تغيير حجم الخط ع ع ع

العدسة _ ربى الطاهر

تسجل الإحصائيات على مستوى بلدان العالم تزايدًا يثير الاندهاش والتساؤلات، بل والمزيد من الأبحاث والدرسات حول ظاهرة وقوع الطلاق، والتي غالبًا ما تقترن بأسباب كثيرة ومتداخلة، سواء كانت نفسية أو اقتصادية أو اجتماعية.

إلا أن هذه الظاهرة لا يتوقف تأثيرها على حد المستوى النفسي أو الاجتماعي فقط، بل قد يتخطى ذلك بكثير، وهو ما توصلت إليه دراسة أمريكية حديثة، تقول إن أحد عوامل احتمالية زيادة شيخوخة الدماغ بأربعة أشهر تقريبًا هو الطلاق، إلى جانب الحرمان والعجز المالي.

وأوضحت الدراسة أن الأحداث المصيرية المؤلمة، والتي قد يتعرض الفرد لحدث واحد فقط منها (FLE) – وقد يشمل ذلك الإجهاض أيضًا- قادرة على أن تسبب الشيخوخة في مناطق معينة مسؤولة عن الذاكرة والانتباه والتفكير في أدمغة كبار السن.

وأرجع الدكتور شون هاتون -من جامعة كاليفورنيا في سان دييجو، وهو أحد مسؤولي إجراء هذه الدراسة- السبب إلى “الإجهاد الداخلي”؛ فتكرار وقوع الأحداث المصيرية خاصة إذا تعلقت بما يخص الطلاق أو وفاة أحد أفراد الأسرة، في فترة منتصف العمر قد يسبب حالة من الإجهاد النفسي، والتي ترتبط بتأثيرات من شأنها تقدم الشيخوخة في المخ، حيث يؤدي ذلك إلى تغيرات جينية وتلف في الخلايا وانخفاض المناعة.

إلا أن الدراسة لم تثبت إذا ما كانت نسبة تأثر الأشخاص الكبار في السن أعلى من الأقل عمرًا، حيث يزداد خطر الاصابة ببعض الأمراض المتعلقة بتقدم السن، مثل الخرف أو اضطرابات الصحة العقلية.

وقد تتبع الباحثون بتحليل بيانات 359 رجلًا تتراوح أعمارهم بين 57 و66 عامًا، فاتضح لهم أن حدثًا واحدًا فقط من الأحداث المصيرية كاف لأن يؤدي إلى تأثيرات سلبية على الصحة بوجه عام، وعلى الصحة العقلية بشكل خاص.

في حين أكد المسؤول الأول عن هذه الدراسة، الدكتور أرشيد أويومي، من جامعة إيموري، أن الأحداث الإيجابية، ومنها الزواج، تؤثر تأثيرًا إيجابيًّا على صحة الإنسان، إذ ينخفض لدى الأشخاص المتزوجين نسبة التعرض لخطر الموت المبكر من الأسباب التي قد تؤدي إلى نفس النتيجة بالمقارنة بالمطلقين أو من لم يتزوجوا من الأساس.

ويرى فريق من الباحثين أن الزواج يخلق شبكات للدعم الاجتماعي لا تتوفر إلا من خلاله، إضافة إلى تفادي هذا التوتر المالي والعاطفي الذي يخلفه الطلاق، كما أنه قد يحمي مرضى القلب كذلك من الوفاة مبكرا، وهو ما أشارت إليه دراسة سابقة تناولت جانبًا آخر، ولكنها توصلت لنفس النتيجة حيث ذكرت أن مرضى القلب من أكثر المتزوجين استفادة، حيث إن وجود شريك بجانبهم يلزمهم باتباع أنماط حياة صحية.

الآثار النفسية للرجال

وقد أكد الباحثون منذ عقود مضت على التأثيرات السلبية التي يخلفها الطلاق، وكان من هؤلاء “دك” (Duck, 1992)، الذي تبين له من خلال مراجعته للأبحاث الخاصة بما يتعلق بهذا المجال، أن الأشخاص الذين يتعرضون لتجربة الخروج من علاقة زوجية فاشلة يكونون أقرب إلى الإصابة بالنوبات القلبية من هؤلاء الذين لم يتعرضوا لنفس التجربة والذين يوافقونهم في السن والجنس، كما أن تعرضهم لمخاطر الإدمان للمخدرات أو للكحوليات، وكذلك اضطرابات النوم، يكون بمعدل أعلى كذلك.

وفي نفس المجال قام كوكران (Cochrane, 1983, 1996) بربط الحالة الاجتماعية للفرد ( متزوجًا أو أعزب، مطلقًا، أو أرمل) بحالته الصحية على المستوى النفسي والعقلي، وتوصل إلى أن الحالة الاجتماعية لها من التأثير الذي قد يودي بصاحبها إلى دخول مستشفى الأمراض العقلية، إلا أن هناك فارقًا هامًّا بين النساء والرجال في تأثيرات الطلاق، ويتعلق بشكل كبير بالمدة الزمنية التي اتخذتها إجراءات وقوع الطلاق، فاكتشف أن الرجال أكثر تأثرًا بوقوع الطلاق بدرجات أعلى بكثير من النساء، ويتضح هذا الفرق بين كليهما في المرحلة التي تعقب الطلاق مباشرة؛ حيث يفتقد الرجال بشدة هذا الدعم النفسي الذي يوفره الزواج في الأغلب، حيث لا تكون الفرصة متاحة أمامهم –مقارنة بالنساء- للتعبير عن مشاعرهم للأشخاص المقربين منهم.

في الوقت الذي أثبتت فيه الدراسات أن الزواج، وخاصة الذي يتمتع فيه الطرفان بالترابط والتوافق، يعطي الفرصة للزوجين بالتمتع بصحة نفسية جيدة، حيث تسيطر عليهم مشاعر الرضا والسعادة والراحة، وهو ما قد يعتبر حصنًا يحمي الزوجين من التعرض للأمراض النفسية والعقلية كذلك.

الآثار النفسية للنساء

أما النساء؛ فقد يتعرضن لتأثيرات الطلاق من قبل وقوعه، عندما تحتدم الخلافات الزوجية، فيصبن بالتوتر الشديد، ويكن عرضة للاكتئاب أكثر من الرجال، حتى إن الأبحاث تشير إلى أن هذه المرحلة هي الأسوأ على الإطلاق في كل مراحل الطلاق، فيما يخص الشعور بالاستقرار النفسي، وربما أكثر من مرحلة وقوع الطلاق نفسه.

إلا أن “فنشام” (Fincham,1997) قد قام بإجراء دراسة استعان فيها بعينة من الأزواج تخطت الـ (100) زوج وزوجة، وسعى فيها لقياس درجة التعاسة لدى كل منهما، بالمقارنة مع درجة الخلاف الزوجي، واستنتج من خلال ما توصل إليه من نتائج، أن الزواج يحمي الرجال من المشاكل النفسية، في حين أنه يتجه بالنساء إليها، وربما تثير هذه النتيجة الكثير من التساؤلات.

وأشار إلى أن ما توصل إليه من تلك الملاحظة الهامة، توضح هذا الترابط بين توتر العلاقة الزوجية وبين الاكتئاب، فلدى الرجال يتضح أن حالة الاكتئاب تدل على وجود توتر في علاقته الزوجية، وهو ما يعني أن حالة الرجل النفسية هي التي تحدد ما إذا كان الرجل يعاني من مشاكل في علاقته الزوجية، أما بالنسبة للنساء فما يحدث هو العكس تماما، إذ إن مقدار التوتر في العلاقة الزوجية هو ما يحدد درجة الاكتئاب التي يتعرضن لها، وبرر ذلك بأن النساء يقدسن الحياة الزوجية، ويقدرن العلاقات بها تقديرًا كبيرًا، مما يجعلهن أكثر عرضة للتوتر في حال تعرض هذه العلاقة للمشاكل، وهو ما يتسبب بالاكتئاب لديهن.

كما أن النساء يحملن على عاتقهن الحمل الأكبر من مسؤولية إنجاح هذه العلاقة، ويعتقدن أنهن المسؤول الأكبر عما قد يعتري هذه العلاقة من مشكلات، وربما يلقين باللوم على أنفسهن في حالة فشل هذه العلاقة، وهو ما يجعلهن يقعن فريسة للاكتئاب بدرجة أكبر من الرجال.

في حين جمع “مكجي” (Mcghee, 1996) الكثير من الدلائل التي وصل من خلالها إلى أن ما يحصل عليه الفرد من دعم اجتماعي بعد فشل علاقته الزوجية يقلل من تعرضه للمشاكل الصحية أو النفسية كذلك.

أما “بوهلر وليغ” (Buehler&Legge, 1993)، فقد أخضع (144) امرأة يعشن مع أطفالهن بعد انفصالهن عن أزواجهن للدراسة، وتبين له منها أن العلاقات الطيبة والودودة، وما إلى ذلك من سبل الدعم النفسي والمساعدة على الشعور بالتقدير، تساعد النساء على تخطي الأزمات النفسية، وقد تحصل النساء على هذا الدعم النفسي والعاطفي بدرجة أكبر، حيث إنهن يضعن ثقتهن بالآخرين بسهولة أكثر من الرجال، ويتمكن من البوح بأسرارهن إلى نساء أخريات فيما بعد الطلاق، وهو ما يجعلهن أفضل، في حين أن الرجال ليس لديهم نفس القدرة، فيعيشون في عزلة اجتماعية وعاطفية في هذه الفترة.

ولهذا توصل الباحثون إلى أن الرجال قد يعانون من جراء الطلاق أكثر من النساء فيما يخص المشاكل النفسية والاضطرابات العقلية، ودخول المستشفيات، وقد يكونون عرضة بشكل أكبر كذلك للأمراض السيكوسوماتية (النفسية الجسمية).