تغيير حجم الخط ع ع ع

حين تخرجتُ في الجامعة، ظللت أزور الكلية يوميا في العام التالي، ربما بانتظام أكبر من حضوري إليها طالبا.. كانت تلك محاولة للتشبث بمرحلة الجامعة وما فيها من وضوح رؤية واستقرار وثبات وأحلام وأمنيات، وهروبا من المجهول الصعب الذي ينتظرنا خارج أسوارها.

رحلة انخلاعي عن الجامعة لم تكن يسيرة أبدا، كنت أعتبر الراسبين من دفعتنا محظوظين للغاية لأنهم اقتنصوا سنة أخرى في رحاب الجامعة، بينما خسرنا نحن تلك المزية التي ما أردنا لها أن تنتهي يوما.

بعد التخرج، كنت أشعر بالدفء بين جدران الجامعة، وكلما صعبت الأمور في حياتي الجديدة كنت آوي إليها باحثا عن مقعد قرار، أتحسس فيها مقاعد المدرجات الخاليات، نادما على كل محاضرة لم أكن بين روادها.

بعد عامين أو ثلاثة، بدأت الأمور تتغير شيئا فشيئا، ومع الوقت اختفى شغف الجامعة، ولم تكد السنة الرابعة بعد التخرج تبدأ إلا وبت أشعر بوحشة المكان، رغم أن الجامعة هي هي، لكن شيئا ما بات مختلفا، غريبا، ناقصا.

كانت الجامعة لا تزال مكتظة بالطلاب والطالبات. لكن لا أحد منهم يعرفك ولا تعرفه، وغاب كل رفاق الأمس وأو من تبقى منهم.. عرفت وقتها كيف أن الجامعة ليست الجدران وحسب، بل روح وكيان، لك فيها أصحاب وتوأم روح، ووجوه ظللت تتفحص تفاصيلها سنوات وسنوات.. هؤلاء من تعلق بهم الشغف، ليس المبنى.

هذه سنة الحياة، أدركها البدوي العربي قبل قرون حين قال:

أمرّ على الديار ديار ليلى.. أقبل ذا الجدار وذا الجدارا

وما حب الديار ملأن قلبي.. ولكن حب من سكن الديارا

ستجد هذا الإلحاح في كل ثقافة وحضارة، ستجد الحنين والعاطفة القاهرة، البحث عن رفاق الأمس وأصحاب الرحلة المنصرمة، يقضى الناس شطرا من أعمارهم يلحون على استدعاء القديم، وبعث الماضى، واستجداء الاستدعاء.

التعلق لا يكون بالأمكنة ولا بالأزمنة، بل بمن عاصروا تجربتنا فيها.. نتذكر الثورة حين نلتقى رفيق الخيمة أكثر من زيارتنا لميدان التحرير المطموس، ونتذكر الجامعة كلما مرت إلى جوارنا زميلة المقعد حتى لو لم ننتبه إلى طفلها الذي يتعلق بها.

لي تجربة شخصية دفعتني لكتابة هذا كله، غياب أصحاب رحلة العمل الحقوقي الأولى، رفقاء الدرب في المعترك القديم، هؤلاء الذين غيبتهم الحياة كلّ في طريقه، ما بين سفر بعيد أو زواج قريب، أو يأس أو انتحار أو قنوط.

غاب أصحاب الرحلة، فغاب شغفها، وتحول الميدان الزخِم إلى صحراء نهرب منها، لأننا لا نستطيع أن نستدعي أيامها إلا عبرهم، تعود حين يعودون، وتغيب حين يغيبون.

لن تدرك هذا المعنى بسهولة، اسأل من عشق الكرة يوما في زمان الخطيب، لن تجده متحمسا أبدا لجيل أبو تريكة ورفاقه.. الشغف لم يكن بالكرة في ذاتها، وإنما برفاق الرحلة وصانعي التجربة.

أتوق كثيرا إلى أن نعود كما كنا من جديد، إلى كل مرحلة خضناها سويا، لم نتوقع يوما أن يبلغها النسيان وتطويها الحوادث، أتوق للجامعة ورفاقها، لملعب الكرة وفريق البلدة، للمنتديات وغرف البالتوك، لأول دردشة على شات ياهو.

الآراء الواردة في التدوينة تعبر فقط عن رأي صاحبها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر “العدسة“.