تغيير حجم الخط ع ع ع

العدسة _ معتز أشرف

“الجيش المصري بتعنا والسيسي مش تبعنا”، هكذا كان يهتف خصوم الرئيس المصري المنتهية ولايته عبدالفتاح السيسي، أثناء توليه وزارة الدفاع، قبل أن يطيح بالدكتور محمد مرسي، أول رئيس مدني منتخب لمصر، ولكن يبدو أن الديكتاتور المصري المرتبك، لا يريد أن يكون الجيش تابعًا لأحد غيره، حتى لو كان الشعب، فأصدر قرارًا بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، بدون أسباب واضحة، وبعد انطلاق إجراءات الانتخابات الرئاسية، رغم أنَّ العمليات العسكرية للقوات المسلحة المصرية مستمرة في دورية معتادة، وبشعاراتها المناهضة للعنف والإرهاب، وهو ما ألقى بشكوك ورِيبة حول إصرار السيسي على إنهاك الجيش واستنزاف قواته في إطار حملة الدعاية الانتخابية التي يجريها أنصار السيسي على قدم وساق، رغم انتفاء المنافسة وسط تقديرات غير رسمية للمراقبين تؤكّد «وقوع هجوم إرهابي واحد على الأقل كل يوم في سيناء».

بلد عمليات

“عملية الانتخابات الرئاسية “.. هكذا يمكن تسمية العملية العسكرية التي انطلقت بعد تحضيرات مسبقة شاركت فيها وزارة الصحة المصرية بإرسال إشارات استدعاء وترتيبات تشبه إجراءات الحرب، حيث فوجئ المتابعون بإعلان المتحدث الرسمي للجيش المصري، صباح الجمعة، بدء عملية شاملة ضد الإرهاب، بناء على ” التكليف الصادر من رئيس الجمهورية للقيادة العامة للقوات المسلحة ووزارة الداخلية بالمجابهة الشاملة للإرهاب”، وذلك في شمال ووسط سيناء ومناطق بدلتا مصر والظهير الصحراوي غرب وادي النيل، لتطرح التساؤلات نفسها، لماذا لم تحدث هذه العملية بعد استهداف وزيري الدفاع والداخلية مباشرة، رغم خطورة الاستهداف وحدته؟ ولماذا الآن بعد انطلاق الانتخابات الرئاسية، وسط مقاطعة واسعة واعتقالات واسعة، خاصة وأن المهلة التي حددها السيسي لرجاله انطلقت في 29 نوفمبر الماضي، رغم أن عمليات عديدة انطلقت ولم تحقق في كل مرة المراد منها في رأي بعض الخبراء والمراقبين؟

ففي عام 2017،  كان عنوان المشهد في سيناء، التردي الواسع، واستمرار الإرهاب في فرض سيطرته، مع سيطرة لأصوات البنادق، وانتشار لبقع الدماء، وسقط للمرة الأولى في تاريخ سيناء، في مصر 309 من المصريين في هجوم مسلح، رغم إعلان حالة الطوارئ، وحالة التأهب الأمني، واستنفار عمل المخابرات والجيش والشرطة في شمال شبه الجزيرة المضطربة منذ الأزمة السياسية في يوليو 2013، كما شهد عام 2017، إلى جانب مقتل العشرات من العسكريين في هجمات مسلحة في اشتباكات واستهداف كمائن، محاولة اغتيال وزير دفاع وداخلية السيسي في مطار العريش، إلى جانب استهداف الأقباط، بقتل 7 منهم، وتهجيرهم قسرا إلى الإسماعيلية والمدن المجاورة، وسط فشل نظام السيسي في تأمين جميع الأطراف، سواء من العسكريين أو المدنيين، كما شهد العام سقوط مروعا لتصريحات المسؤولين حول استقرار الأمر، حيث  زعم اللواء «ممدوح شاهين»، مساعد وزير الدفاع، في كلمة أمام البرلمان الحالي: إن «القوات المسلحة على وشك القضاء على الإرهاب بالكامل في سيناء».

وفي مارس، تفقد وزير الدفاع المصري الفريق أول «صدقي صبحي»، ووزير الداخلية اللواء «مجدي عبدالغفار» العريش وشددا على تطهير أرض سيناء من كافة أشكال التطرف والإرهاب، ليأتي الرد سريعا بمقتل 12، بينهم قيادات عسكرية بارزة، خلال اشتباكات مع “داعش”، التي زعمت أنها كانت صاحبة الكلمة على الأرض في هذا العام بعد هجومها على 170 ارتكازا للجيش المصري، ونظم استعراضات عسكرية لقدراته في سيناء، ونفذ عدة عمليات كبرى في الشهور الأخيرة، وفرض ضرائب على السكان المحليين، ونشر مجموعات «الحسبة» التابعة له.

وفي عام 2016، كان الدم صاحب السطوة في المشهد السيناوي، وروت القوات المسلحة بدماء أبنائها الأرض المحروقة بينما السيسي في قصره لا يبالي إلا بحراساته الخاصة، كان أبرز ما فيها في  19 مارس، حين هاجمت “داعش”  كمين الصفا لقوات الشرطة المتمركز على الطريق الدائري، بنطاق حي الصفا جنوب مدينة العريش، وأسفر الهجوم عن مقتل 18 شرطي بينهم 3 ضباط، بينما خطفت نقيب شرطة محمد القلاوي (30 عامًا) ومجند محمد أحمد (21 عامًا)، عقب الهجوم المسلح، حتى أعلن التنظيم الإرهابي عن تصفيته للنقيب محمد القلاوي بعد الحادث بعدة أيام، من خلال فيديو بثته عناصر بيت المقدس، كما أعلن مقتل المجند المخطوف، وفي أكتوبر من ذات العام، انضم كمين زاغدان الأمني المتمركز بمدخل منطقة المغارة بالقرب من مدينة بئر العبد بشمال سيناء، إلى مشهد الاستنزاف، حيث هاجم الإرهابيون بقذائف الآر بي جي، واشتبكوا مع القوات فجرا، ما أسفر عن مقتل 12 جنديًّا وإصابة 7 آخرين بجراح بالغة، وتم نقل المصابين إلى المستشفى العسكري بالعريش، وفي نوفمبر، كان كمين “غاز السبيل” على موعد مع الإرهاب الدموي بسيارة مفخخة، يقودها انتحاري فجر نفسه بالكمين، أعقبه هجوم مسلح ما أسفر عن مقتل 13 مجندًا من قوات الأمن وإصابة 10 آخرين، كما طالت يد الإرهاب في نوفمبر، أكبر شيخ صوفي مقرب من نظام السيسي، وهو الشيخ سليمان أبو حراز (100 عام)، حيث تم اختطافه من منزله في عملية تفضح السيطرة الكاملة للإرهاب على الأرض، وتم ذبحه، وبث “داعش” فيديو بالجريمة، بالإضافة إلى عشرات الهجمات والاستهدافات التي سقط فيها العديد من جنود مصر وضباطها، دون توضيح لهم سبب ما يحدث .

وفي عام 2015، كانت الهجمات الإرهابية لا ترحم أحدًا، وشهد العام سلسلة من الهجمات على قواعد الجيش والشرطة في العريش، باستخدام السيارات المفخخة وقذائف الهاون، وفي  31 أكتوبر 2015، تحطمت طائرة متروجت الرحلة 9268 على متنها 224 راكبًا، قتلوا جميعاً في الحادث على بعد 100 كم جنوب مدينة العريش، نتيجة انفجار عبوة ناسفة يدوية الصنع زرعها تنظيم “داعش” على متن الطائرة، لتعلن القوات المسلحة، فجر الاثنين 8 سبتمبر 2015،  إطلاق عملية عسكرية شاملة باسم “حق الشهيد”، في مناطق رفح والشيخ زويد والعريش بشمال سيناء، وانتهت المرحلة الرئيسية منها في 22 سبتمبر 2015، واستمرت بمراحل مختلفة حتى العام 2017؛ تارة لتهيئة الظروف المناسبة لبدء أعمال التنمية بسيناء، وتمشيط البؤر الإرهابية بالكامل وتدميرها تارة أخرى، فيما شهدت الحدود عملية للجيش في 16 فبراير 2015، شنتها القوات الجوية على أحد الأهداف بمدينة درنة بليبيا، ردًّا على تنظيم “داعش” .

وفي 2014،  كانت وتيرة استهداف الإرهاب للجيش والشرطة والمدنيين على أشدها، بينما السيسي منشغل بالوصول إلى سدة الحكم، حتى وصلت وتيرة الإرهاب إلى حد إعلان “داعش” في 26 يناير، مسؤوليتها عن إسقاط مروحية عسكرية بصاروخ أرض-جو، وقتل طاقمها الكامل، في المنطقة حول مدينة الشيخ زويد”، قرب الحدود مع قطاع غزة، وفي 16 فبراير عام 2014، انفجرت قنبلة في حافلة سياحية تقل كوريين جنوبيين في المدينة المصرية طابا، والتي تجاور خليج العقبة وإيلات، ما أدى إلى صدى واسع للمواجهة وسوء الظروف الأمنية في سيناء، جاء بعده العملية الأكبر في  24 أكتوبر عام 2014، حيث قتل 31 من جنود الجيش والشرطة في هجومين منفصلين في شمال سيناء، فيما عرف إعلاميا بعملية كرم القواديس، والتي قدرت بأنها أكبر هجوم على الإطلاق منذ بدء الحرب على الإرهاب في سيناء، والتي نتج عنها إعلان السيسي للطوارئ في سيناء، لترد “داعش” ببث فيديو، يُظهر ذبحًا لـ 21 مصريًّا مسيحيًّا، اختطفوا من قِبل ميليشياتها في ديسمبر 2014.

ومنذ الانقلاب الذي قاده السيسي ضد الدكتور محمد مرسي، شهد أواخر عام 2013، زيادة في العنف، وأصبحت الهجمات على قوات الأمن المصرية شبه يومية منذ الإطاحة بمرسي، وهو ما حمل الجيش أعباء إضافية، بعدما كان ينعم بالتقدير في سيناء على عكس الشرطة، التي كانت تحتمي فيه آنذاك، بحسب المصادر، حيث عزز الجيش تواجده في سيناء بالتزامن مع استنزافه في القاهرة والمدن، في عمليات قمع المعارضين للانقلاب العسكري، وفي الأسبوعين منذ 3 يوليو، وقع 39 هجمة إرهابية في شمال سيناء، وتفاوتت وتيرة الهجمات من اثنتين إلى خمس هجمات في يوم واحد، بالإضافة إلى ذلك، توسعت أهداف من نقاط التفتيش الأمنية الثابتة لدوريات متنقلة، وكان من بين العمليات القديمة التي أطلقها الجيش بأمر السيسي، وزير الدفاع وقتها، عملية انطلقت في 7 سبتمبر 2013، إلا أن في 11 سبتمبر، استهدف انتحاري مقر المخابرات العسكرية المصرية في رفح، في نفس الوقت صدمت سيارة ملغومة نقطة تفتيش تابعة للجيش، قتل تسعة جنود على الأقل في هذين الهجومين اللذين نفذا في وقت واحد، لتكون خيبة الأمل شعار أواخر العام، فيما شهدت سيناء في عامي 2011 و 2012، تدشين عمليتي النسر 1 والنسر 2، اللتين أطلقتا تحت نفس الشعارات تقريبا، التي شهدها عام 2018، بهدف واحد، وهو تطهير سيناء من “البؤر الإرهابية”.