، برنامجا رقميا عاديا في فضاء واسع من البرامج الموجهة لجمهور المنصات الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي، إذ إن هذا البرنامج يمكن اعتباره على رأس صدارة قائمة البرامج الموجهة للجيل الصاعد، حيث إن أغلب جمهوره من الشباب والفتيات في عمر المراهقة.

 

البرنامج، الذي يتشارك من حيث شريحة الجمهور المراهق مع تطبيق تيك توك الصيني، عاد بعد غياب دام عاما كاملا، بعد تقديم آخر حلقاته مع منصة الجزيرة بلس التابعة لشبكة الجزيرة الإعلامية القطرية، والتي حافظ فيها عل نهج استقلالي عن المؤسسة التي يُقدم من خلالها، وكفلت له الشبكة القطرية حق اختيار موضوعاته وطبيعتها شريطة ألا تصطدم مع القيم العربية وقضاياها الثابتة.

 

الغندور، الذي درس علم الأحياء في كلية العلوم بالجامعة الأمريكية في العاصمة المصرية القاهرة، وبدأ بنشر فيديوهاته على موقع يوتيوب في أغسطس 2014 بهدف تبسيط العلوم الشعبية أو العلم الشعبي (pop-science)، وجد فرصته الذهبية في الانتشار عبر منصة الجزيرة بلس التي سبق وأعلن هو بنفسه أنها لم تشترط عليه أي شروط إلحاقية أو تضيقية سوى عدم التصادم مع القضايا العربية الراسخة، وفي مقدمتها بالطبع القضية الفلسطينية. 

 

وفي ظل ذلك الاشتراط الذي فرضته شبكة الجزيرة، قدم أحمد الغندور عدة حلقات فريدة عن المذابح التي تعرض لها شعب البوسنة والهرسك، ودرج على إلحاق الحضارة العربية ضمن التطور التاريخي لأي قضية يستعرضها، وبرزت من خلال حلقاته أسماء العلماء العرب، بل والمصطلحات العربية الشهيرة التي تعرف إليها عدد كبير من جمهوره للمرة الأولى، كالرمز X الذي يستخدم في الإنجليزية للتعبير عن المجهول، وهو اشتقاق من الكلمة العربية شيء، أو الكلمة Risk التي اشتقت من الكلمة العربية رزق.

 

ورغم ذلك، لم تكن صفحة الدحيح بيضاء تماما في منصة الجزيرة بلس، بل سبق وتعرض عدة مرات لانتقادات واسعة بسبب اتهامات بترويج المحتوى الإلحادي عبر حلقاته، والتي يتم عرضها عادة في سياق تقارير علمية راسخة ومستقرة، بينما تكون أغلبها مجرد أطروحات لا أدلة مستقرة عليها بعد في المباحث العلمية والمجلات المرموقة التي درج الغندور على الإشارة إليها في حلقاته.

 

لكن تلك الانتقادات، التي تصدر فيها بشكل خاص عالم الكيمياء الأردني إياد القنيبي، الأستاذ المشارك في علم الأدوية، والصيدلة الإكلينيكية والتداوي، وعلم السموم، لم توقف من انتشار البرنامج كالنار في الهشيم، لتحصد حلقاته في المتوسط على ما يتجاوز المليوني مشاهدة بحد أقل، فيما تجاوزت بعض حلقاته الـ 6 ملايين مشاهدة.

 

لكن الغندور عاد مجددا مطلع هذا الشهر، ليبث أول حلقات برنامج الدحيح، لكن هذه المرة عبر منصة إماراتية متهمة بالتطبيع مع الاحتلال الصهيوني، ومضمنة في صدارة قائمة حركة مقاطعة إسرائيل للمنصات الإعلامية المهتمة بالترويج للتطبيع مع الاحتلال الصهيوني في الوطن العربي.

 

المنصة الإماراتية New media academy وهي جزء داعم لمشروع أكاديمية ناس التي تمثل جزءا من مشروع «ناس ديلي» لصاحبه نصير ياسين الذي يصف نفسه بعربي إسرائيلي ويُنظر إليه على أنه مروج للتطبيع من خلال القوة الناعمة، والتي دعت اللجنة الوطنية الفلسطينية لمقاطعة إسرائيل في وقت سابق صناع المحتوى العرب لمقاطعة برنامج ناس ديلي بدعوى أنه سيورطهم في التطبيع مع إسرائيل والتغطية على جرائمها.

 

وقالت اللجنة في بيان إن البرنامج الذي تدعو إلى مقاطعته يهدف إلى تدريب 80 صانع وصانعة محتوى من خلال أكاديمية ناس التي تضمّ إسرائيليين من ضمن طاقم الإشراف والتدريب الذي يرأسه الإسرائيلي جوناثان بيليك، وبتمويلٍ من أكاديمية نيو ميديا الإماراتية التي تعرف نفسها بأنها مؤسسة تعليمية تطرح مجموعة واسعة من البرامج العلمية في مجال الإعلام الرقمي باستخدام تقنيات التعليم عن بعد، وبالاستعانة بمجموعة من ألمع العقول العالمية المختصة بهذا المجال من أكاديميين وخبراء ومؤثرين يحظون بشهرة دولية واسعة.

 

وافتتح الأكاديمية نائب رئيس دولة الإمارات حاكم دبي، محمد بن راشد آل مكتوم، في منتصف يونيو 2020، معلنا أنها تستهدف تأهيل وبناء قدرات كوادر إعلامية رقمية بالاستعانة بمجموعة من ألمع العقول العالمية المختصة في هذا المجال، وتقدم برامج مدفوعة في عدد من المجالات بينها صناعة المحتوى ورعاية مؤثري التواصل الاجتماعي ورواية القصص وتطوير خبراء ومدراء التواصل الاجتماعي.

 

لكن المؤسسة الإماراتية التي تعمل بتماهٍ تام مع مقررات ومخرجات السياسة الخارجية الإماراتية فيما يخص ملف التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي، جاءت بحظ سيء على الغندور الذي سرعان ما أعلن في بيان على صفحته بموقع فيسبوك أنه لم لن يكون مُطبعا مع الاحتلال، وأن تعاونه مع المنصة الإماراتية جاء في سياق تعاوني دون أي اطلاع على برامجها أو اشتراط منها في ترويج التطبيع.

 

بيان الغندور جاء تفاعلا مع هجوم نشطاء التواصل الاجتماعي على البرنامج الجديد، والذي قالوا إن الحلقة الأولى -بعنوان (الملل)- استعرضت مآسي سجناء خلف القضبان، وتحدث فيها الغندور عن أقدم المعتقلين، لكنه لم يذكر أي سجين عربي أو فلسطيني في سجون الاحتلال الإسرائيلي. وتضامنًا مع القضية الفلسطينية ورفضًا للتطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي، دشن ناشطون على منصات التواصل حملة موسّعة لمقاطعة البرنامج.

 

وبشكل عام، فإن الإمارات ومؤسساتها أصبحت الآن تمثل موضع خطر يجب أن يتحسسه أي متصدر أو مؤثر، بسبب توريط النظام الإماراتي لكافة مؤسسات بلاده في خيانة التطبيع، والذي أدى -بحسب مقيميين في أبو ظبي- إلى كون فرص التقائك بصهيوني في الشوارع الإماراتية باتت أكبر بكثير من فرص لقائك بفلسطيني من سكان القدس المحتلة!